غنام غنام: أعلن موتي بالمنفى لأنني لا أرى أفقا متاحاً للعودة إلى فلسطين

فاطمة بدري
يتفق أغلب رواد المسرح على أن مهمة أبي الفنون تكمن في إنتاج صور حية لأحداث حقيقية حدثت بين الناس باستخدام تقنيات تجعل المتلقي يستغرب الواقع المألوف الذي يعرفه. هذا المفهوم الرائج والسائد قام المخرج والفنان غنام غنام ببتر نصفه الثاني عندما قدم صورة حقيقية حدثت وتحدث دون توقف لكن دون أن يحتاج في ذلك إلى أي تقنيات أو مكملات للإضاءة أو الصوت أو غيره. كان زاده كرسي بلاستكي وشال فلسطيني ليحفر بعمق في الجرح الفلسطيني الغائر بطبعه، ليعلن للعالم أنه غنام صابر غنام الفلسطيني شأنه شأن ملايين اللاجئين الحاملين لذات الهوية سيموتون في المنفى. وعلى وقع عرض مسرحيته "سأموت في المنفى" طرقنا باب غنام غنام فأشرعه على مصراعيه وكان هذا الحوار.


"سأموت في المنفى" عمل تطهري أمارس فيه المكاشفة مع الذات و مع الآخر


الشتات واللجوء عنوان عربي وليس فلسطينيا فقط


حياتي العملية والعائلية هي بدل فاقد عن حياتي التي كان يفترض أن أعيشها على أرض وطني

حاورته: فاطمة بدري

تونس - يقول غنام إن مسرحية "سأموت في المنفى" عمل تطهري أمارس فيه المكاشفة مع الذات و مع الآخر، الآخر الذي قد يكون قريباً، و قد يكون بعيداً، قد يكون صديقاً وقد يكون خصماً وعدوا. سأموت في المنفى محاولة لترتيب غرفتي، وصورتي، وهويتي، كل هذه الأشياء التي تشوش ترتيبها، ووضعها في نصابها الحقيقي، قبل الرحيل النهائي إلى المنفى الأبدي (الموت)، لكي لا ينتهي سؤال المنفى بموتي، بل كي يظل معلقاً حتى يموت المنفى و يعود المنفي.

ولدى سؤاله عن سبب اختياره تقديم العمل كموندراما (مسرح الشخص الواحد) وعدم تشريك نجوم آخرين معه لخوض التجربة في وقت أصبح فيه الشتات واللجوء عنوانا عربيا وليس فلسطينيا فقط، شرعي، يقول المبدع الفلسطيني في معالجتي للعرض، أتعمد أن لا أكون أنا، لأسرد سيرتي، بل أكون آخر يسرد سيرتي، ولا ضير فيما لو أراد ممثل آخر ومخرج آخر أن يقدم العمل، وسيكون ذا بعد وعمق مختلفين عمّا أفعل، وهذا لا يعني أن ما أقدمه سيكون أفضل، لكنه سيكون ذا خصوصية لن يمتلكها عرض الآخرين للنص، لقد أردت تسجيل سابقة فارقة في تقديم هذا النوع من المونودراما، على الأقل في منطقتي، تلك التي يبوح فيها المسرحي بتفاصيل حياته، و يسجل بكل شفافية الشأن الشخصي، كسجل عمومي، كمجلة حقوق شعبية وطنية، ليسجل أبطالاً عاديين، هم من يشكلون الجسم الأكبر من حجم معاناة الفلسطيني.

ويضيف غنام صحيح أن الموضوع صار سورياً، وعراقياً، ويمنياً وليبياً و.. و.. لكن يظل الموضوع الفلسطيني هو أصل الحكاية، وهو سبب أساس لكل ما حدث ويحدث في المنطقة العربية، المنطقة التي تشكلت سياسياً بتقسيم سايكس بيكو لضمان الظروف الملائمة لقيام الكيان الصهيوني الغاصب المسمى (إسرائيل)، وما الأمر الآن إلا أعادة لتقسيم المنطقة، لضمان ديمومة هذا الكيان الغاصب وتحقيق ما لم يحققه في سبعين سنة من قيامه، وهكذا قد تبدو الفوارق في بعض التفاصيل، لكن فعلا يبقى الجانب الإنساني من المعاناة واحد و له نفس الألم و الوجع.

غنام ولحظة المكاشفة مع هويته
غنام ولحظة المكاشفة مع هويته

 

وأما عن سبب اختيار هذا التوقيت تحديدا لمثل هذه التجربة يقول المسرحي الفلسطيني إنه الوعي، تراكم التجربة، الإحساس بتقلص الفرصة، في الثالثة والستين يصير خط النهاية أقرب على بعد خطوات معدودة، فيما يكون الظل ممتداً على مسافة الزمن الذي انقضى. إنه الوعي والإدراك، فإن كنت قد أدركت عام 1992 للمرة الأولى سر شواهد قبور الفلسطينيين في مقبرة "سحاب" حين رأيت شاهدة قبر أخي فهمي وقد حمل اسم بلدتي التي هُجّر أبي وشُردت عائلتي عنها عام 1948 (كفر عانا) واكتشفت أن الفلسطيني في المنفى يكتب اسم بلدته الأصلية في فلسطين على شاهدة قبره، وإذا كان السؤال قد باغتني عام 2011 في مطار رفيق الحريري ببيروت وأنا في طريق عودتي إلى عمان، فأدركت أنني عائد إلى بلدي الأردن الذي هو بدل فاقد عن بلدي الأصلي فلسطين، و أن بيتي في عمان هو بدل فاقد عن بيتنا في كفرعانا بفلسطين، وأن حياتي العملية والعائلية كلها رغم اعتزازي بها، هي بدل فاقد عن حياتي التي كان يفترض أن أعيشها على أرض وطني.

التحم هذا مع شاهدة قبر أخي، و فجر سؤال الهوية وحقيقة الانتماء الذي كان يعذبني ودفعت من أجله سنوات من عمري، هذا الوعي أنجب نصاً حراً بعنوان (سأموت في المنفى – بدل فاقد) هذا النص صار واحداً من أهم مكوناتي الفكرية والنفسية، وظل يتفاعل في داخلي من 2011 حتى بدأت العمل عليه أواسط 2016، وكأنه حملٌ قد اكتمل ولا بد من ولادته، مع العلم أن سؤال الهوية لم يغب يوماً عما أعيش وأفعل في المسرح، إلا أن شروط الوعي وضرورة تثبيت الموقف صارا واجبين.

 

الفلسطيني في المنفى يكتب اسم بلدته الأصلية في فلسطين على شاهدة قبره

أعلن هويتي

وفي تعليقه عما إذا كان بهذه المسرحية قدر أقر باستحالة عودة اللاجئين، وعما إذا كان سيسبب خيبة أمل للكثيرين، يرى ممثل ومخرج العمل أن العمل يطرح الوجع ويشخص الجرح ليشير إلى الحل الكامن في كل ذلك، صحيح أنا أعلن موتي في المنفى، لأنني و بكل موضوعية لا أرى أفقاً متاحاً للعودة إلى فلسطين ضمن ما تبقى لي من العمر، لكنني في الوقت ذاته أعلن هويتي، وإعلانها يمنحني الحياة حتى بعد الموت الفيزيائي، إن هذه الصورة القاتمة بعض الشيء، تحمل في ثناياها حثاً شديداً على تمسكنا بحقنا، وهذا فعل حياة، وإن طرح سؤال ( حين أموت، من الذي يموت، غنام الأصلي أم غنام بدل الفاقد؟) هو السؤال الذي يؤشر إلى أهمية أن يحافظ كل منا على جوهره، وأصله، حتى لا يضيع، وهكذا لا تقع العودة في خانة الاستحالة، بل تقع في خانة التمسك بها والعمل من أجلها، إن العمل يشكل حالة مشاكسة صادمة توقظ الوعي.

ويضيف غنام أن التفاعل الكبير الذي حظي به العمل في دول عربية مختلفة أكد الشحنة العالية تجاه القضية من ناحية والانحياز لخياري الفني بشكل العرض وأسلوبه من ناحية ثانية. وأثبت أن القضية ما زالت جذوتها حية في النفوس، إن دموع الناس العاديين الذي حضروا العرض بالصدفة المحضة، هي ذاتها دموع المثقفين والرفاق الذين تقاسمت معهم التجربة النضالية والحياتية.. أعتز بكل الذين حكوا حكاياتهم، وأولئك الذين لم يملكوا سوى قصيدة يلقونها، وأولئك الذين التقطوا الفيديو والصور بعد العرض وأرسلوها لأهلهم وأصحابهم في المهاجر..كل هذا جعل عملي المسرحي هذا عبارة عن مفتاح للوجدان والحنين والسؤال.

وفي سياق حديثه عن مدى اتساع المسرح بعد لطرح المشاكل الكبيرة الراهنة في زمن طغيان الصورة، يقول متسائلا هل لي أن أقول أنه لم يعد كذلك؟ وأنا الذي لم يغادره منذ ما يزيد على أربعين عاماً، وما زلت مؤمنا به سبيلاً، إن الصورة موجودة في كل شيء، حتى في الكلمة، وإن الكلمة موجودة في كل صورة، وإن الخيار الفني وإجادته هو الأصل، المهم أن تحسن الاختيار،  وأن تمتلك أدوات التنفيذ الجيد لهذا الاختيار.

 ويضيف إن من يختار مسرح الصورة، عليه أن يتقن هذا الخيار ليبدو وكأن العمل لا يمكن أن يقدم إلا هكذا، ومن يتوسل التكنولوجيا فعليه أن يتفنن في استخدامها لتكون الأمثل، ومن يريد أن يتجرد كما فعلت في سأموت في المنفى، حيث قدمت العمل كما وصفته (بعدين 2D ) وليس 3D فعليه أن يتقن فنون البساطة حتى تبدو للمتلقي وكأنها الخيار الأمثل. لذا فالمسرح مسلحاً بكل شيء حديث، وبوعي، أو التخلي عنه بوعي أيضاً كخيار فني وفكري وجمالي، يظل فضاءً ملائماً لطرح كل القضايا.

تونس مازالت تشكل الحالة الأبرز مسرحيا

وعن أسباب تراجع المسرح في أغلب الدول العربية يرى أن لكل بلد عربي ظروفه، وتقدم أو تراجع المسرح رهن بظروف البلد ومسرحييها. و لكن سواء تحدثنا عن التقدم أو التأخر فإن السبب وراء ذلك في الحالتين هو وجود أو عدم وجود سياسات إستراتيجية للمسرح وللثقافة بشكل عام. فمثلاً تونس ما زالت رغم كل الظروف تشكل الحالة الأبرز مسرحيا لأن المشروع الثقافي الذي أطلقه بورقيبة في الستينيات ظل ينمو ويتطور ويتطور معه المسرح ويتطور هو بالمسرح. إن وجود إرادة سياسية مع وجود وعي لدى المسرحيين أنجز ما حصن المسرح التونسي في السنوات التي تشهد حالة من عدم التوازن. ومثال آخر هو المنعطف الذي أحدثته المغرب إذ طورت القوانين الناظمة والخطط المنبثقة عنها، فأنجزت التوطين والدعم للفرق المسرحية مما أحدث فارقة ملموسة في مستوى العروض وفي مستوى تنظيم الفرق. ولكن بالمقابل نجد أن المسرح في دول عديدة ما زال رهينة قوانين وسياسات متخلفة.

غنام غنام أثناء عرض سأموت في المنفى
عندما تترجم المعناة الشخصية مسرحا

ويستدرك غنام متسائلا، لكن ماذا عن دور الفنانين أنفسهم؟ إن المسرح إذا لم يكن مهمة نضالية في جوهره فسيكون خاسراً في منتهاه، لذا فإن التطور الذي أشرنا إليه لم يكن فقط نتيجة توفر إرادة سياسية، بل لأن الفنانين كانوا قادرين على دفع الإرادة السياسية إلى هذا المكان، وهذا الدفع لا يأتي بدون الوعي، الوعي بما لدي، وبما يتوجب علي، الوعي بالمسافة التي تفصلني أو تجمعني مع المؤسسة الرسمية، وبالفضاء الحر الذي أناضل من اجل توسيعه لصالح التعبير، شخصياً أحمل الفنان أولاً مسؤولية التقدم والتخلف في نفس الوقت.

ويشدد على أن كل رقابة على المسرح والإبداع هي فعل ضد الحياة، سواء كانت هذه الرقابة سياسية أو دينية أو اجتماعية، المسرح حالة استئناف، ولذا فهو سيبقى في حالة تحدٍ والرقابة التي شهدها في عقود الأحكام العسكرية والعرفية القمعية، كانت تهدد وجوده كيانات وأفراداً. لكن أعود إلى فكرة أن المسرح استئناف، لذا حتى أمام الأنظمة الديمقراطية المتطورة، سيجد أنه يذهب أبعد منها، وسيجد أنه في مواجهتها، فالقوانين صناعة القوى المتنفذة والمتحكمة السلطوية، والمسرح والإبداع عامة، خيار اجتماعي، جمعي أحياناً، فردي أحيانا، وحر في كل الأحيان.