سامي بن عامر يدعو للتأمل في 'الأرض الرّوحية'
يطل الفن عالما بأسره يقود الذات إلى إعادة النظر في الأشياء والعناصر والعوالم حيث حرقة السؤال القائل بالذهاب المفتوح على الكشف والاكتشاف تقصدا لما به تسعد هذه الذات في حلها وترحالها ومن هنا تكون الفكرة القائلة بالتنوع والتعدد نظرا وتأملا وحلما وتشوفا .. إنها اللعبة المشوبة بالمتعة والمغامرة والقلق يبرز معها الفنان وهو يتعاطى مع عمله بمثابة طفل لا يلوي على غير اللعب والاكتشاف والاستمتاع جوابا على رغبات متداخلة متعددة ملتقية ومتنافرة ... وهكذا...
في هذا السياق وفي حيز مخصوص من عوالم الفنون ونعني مثلا الفنون البصرية والتشكيلية تكون هذه المغامرة الفنية غير عفوية وتلقائية لكونها تشير إلى غاياتها وتقصدها الجمالي وتخيرها الفني الإبداعي انطلاقا من الكينونة الدالة على نزعاتها واشتراطاتها جماليا ووجدانيا وإبداعيا .. وبالتالي يبدو في كل ذلك الجانب الفكري المتقصد والمعني بالرؤى والأفكار والاتجاهات بما ينسجم مع ذات الفنان المبدع وحساسيته وذائقته وفق عنوان دال وإطار وهو البحث الفني في علاقاته بالذات وهي تقابل وتواجه الآخر وما هو خارجي وموضوعي ومنه الطبيعي والقديم قدم الكون...
هذا يأخذنا إلى تجربة فنية سعى صاحبها إلى الغوص في هذه العوالم والتفاصيل المتصلة بالفن والإنسان والكائنات ليشير بالتالي إلى اشتغالاته الجمالية ضمن هذه العلاقات المقامة سؤالا وحبا وكشفا مع العناصر في تأملات وجدانية وروحية وإنسانية..
الفنان التشكيلي والأكاديمي الدكتور سامي بن عامر ومنذ سنوات تخير هذا النهج في السير بفنه حيث يجترح من ذاته المفعمة بالسؤال .. سؤال الفن والإنسان والكون تلك الأعمال الفنية مختلفة الأحجام والألوان والأشكال التي قادته إليها سياقات تجربته الجمالية وهو الفنان الناقد والمتحاور مع ذاته الفنية القلقة .. قلق رياح الفن والإبداع... وصولا والآن وهنا إلى فكرته التشكيلية الممهورة بـ"الأرض الرّوحية" التي يقترحها في معرضه الشخصي – الحدث بفضاءات قصر خير الدين - متحف مدينة تونس بالعاصمة، وذلك للفترة من 03 إلى 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025 .. هي لعبة أخرى للفن والفنان وفق مسار من الاشتغالات على حكاية الأرض.. وما أدراك ما الأرض. لعبة الأسئلة في خطاب جمالي عن الأرض الروحية من وجهة تعاطي سامي بن عامر الفنان مع الأرض والإنسان والروح... كل ذلك في عوالم مربكة وتداعيات متسارعة وانهيارات قيمية إنسانية وثقافية و ... نفسية عميقة تشهدها السيدة الأرض.
فكرة عميقة ومربكة وموجعة وصادقة من فنان وبحساسية الفن الدالة على جماله وسحره وما يثيره من حيرة وقلق، فضلا عن الإشارة القديمة والمتجددة في العلاقة بين الفن والإبداع والإنسان في عوالم موحشة ومدهشة وهشة..
في مرسمه بجهة المنار بالمنزه كانت اللوحات في أناقاتها وقد اكتمل الاشتغال عليها في هيئات متعددة من حالات الانتظار لتأثيث جدران فضاءات متحف قصر خير الدين يوم 03 أكتوبر/تشرين الأول 2025 وكان الفنان سامي يحدثنا عن كل لوحة الفكرة والشكل والمحتوى والتخير الجمالي التقني واللوني... وهكذا كان يتحدث بحميمية ولطف مثلما يتحدث أب عن أبنائه وهو يحكي قصص لوحاته كانت بداخله لوعة السؤال والبهجة كذلك حيث سؤال الفجيعة على الأرض وبهجة الوصول لهذه المحطة من المنجز ضمن المسيرة الفنية والجامع في كل هذا وذاك هو هذا الذهاب عميقا في الجانب الروحي والروحاني في التعاطي مع هذا المشروع قولا من الفنان بالدواخل وشواسع الروح وهي تجترح من الأمكنة في سفرها وترحالها ما به يكون العمل الفني ذهابا للجوهر .. جوهر الأرض والإنسان .. ومن السفرات يعود الفنان وفي هذه الأعمال برموز وأفكار وأقوال وأمثلة تبرز في اللوحات مشيرة للمشترك الثقافي والشعبي بين بلدان وقارات الأرض...
معرض ثري ومتواصل ضمن تجربة مفتوحة واقتراحات تشكيلية بحوالي أربعين من الأعمال الفنية أنجزها بين عامي 2024 و2025. وهي أعمال متعددة الوسائط على القماش والخشب، معظمها كبير الحجم. في "الأرض الروحية"، اختار بن عامر المربع (150/150 سم) أو الدائرة (150 سم قطرًا) في إشارة إلى الأرض، حيث أن المربع محفور داخل الدائرة. يجمع هذا المشروع سلسلة أعمال تتساءل عن العلاقة بين الإنسان والأرض والروح، في عالمٍ هش وشيد الصراعات ومع المعرض يقدم الفنان سامي كتابا فنيا حيث يرد فيه أن الأعمال التي ستعرض تمثل كتابة تصويرية تغذيها الألوان والمواد والرموز بتأملًات تتقاطع فيها الذاكرة والثقافة والأحداث الجارية... ومنها جراح غزة الصامدة حيث اللوحة صرخة صامتة كما رآها فنان وإنسان للعالم لإيقاف الإبادة والدمار.. وفي اللوحات ضمن معرض "أرض روحية" مجال للقول والكلام والحوار والتساؤل تقصدا وعبر الفن لإعادة تشكيل وبناء علاقة متجددة بالأرض والإنسان مهما كان.
معرض واعد بالجديد وهو ضمن سياق معارض شخصية سابقة ومشاركات في معارض جماعية تونسية وعربية ودولية، فضلا عن المساهمات العلمية والأكاديمية ذات الصلة ومن كل ذلك مثلا معرض "أرض مزهرة" (2007)، و"أرض أصلية" (2009)، و"طبيعة في الزمن" (2016)، و"أثير ولحن" (2018).
معرض جديد ومضامين جمالية حارقة ولافتة حيث "الأرض الروحية"... كما يراها صاحبها الفنان سامي بن عامر ليقول "...رحلة تشكيلية بين الذاكرة والجرح الإنساني... وبعد عدة إصدارات تمهيدية، يشرفني أن أشارككم اليوم غلاف كاتالوغ معرضي الشخصي الجديد الذي سيُقام بقصر خير الدين متحف مدينة تونس.. هذا المشروع الفني هو صرخة صامتة في وجه عالم جريح، ودعوة للتأمل في معنى الأرض والروح في زمننا المضطرب.. في الأرض الروحية، الرموزُ، مثل اللولب وتأنيت والقبلة وغيرها، ليست مجرّد عناصر زخرفية فحسب، وإنّما هي إشاراتٌ مشبعة بالمعنى، تتشابك وتتقاطع لتشكّل شبكة روحية عابرة للثقافات واللغات"..
"الأرض الرّوحية" معرض جديد يقترحه الفنان والناقد سامي بن عامر ضمن سياق تجربته الجمالية المتواصلة وينتظم بفضاءات قصر خير الدين- متحف مدينة تونس بالعاصمة للفترة من 03 إلى 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025.



