شيء من الذاكرة مع الفنان عبدالرحمن أبو زهرة
قابلت الفنان القدير عبدالرحمن أبوزهرة مرات عدة، وارتقتْ علاقتُنا في مدارج متباينة؛ من الاحتقان الشديد والغضب والاحتداد، إلى الصفاء والود والضحكات ذات الصدى الواسع.
كان أول لقاء بيننا منذ ما يقرب من اثنتي عشرة سنةً، ويا له من لقاء عاصف! كنا نعمل في مسلسل كرتوني اسمه 'ابن ماجد'، وكانت ليلة تسجيل الأستاذ أبوزهرة لدور من أدوار البطولة في المسلسل.
ذهبت إلى الاستوديو فرحًا بمُقابلة هذا الفنان الذي أكنُّ له الكثير من التقدير والاحترام، لكنْ سرعان ما اكتشفتُ أن الأستاذ جاء ناويًا نية سوء لي؛ فقد وقع في وهمه أنني أخطأت أخطاءً عظيمةً -كما وصفها- في ضبط النص.
فلمَّا أسرَّ لي صاحب الاستوديو -وكان صديقًا رفيقًا- هذا القول من الأستاذ أبي زهرة، رحَّبتُ بأن يدلَّني الأستاذ على مواضع أخطائي الجسيمة التي ارتكبتها. وقد دُهش صاحب الاستوديو من هدوئي، وكان يظنني أفزع من إسراره الأمر.
ثم بدأت الليلة العصيبة العاصفة بيني والأستاذ أبي زهرة. كنتُ قد سلَّمتُ عليه في حُبور، قبل سماعي خبر نقمته عليّ، ولم يكن يعرف أنني من جاء ناقمًا عليه، فلمَّا دخلنا غرفتَيْ التسجيل (الممثل يدخل غرفة التسجيل، والقائمون على التسجيل يقبعون في غرفة التحكم) عرفني. ثم بدأ التسجيل، الذي حضره لفيف من الأكابر: المخرج والمنتج الشهير المُجيد، وصاحب الاستوديو، وأحد ألمع مهندسي الصوت، ونفر من مسؤولي الإنتاج.
حتى أتى على أول موضع آخذني فيه مؤاخذةً شديدة، فأنكر عليّ ما خططتُه، فأبنتُ له عمَّا غمض عنه، وأن عملي صحيح لا كما وقع في وهمه، فلمَّا رفعتُ عنه الوهم، ارتجّ الرجل، وارتدَّتْ نفسه في قعر سحيق؛ وكأنه هوى من جرف هارٍ.
وأنا أعرف هذه الخصلة النفسية في الإنسان، وأدرك أثر الرِّدَّة العميقة والهزَّة السحيقة التي يورثها خذلان الثقة بالنفس، فقد أتى واثقًا كلَّ الثقة، والثقة لون من ألوان عمى النفوس حين شدتها. ولمَّا ينكشف لذي الثقة خطؤه ووهمه ترتد نفسه الإنسانية ارتدادةً خطيرةً؛ قد تودي به إلى المكابرة في غير الحق، أو إلى الغضب الشديد، أو إلى الرجوع إلى الحق إنْ وفَّقه الله -تعالى- إليه.
فما كان من الأستاذ -رحمه الله- إلا أن غضب، وبان حنقه في كلامه ونبرته. وازداد مرجل غضبه غليانًا كلما أبنتُ له عن وهم آخر وقع فيه في النص، وزاد صوته حنقًا، وامتلأت نفسه برمًا بي. حتى خبط على الكرسي خبطةً، وقال لي "لاااا.. أنا كدا همشي" في انفعال غير مُبرَّر.
كانت لحظات رهيبة، وأعترف أن للأستاذ هيبةً في الحضور طاغيةً، خاصةً وقد بدأ الانزعاج مع بدء تسجيله. صمت كل مَن حولي، حتى ظننتُ أن عنفوان غضبه قد أقبرهم إقبارًا، فلم يعودوا من أهل الحديث ولا الشعور.
انسربوا في داخل أنفسهم، لا كلام، ولا أنفاس، فكأن الكون خلا إلا مني ومن الأستاذ الجليل. وأنا وحدي واقفًا -وهذه كانت عادتي-، وجميعهم قاعدون، فلم يكونوا واضحين له. وما زاد غضبه أني قلت في هدوء شديد "والله إذا كان دا رأي حضرتك، فمن حظنا أن المخرج الذي يجلس بيننا هو نفسه المنتج"، فكأنني ألقمتُ الرجل حجرًا، فلم يتحدث، ولم يعلق أحد.
كان صمتًا رهيبًا لم أرَ مثله من قبل. وقد ظنَّ الأستاذ أن ذوي المشروع سيعنِّفونني أو سيراعون غضبته ويُجنِّبونني عن العمل، كما يحدث في العُرف متى أغضب أحدٌ من يسمونهم "نجومًا". لكنَّ صمت القبور الذي قابله أنبأه أن شيئًا من هذا لن يحدث.
وفي الحقيقة أنني لم أفقد ساعتها إعجابي بالرجل، ولا استعظامي إياه، رغم أنه حاول النيل مني بطريق العلم، وبطريق غير العلم. وظنَّ أنني شخص من السهل العبور على جثته والإكمال. ولم يكن يدري أن هدوئي اختياري، وليس معنى تركي إياك تتكلم، والتظاهر أني أسمعك وأهتم لما تقول، أو تجاهل الرد على ما تلقي عليَّ؛ أنني من الذين يجتازهم الآخرون -مهما بلغ شأنهم-، بل أنا الصخرة التي ستتحطم عليها.
لم يغادر الأستاذ كما نوى وهدد، فبعد دقائق من الصمت الذي دوَّى أشدَّ من الصراخ؛ قعد ثانيةً من هَمَّتِه، وجعل يمضي في التسجيل بلا تعليق. وأنا طفقتُ ألطِّف الأجواء مع حبيب جاء جارحًا، وأسرِّب له كلمات الاستحسان بين الفينة والأخرى حتى أتى وقت الاستراحة، فانتقل إلى غرفة التحكم.
وشرع يحدِّث الناس بنفسه اللطيفة وأُنسه الجميل وصوته الذي لا يضاهى في تأثيره على النفوس. وحاولتُ التداخل معه تهدئةً وتصفيةً لما شغب بيننا، فوجدته فور تعليقي، يقول ممازجًا حنقًا بهزر "أنت يا جدع أنت مضطهدني ليه؟".. فضحكتُ منكرًا قولته، مُبديًا احترامًا لائقًا بمقامه.
ومما جاء في حديثه المُطرِب، خبر ممارسته لليوغا مدة أربعين عامًا، فلمَّا ذكر هذا، قال "أصل أنا من أربعين سنة، كان عندي أربعين سنة برضه".. فضحكنا جميعًا ضحكًا صافيًا مُجلجلًا. ومن ساعتها انقلب الحال، ثم عاد بعد الاستراحة ليسجل طوال ساعة ونصف الساعة، دون توقف، وفي معزل عن خطأ الأداء أو فهم المواقف أو لحن اللغة، في مهارة عزَّ نظيرها بل انعدم.
ثم مرت سنة، فالتقيت به أثناء تصوير مسلسل درامي. وفي أثنائه طابت لنا العلاقة، وصفا بيننا الحديث، وتعمق بيننا الود وأخذ يطالبني بالجلوس معه في الاستراحات نتحدث وساعتها ذكَّرته بتمثيلية السهرة الدرامية البديعة "ليلة القتل الأبيض" التي أدى فيها دورًا ألمعيًّا، لوكيل النيابة. فما كان أشد سعادته وانسجامه أنْ ذكَّرتُه بها، وظهر في التماع عينيه أثرُ الذكرى الطيبة لجميل ما تنسجه يد المرء من أعمال، فتأملتُ نظرته مليًّا وناقشتُه في مسألة اقتباس السهرة من مسرحية للكاتب المسرحي السويسري الشهير 'فريدرك دورنمات'، فقال لي إنها مقتبسة منها فعلًا، وأنهم أوردوا الأمر على شارة السهرة.
كم كانت أيامًا كبارًا هذه التي أتاحت لي شرف مصاحبة هذا الفنان الجبار. والأستاذ أبوزهرة مثال على المظلومين في وطننا العربي، فتاريخه وما أداه من عظيم الأعمال وجليل البدائع، وما كمن في داخله من تأهيلات لا تُضاهى؛ كل هذا قُوبل بالتجاهل، وكأنه لا شيء.
لكنَّ العزاء الحقيقي هو ما تكنه النفوس الصادقة للنفوس الصادقة وكم سعدت باحتشاد الناس لوفاته وموجات الترحُّم عليه التي هي أبقى من تقدير لم ينل أدنى كفايته منه. رحم الله الأستاذ الجليل وأسكنه فسيح جناته.