"عشرون ألف فرسخ تحت الماء" دبلوماسية ناعمة ضد أعداء فرنسا

جول فرن كاتب سبق عصره بقرن عبر أدب الخيال العلمي، وانتصر لوطنه،  وطالب بالحرية لكل المقهورين.


الرواية سبقت عصرها وتنبأت بصناعة الغواصات الحربية الكبيرة


الرواية وضعت أول تصور لملابس الغوص تحت الماء، وكيف يتحرك الغواصون في الماء

رواية "عشرون ألف فرسخ تحت الماء" من أدب الخيال العلمي للكاتب الفرنسي الراحل جول فيرن، وقد صدرت عن الهيئة العامة المصرية للكتاب، ضمن سلسلة روئع الأدب العالمي للناشئة، ترجمتها للعربية هند عبدالفتاح، ومراجعة مختار السويفي، حيث تقع الرواية في نحو 253 صفحة من القاطع الصغير.
ملخض الرواية
ينطلق زمن الرواية من عام 1866، حيث بدأت الأحداث بقيام بيير أوروناكس الأستاذ المساعد في متحف التاريخ، بالبحث عن الوحش المجهول الذي يغرق السفن في أعالي البحار، حيث تعرضت السفينة مورافيا لهجمة أحدثت بها ثقبا، وأثناء سفره إلى الولايات المتحدة مع خادمه تعرضت السفينة سكوتيا التي يستقلها لنفس الخطر، وبعد أن انتشر الخبر قامت الحكومة الأميركية بإرسال سفينة حربية معه لتتبع هذا الوحش وقتله، وبعد مطاردة طويلة، تعرف بيير على الفرنسي نيد، الذي رصد الوحش، وقام بتصويب الطلقات نحوه حتى اختفي، ولكن هذا الوحش غطس أسفل السفنينة التي تطارده، ثم ضربها فأحدث بها رجة كبيرة، وثقبا تمت السيطرة عليه.
سقط بيير أروناكس في البحر، فقفز مساعده الوفي لإنقاذه، وبعد معاناة في عرض المحيط الأطلنطي تقابلا مع نيد الذي كان وقع في الماء أيضًا، ولكنهم فوجئوا بالوحش يقترب منهم، ثم يكتشفون فيما بعد أن هذا الوحش العملاق عبارة عن غواصة كبيرة،  يطلق عليها اسم نيو تيلوس، وتم إنقاذ الثلاثة من الغرق، ونقلهم إلى داخل الغواصة العجيبة، المصنوعة من الحديد الصلب، والتي تعمل بمحرك كهربائي، حيث قائدها غريب الأطوار نيمو، الذي أحسن معاملة أسراها، وطاف بهما تحت الماء، ليشاهدوا معالم الحياة تحت البحر، ولكن نيمو كان رجلا متناقضا يكره الحكومات الشريرة، ويعلى من قيمة الحرية، وفي نفس الوقت يرفض السماح لهم بالمغادرة، وفي النهاية نجح الثلاثة في الهرب قبل أن يتم تدمير الغواصة في منطقة الدوامات.

المؤلف عندما تكلم عن قيم الحرية، والظلم  البشري في نطاق الرواية؛ لم يتطرق إلى أن فرنسا دولته، ككيان يمارس نفس السياسات الاستعمارية التي يرفضها

الإنطلاق من قاعدة علمية حقيقة
تتميز الرواية بأنها سبقت عصرها وتنبأت بصناعة الغواصات الحربية الكبيرة، إنطلاقًا من قاعدة علمية حققية تمثلت في ظهور أول غواصة بالعالم 1620 على يد الهولندي دربيل، والتي غاصت بنهر التايمز على عمق 4.5 متر، وفيما صنع العثمانيون أول غواصة الحربية عام 1711، أطلقوا عليها طوربيد، ثم تطورت فيما بعد صناعات الغواصات، وظهرت الغواصة الحديدية ذات المحرك الكهربائي عام 1897 على يد الأميركي جون فيليب هولند. وبالتالي نجد أن جول فرن قد سبق بخياله الواقع بنحو 31 عام، ثم تطورت هذا الصناعة على يد الألمان في الحرب العالمية الأولى وتوالت عمليات التحديث حتى وقتنا الحالي بظهور الغواصات النووية.
بدلة الغوص وجهاز التنفس تحت الماء:
وضعت الرواية أول تصور لملابس الغوص تحت الماء، وكيف يتحرك الغواصون في الماء، وأسلحة الدفاع عن النفس، وبذلك سبق الخيال العلمي تصنيع أول بدلة غوص في العالم، بنحو 84 عامًا، فقد كانت هذه البدل متاحة منذ عام 1950، بالولايات النتحدة الأميركية، إلى أن تم تحديثها عام 1952، وبالنسبة لأجهزة التنفس تحت الماء، فقد سبق المؤلف الواقع بنحو 78 عامًا. حيث تم لاحقًا اختراعه في عام 1943 بواسطة الفرنسي إيميل جانبيه. 
لقد أشارت الرواية إلى فكرة الأجهزة الملاحية الدقيقة، التي تحدد عمق واتجاه الغواصة، علاوة على أجهزة تعبئة الأكسجين داخل أسطوانات حديدية، كذلك أدوات الغوّاص في الماء، كذلك أدوات الدفاع التي تمكن الغواص البشري من الدفاع عن نفسه ضد هجمات الكائنات البحرية المتوحشة، أضف إلى ذلك بعض الأفكار العلمية، والبيئية، وبذلك نجد أن الكتاب قد وضع تصورا لبعض المخترعات الحديثة لقرن قادم تقريبًا. 
الشخصيات والبناء الفني

ظهرت بالرواية 4 شخصيات، شكلوا محور الأحداث، أما باقي الشخصيات البشرية فقليلة جدا، ومجرد لقطات تنتهي بمجرد إنتهاء الحدث، وقد رسم المؤلف معالم كل شخصية بمهارة، حيث بيير أروناكس ذلك العاقل الذي يجسد صورة  الباحث العلمي، بينما كانت صورة كوسيل تنم عن شخصية المساعد الوفي، أما شخصية نيد فكانت عبارة عن صورة للمحارب القلق؛ الذي يتعجل الهدف المنشود.
رسم المؤلف صورة نميو قائد الغواصة كشخصية غريبة الأطوار، متقلبة، تتحرك تحت أزمة نفسية حادة؛ ويرجع ذلك بسبب قتل زوجته وولديه، وأهله، ولذا كان يكره في الحكومات ظلمها، ويساعد الأحرار بمدهم بكنوز البحر المطمورة التي يستخرجها من جوف المحار، أو يلتقطها من بطن السفن الغارقة، وتجلى ذلك في عندما قال نيمو:
-    لا توجد في البحر حكومات ظالمة.
 ومع إيمان نميو بحق البشر في الحرية؛ كان يرفض منح الحرية لبيير ورفيقيه،  وهذا التناقض يفسر أثر الهزات النفسية العميقة على تصرفات البشر.
لقد كان بناء الرواية مناسبًا، والأحداث تتدفق بسلاسة، دون ملل، وقد عمد المؤلف أن يطفي جوًا من الإثارة والترقب؛ ليحرك فضول القارئ على المتابعة، وهذا الجو المثير يناسب الناشئة، أما من حيث المضمون فقد احتوت الرواية على الكثير من الرسائل ومنها ما يلي:
تعظيم قيمة العلم:
لقد نسج المؤلف صورة الباحث العلمي بيير أروناكس بطريقة محببة، وهذا يدعو الناشئة إلى تقليد شخصية البطل بالمحاكاة، حيث تم إقناع  الفتيان أن العزيمة هي بوابة النجاح، وقد برز ذلك المعنى في رفض بيير الهرب من الغواصة قبل أن يكتشف المجهول، فقد كان شغوفًا بتدوين وتسجيل الملاحظات عن قيعان البحار وما تحويه من أسماك، ونباتات بحرية، فالمعرفة عنده أعظم من الحياة، وتلك القيمة تشحذ الهمم في نفوس الناشئة، وتجعلهم على استعداد لبذل كل ما يملكون من جهد  من أجل أكتشاف العلوم، وصياغة النظريات، ومن ثَّم الإبتكار، فالوصول إلى القمة دائما ما يساوي الجهد المبذول.
الوفاء خصلة محببة
نجحت الرواية في تعزيز قيمة الوفاء في اللاشعور لدي القارئ، فها هو كوسيل يقرر مرافقة أستاذه وسيده بيير أروناكس في رحلته الاستكشافية؛ التي لا ناقة له فيها، ولا جمل؛ وسافر معه حبًا فيه، وخوفًا عليه، وفي مرة أخرى يستهين بالموت، فعندما تعرضت سفينة إبراهام لكنوين التي خرجت لمطاردة الوحش، سقط بيير أروناكس في المحيط، قفز كوسيل في الماء وراء سيده؛  لينقذه من الغرق، هذا الوفاء الإنتحاري من قبل المساعد يكاد أن يقول في دلالاته: يا سيدي أما أن نحيى سويًا، أو نموت سويًا، وقد نجح الفتى في إنقاذ بيير أروناكس، حتى تم إنقاذهما معًا من الموت المحقق.
أهمية القراءة
طرحت الرواية عدة مزايا للغواصة منها أنها مكتبة تحتوي على 12 ألف كتاب، مثل مكتبة بيير أروناكس، وكأن الكاتب يريد أن يقول للناشئة إن القراءة والمعرفة هي من جعل نيمو يصنع هذه الغواصة العجيبة، فهو يتكلم خمس لغات، في إشارة على أن تعلم اللغات يساعد في نقل المعارف، ومن جهة أخرى يبرر الكاتب  للقارئ أن قيام نيمو ورفاقه بصناعة الغواصة قائم على المعرفة. 

4 شخصيات، شكلوا محور الأحداث
الشخصيات البشرية قليلة جدا

 ولذا أقنع المؤلف الفتيان بأن الغواصة تمثل معجزة عصرها، فهي تسير بسرعة تقدر بـ 50 : 80 ميلاً في الساعة، وطولها نحو 80 مترًا، وتتحرك بالكهرباء، وبها غرف للنوم، ومطاعم، ونوافذ من الزجاج المقوى، يمكن الراكب من خلاله مشاهدة قاع البحار بسهولة.
مستقبل البشر بالبحار والمحيطات
تشير الرواية إلى حقيقة اقتصادية غاية في الأهمية، وردت على لسان نيمو:
-    أن في المحيط ما يكفي لإطعام كل سكان العالم.
وتلك الحقيقة هي المستقبل الاقتصادي للعالم بأثره، فبعد أن تعجز الأرض عن الوفاء بطعام البشر، سوف يتعاظم اللجوء إلى البحار، وتؤكد الحقائق العلمية أن سبل الحياة سوف تستمد مستقبلا من تحت الماء، فمساحة البحار والمحيطات تمثل 75% من مساحة الكرة الأرضية، تحتوي المياه العميقة من الأحياء البحرية الكثير، هذا بخلاف المعادن، والنفط والغاز، الثروات الكامنة بأعالي البحار تتطلب من الدول التعاون لتقاسم هذه الثروات الطائلة.
إعلاء فكرة الوطن
لقد تعمد الكاتب رسم صورة مشرقة للفرنسي، وبرز ذلك في شخصية العالم بيير أروناكس، والفرنسي الوفي في صورة كوسيل، والمحارب الشجاع في صور نيد، والفرنسي الذي يضحي بنفسه من أجل قيمه في الفرنسي الذي يصارع الأخطبوط لحماية زملائه من الضياع فوق الغواصة، عندما هاجمتها الوحوش؛ للفتك بكل من عليها، كل تلك القيم الوطنية تسمو بروح الوطنية في نفوس الناشئة، وتجعل الشجاعة من الخصال المحببة للنفس، وكل ذلك يتم توظفيه للدفاع عن الوطن حال تعرضها للأخطار.
مزج المؤلف بين كل ما هو إيجابي بالفرنسيين، وهذا النمط غير المباشر يرسم صورة محببة لفرنسا خارج حدود الإقليمة.
لقد بثّ الكاتب لقطة من الحرب الفرنسية الأسبانية ضد النمسا، وهولندا، وإنجلترا عام 1702، حيث كان قائد السفينة الفرنسية مكلفا بإيصال صناديق من قضبان الذهب لمساعدة قوات بلاده فوق الأراضي الأميركية، ولكنه بعد الهزيمة قام بإغراق سفينيته؛ مضحيًا بنفسه، ورجاله؛ حتى لا يحصل الأعداء على ما بها من ثروات يحاربون بها جنود فرنسا. 
مساعدة الثوار المناهضين لأعداء فرنسا
وظف جول فرن موهبته كأدة من أدوات الدبلوماسية الناعمة لصالح بلاده، فكما عظم الفرنسيين، قبح أعداء فرنسا، وبرز ذلك عندما أنقذ نيمو قائد الغواصة الرجل الهندي من سمكة القرش، ومنحه بعد النجاة بكيس من اللؤلؤ البحري، وفي هذا التضامن إشارة إلى رفض الاحتلال البريطاني للهند، التي وقعت في قبضة الاستعمار عام 1858. 
 وبرز  هذا التضامن في مساعدة نيمو للثوار في جزيرة تكريت بصندوق من قضبان الذهب، وذلك حتى يتخلصوا من الحكم العثماني أبان تلك الحقبة. 
الغريب أن المؤلف عندما تكلم عن قيم الحرية، والظلم  البشري في نطاق الرواية؛ لم يتطرق إلى أن فرنسا دولته، ككيان يمارس نفس السياسات الاستعمارية التي يرفضها.
كانت سياسة فرنسا آنذاك تقيد حريات الدول التي تحتلها، وتقتل الحالمين بالاستقلال، ولكن عادة ما يبرر الكثير من الأدباء سياسات أوطانهم الظالمة ضد الآخر.