فاطمة اسبر .. ولادة لونية مشبعة بالحب والجمال

التشكيلية السورية ترى أن الفن هو العبور والتجول بكل حرية بدون قيود أو نظريات مسبقة.


من الصعب أن تضع الفنانة نفسها في مقارنة مع فنانين سبقوها بمراحل كثيرة


الرسم كان الملجأ لروح الفنانة الباحثة عن الطمأنينة والسلام

وحدها تقود الأوركسترا، بتناغم كامل مع الشِعر واللون، وفوق سطح اللوحة تعزف ريشتها معزوفتها اللونية الخاصة بها، غير آبهة بما يدور حولها، لتخرج إلى العلن بكائن يشبهها يحمل قضاياها ويتحدث بلسانها.
ولبداياتها حكاية جميلة وحلم طفولي وأثناء مقابلتنا لها حدثتنا عنه: من الطفولة الأولى التي سبقت دخولها المدرسة كان الرسم من أهم الأشياء التي جذبتها، وباعتقادها أنه أمر مشترك طفولي، لكونه وسيلة تعبير لا تحتاج مفردات لغوية، ولطالما أحزنها بعد دخولها المدرسة استبدال حصة الرسم بحصص مختلفة لم تنته في زمنها المقرر، كالرياضيات مثلاً. لم يحالفها الحظ بدراسة الفن أكاديمياً، حيث تابعت دراستها الجامعية اختصاص لغة عربية، ومن ثم حصلت على شهادة الدكتوراه في نقد الشعر الحديث من خلال رسالة بعنوان "ظاهرة الرفض في شعر أدونيس ".
ألقت بموهبتها المشبعة بالحب والجمال على عاتق المساحات البيضاء، وتكاد تجزم بأنها لوحة سحرية لا تشبه بخطوطها وألوانها إلا نفسها؛ وضحت بأنها كانت ترسم لنفسها، فالرسم كان الملجأ لروحها الباحثة عن الطمأنينة والسلام، والمترجم لأفكارها والمعبر عن شخصيتها، ولطالما خطت أفكارها التي لم تبنَ وفق نظريات مسبقة، وإنما نابعة من إحساسها بالحياة، وبتشجيع من أصدقائها الفنانين التشكيليين والمحبين الذين رأوا أعمالها، وأكدوا لها أن الدراسة الأكاديمية قد تصنع رساماً قادراً على نقل الأشياء كما هي، وبمهارة، لكنها لا تجعل منه فناناً. 

لا أظن أن فناناً كبيراً وشاعرا كبيراً يستطيع أن يقول أديت رسالتي بل سيقول دائما" لم أفعل بعد ما أريد أن افعله"

ولـ إسبر وجهة نظر بما يخص الدراسة الأكاديمية، فقالت: بأن ذلك يتوقف على الفنان، بعض الفنانين يرى في الدراسة الأكاديمية تحديداً للأفق الفني، وبعضهم يرى أن الدراسة الأكاديمية هي كل شيء، لكن الفنان الحقيقي هو الذي يوظف الدراسة للانطلاق منها وإلى تجاوزها، بحيث تصبح عاملاً مساعداً في عملية الإبداع، وليست الهدف بحد ذاته، وبطبعها لا تميل إلى نقل الواقع لكنها تميل إلى الغوص فيه فالدراسة الأكاديمية لم تشكل عائقاً بالنسبة لها وإنما أعطتها حرية التحليق بأفكارها بعيداً. 
الفن بالنسبة لها هو العبور والتجول بكل حرية بدون قيود أو نظريات مسبقة، بالرغم من تأثيرات الجمال الحسية والبصرية إلا أنها تسعى للخروج منها بشكل يشبهها، ويعبر عن العين الداخلية التي أطلقتها لتعبر تلك المساحات بكل شفافية وحب. وعن تأثيرات الجمال الحسية والبصرية صرحت: للمخزون البصري من رؤية الطبيعة وأعمال الفنانين تأثير كبير، وحبها للشعر والموسيقى يمنحانها أفقاً واسعاً، لكن تسعى أن تخرج من ذلك بما يميزها. فهي ضد الموضوعات، وإن أُعجبتُ بشيء ما فتتمنى أن تنجح بالقبض على جوهر جماله، وليس بالقدرة على تقليده، فالتقليد بقدر سهولته يقضي على صاحبه لكن حتى الآن مازالت تخطو خطواتها الأولى، ومن الصعب أن تضع نفسها في مقارنة مع فنانين سبقوها بمراحل كثيرة. 
وتابعت: بأنها ستقع في الخطأ إن قالت لنا بأنها تنتمي إلى مدرسة، كذلك لا يرد إلى خيالها أي اسم على الإطلاق، فحين ترسم تدخل عالم اللون والسطح الذي ترسم عليه والخطوط المتولدة من تلاقي الألوان. وما تفعله تراه نوعاً من البحث، لذلك لم تفكر ولا تعرف إن كانت تنتمي إلى مدرسة واحدة. وبرأيها بعض الفنانين لا يمكن ربطهم بمدرسة معينة، وبعض اللوحات يمكن أن تجدي فيها أكثر من مدرسة.. وتجربتها اللونية كلها قائمة على التجريب والبحث والكشف. 
كعلاقة الروح والجسد.. الوردة والرائحة، تكونت علاقة الفنانة إسبر مع اللون، ولمسنا تلك العلاقة بتعاملها مع اللون الأسود الذي طغى بهيبته، فأعطى للوحاتها الوقار والتألق بآن معاً، وعن تلك العلاقة قالت: "من المتعارف عليه أن الأحمر لون الدم والأصفر للغيرة والأزرق للكآبة وربما لرموز أخرى، فحين أريد الضوء أبحث عن الأحمر والأصفر، وحين أريد الفرح تمتد يدي إلى الأزرق، وحين أريد النبل والعمق والجمال أستخدم الأسود، أحيانا أجد اللون الأسود يمنح اللوحة ضوءاً أعمق وأجمل بكثير من الألوان الفاتحة، ولذلك ربما تكون قراءة اللون في أعمالي تختلف عن مواصفاته المسبقة". 

ترسم على وقع الكلمات الشعرية التي ترن بداخلها، وخاصة أنها تأثرت بشعر أخيها أدونيس، وباللاوعي يتحول الشعر لديها لصور وألوان ويدفعها لتدخل عالم الريشة واللون فبينت: الفن ينغرز كالرمح في خاصرة الفنان؛ وهناك نداء مستمر للقيام بعملية الدخول، هناك جاذب ما يدفعني إلى الرسم، وحين أبدأ أكون على قطيعة تامة مع كل شيء يتعلق بما أعرفه.. لكن لا بد أن يكون اللاوعي مع الفريق الذي يرسم، والذي يقوده اللون مرة والمساحة مرة.. ويدي التي توجه العمل، إلى أن نتفق جميعاً على شكل يقول" أخرجوني" .. وفعلاً يبدأ مخاض ولادة اللوحة.
وبرأيها أن الفن لغة، لكنه اللغة التي لا تحتاج إلى ترجمة، إنه مثل الماء والهواء والموسيقى يُفهم بالحس والشعور، وأحياناً نشعر أن خلايا الجسد لها علاقة في فهم الفن. وكما قالت سابقاً بأن عملية الرسم تشبه المخاض. لذلك بالضرورة هناك وجع، وهناك مشاعر كثيرة تتلاعب باليد التي ترسم وبالوعي أيضاً.. فكثيراً ما تشعر بأنها قتلت أجزاء من اللوحة على حساب أجزاء أخرى .. ورسم اللوحة يشبه معركة، وحين الوصول إلى نقطة عدم القدرة على إضافة شيء، لا يعني أن اللوحة انتهت بالنسبة لها، بل يعني أن لا إمكانية لإضافة شيء إلى زمن غير معروف.
وأكدت بأن الثقافة تتحول إلى المرئي أكثر بكثير من المقروء، ولذلك في هذه المرحلة يوجد حركة فنية في مجال الرسم، أكثر بكثير من مجال القراءة، وفي سوريا توجد حركة فنية نشطه، لكن مع الأسف لا تواكبها حركة نقدية، فالنقد مازال يتحرك على استحياء ولم يخرج من المصطلحات الجامدة التي تجاوزتها اللوحة كثيراً.
في نهاية هذا الحوار أشارت إلى أن قضيتها نابعة من الجوهر الإنساني، وتحديداً المرأة بكل أبعادها. وتريد للمرأة أن تكون في الواقع كما هي في الرمز والأسطورة. وأن تكون باتجاه الكمال دائماً ويبقى باب الفن مفتوحاً كباب السماء، ولذلك لا أظن أن فناناً كبيراً وشاعرا كبيراً يستطيع أن يقول أديت رسالتي بل سيقول دائما" لم أفعل بعد ما أريد أن افعله".
المعارض تساعد في التعريف بإنتاج الفنان، ولا توجد وسائل نشر تهتم بالفنانين وإنتاجهم، لذلك يبقى العرض وسيلة للتواصل بين الفنان والناس، بعيداً عن الوسائل التجارية المعروفة. وهناك نوعان من التلقي. نوع يلتقي مع اللوحة، أو ببعضها ونوع يرفض ولا يرى شيئاً وهذا النوع لا يحبط أبداً، بل يمنح ثقة أكبر للفنان ليخطو جيداً. 
الفنانة التشكيلية فاطمة إسبر أقامت ثلاثة معارض فردية، وعددا من المعارض المشتركة.