فرانزن في 'التصحيحات' يكشف تداعي صورة أميركا وفقدانها وهم السيطرة
حين أصدر الروائي الأميركي جوناثان فرانزن روايته "التصحيحات" عام 2001، لم يكن يريد فقط أن يحكي عن عائلة أميركية تواجه مشاكلها الداخلية، بل أن يكتب رواية تعكس أزمة الثقافة الأميركية كلها مع دخول القرن الحادي والعشرين. كثيرون قرأوا الرواية على أنها رواية العائلة في المقام الأول، لكن فرانزن استعمل العائلة كمسرح صغير تتقاطع فيه قوى أكبر: المرض، السوق، الحداثة المتسارعة، وانهيار صورة الحلم الأميركي.
الرواية التي صدرت أخيرا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب وترجمها عمرو خيري، تكشف عن وهم السيطرة في عالم ينهار ببطء. الأبناء يحاولون السيطرة على حياتهم، الأم تحاول السيطرة على العائلة، السوق يحاول السيطرة على المجتمع، لكن النتيجة هي الفوضى. النجاح الممزق، المثقف الساقط، الباحثة عن الحرية. الأبوان يمثلان الماضي: سلطة تنهار، ووهم يُستنزف.
ما فعله فرانزن في الرواية هو أنه حوّل هذه الفوضى إلى نصٍّ متماسك، يضعنا أمام مرآة نرى فيها أنفسنا: عائلاتنا، محاولاتنا المستمرة "لتصحيح" ما لا يُصحَّح، وتقبّلنا في النهاية أننا لا نملك سوى أن نعيش في ظلّ هذا الانكسار، فالحياة ليست مشروعًا هندسيًا يمكن ضبطه، بل مسار مليء بالتصحيحات الناقصة.
الرواية تتمحور حول عائلة لامبرت: الأب ألفريد، الأم إنيد، الأبناء الثلاثة غاري، وشيِب، ودينيس. في الظاهر يبدو الأمر تقليديًا: أسرة أميركية من الطبقة الوسطى تسعى للاجتماع في عيد الميلاد. لكن تحت هذا السطح، هناك تصدعات عميقة. ما يهم فرانزن ليس الحفل نفسه، بل فكرة التجمع: هل يمكن للعائلة أن تبقى متماسكة في عالم فقد انسجامه؟
إنيد، الأم، تُصرّ على جمع أولادها في عيد الميلاد الأخير قبل أن يتدهور وضع زوجها الصحي تمامًا. هنا تبدأ الحبكة، لكن سرعان ما يتضح أن كل واحد من الأبناء يعيش في عالمه الخاص، بعيدًا عن البيت، وأن العودة ليست سهلة. من خلال هذه النقطة الصغيرة ـ دعونا نعود لنحتفل ـ يبني فرانزن نصًا ضخمًا عن عجز العائلة عن أن تكون وحدة متماسكة. في رأيي، ما يجعل هذا مهمًا هو أن الرواية لا تصف عائلة واحدة فقط، بل تشير إلى أزمة نموذج العائلة الأميركية نفسه.
ألفريد لامبرت، الأب، هو شخصية تُحرّك الرواية رغم صمته. رجل متقاعد من صناعة السكك الحديدية، مصاب بداء باركنسون، يعاني من فقدان السيطرة على جسده وعقله. هنا تظهر رمزية قوية: الأب الذي كان رمز النظام والسلطة والانضباط، يتحوّل تدريجيًا إلى عبء، إلى جسد عاجز يحتاج رعاية.
أن ألفريد يرمز إلى انهيار السلطة الأبوية التقليدية، بل ربما انهيار جيل كامل من أميركا الصناعية التي بُنيت على الصرامة والعمل والانضباط. مرضه ليس مجرد تفصيل طبي، بل استعارة عن زمن يتداعى: الجسد الأميركي القديم، المبني على العمل الشاق، لم يعد صالحًا في زمن السوق الجديد الذي يقوم على المال الرقمي والمضاربات. الأب في الرواية يقاوم حتى النهاية، لا يستسلم بسهولة. وهذا يجعل منه شخصية مأساوية: رجل لا يزال يعتقد أنه يملك السلطة، بينما الواقع يسلبها منه يومًا بعد يوم.
وإذا كان الأب يجسد انهيار السلطة، فالأم تجسد وهم السيطرة. إنيد تريد أن تظل العائلة كما كانت، أن تجمع أبناءها الثلاثة، أن تحافظ على صورة البيت والعائلة والطقوس. لكنها في الحقيقة تحارب معركة خاسرة.
إنيد واحدة من أعقد شخصيات الرواية، فهي في الوقت نفسه محبّة ومستبدة، حريصة ومُتعبة. رغبتها في جمع العائلة ليست فقط من أجل الحب، بل من أجل إثبات نجاحها كأم وزوجة. إن رفض الأبناء العودة للمنزل لا يعني مجرد غيابهم عن عيد الميلاد، بل يعني انهيار صورتها الذاتية. في لحظات كثيرة، ينجح فرانزن في إظهار الجانب المأسوي لإنيد: امرأة قضت حياتها في خدمة أسرتها، لتكتشف في النهاية أن الجميع يبتعد، وأنها لا تستطيع منعهم. وهذا ما يجعلها، في رأيي، أكثر الشخصيات الإنسانية في الرواية.
غاري، الابن الأكبر، يبدو للوهلة الأولى ناجحًا: لديه عمل مستقر في مجال الاستثمار، زوجة وأبناء، يعيش في ضاحية مريحة. لكنه خلف هذه الصورة يعاني من اكتئاب عميق، ومن شعور بأنه فقد السيطرة على حياته. إنه يمثل أزمة النجاح الأميركي: النجاح الذي يقاس بالمال والعمل والمنزل الجميل، لكنه يخفي فراغًا داخليًا. فرانزن يقدمه كشخص يراقب نفسه باستمرار، يحاول أن يتأكد أنه "طبيعي"، أنه ليس مكتئبًا، لكنه لا يستطيع خداع نفسه تمامًا. غاري يكشف أن التصحيح الذي يحاول أن يقوم به الفرد في حياته الشخصية لا ينجح دائمًا، لأن المشكلة ليست في السلوك فقط، بل في بنية أعمق من ذلك: في الضغوط الاجتماعية، في تناقض التوقعات، في هشاشة النموذج كله.
الابن الأوسط شيب، هو أكثر الشخصيات إثارة للسخرية والتراجيديا معًا. أستاذ جامعي فاشل، خسر عمله بسبب علاقة غير لائقة مع طالبته، فينجرف بعدها إلى مشاريع مالية مشبوهة مرتبطة بالإنترنت وباقتصاد عالمي غامض. وهنا يمثل سقوط المثقف في عصر العولمة. إنه ابن الطبقة المتعلمة، الذي كان يُفترض أن يجد مكانه في الجامعة والثقافة، لكنه يكتشف أن المجتمع لم يعد يقدّر هذه المسارات. فيسقط إلى عالم السوق، حيث كل شيء يُباع ويُشترى، حتى الأوهام.
ما يجعل شيب مثيرًا هو أنه لا يفقد حسّ النقد. يظل واعيًا بفساده وبعبث ما يفعله، لكنه مع ذلك يستمر. كأنه يقول إن المثقف حين يخسر موقعه، لا يتحول إلى ثائر، بل إلى كومبارس في مسرح السوق.
دينيس، الابنة الصغرى، تبدو الأكثر قوة وحيوية. تعمل طاهية محترفة، تبني عالمها الخاص بعيدًا عن سيطرة العائلة. لكنها بدورها تعاني من علاقات شخصية متوترة، ومن صراع بين هويتها المهنية والجنسية. وهي هنا تمثل جيلًا يحاول أن يجد مساحة حرية في عالم يضغط من كل الجهات: العائلة، المجتمع، العمل، العلاقات. نجاحها في المطبخ يرمز إلى رغبتها في خلق مساحة إبداعية، لكن انهيار علاقاتها يذكّر بأنها ليست قادرة على الهروب تمامًا.
إن دينيس أقرب شخصية إلى جيل القراء الشباب: لا تريد أن تعيش في الماضي مثل أمها، ولا أن تنهار في السوق مثل شيب، ولا أن تتظاهر بالنجاح مثل غاري. لكنها في النهاية تظل محاصرة، عاجزة عن تحقيق التحرر الكامل.
إن دلالات عنوان الرواية ـ "التصحيحات" ـ متعددة المستويات: في السوق، التصحيح هو تراجع الأسهم لإعادة التوازن. في العائلة، إنيد تحاول "تصحيح" حياة أبنائها بإعادتهم للمنزل. في الفرد، كل شخصية تحاول أن تصحح أخطاءها السابقة. لكن الروائي يكشف أن كل تصحيح يولّد خطأ جديدًا. فالتصحيح ليس حلًا، بل جزءًا من سلسلة الانهيارات. هذه الفكرة تجعل الرواية في جوهرها عن استحالة السيطرة: لا في السوق، ولا في العائلة، ولا في الحياة الفردية.
ما يلفت في الرواية هو السخرية السوداء التي يستخدمها فرانزن. لا يترك شخصياته تغرق في المأساة وحدها، بل يسلّط الضوء على تناقضاتها بطريقة ساخرة. هذه السخرية لا تُضحك فعلاً، بل تجعل القارئ يرى عبثية المأساة: كيف يمكن أن يتحوّل انهيار أسرة كاملة إلى شيء كوميدي؟ لأن العالم الذي نعيش فيه نفسه صار عبثيًا.
في نهاية الرواية نكتشف أن "التصحيحات" لم تنجح. إنيد لم تجمع العائلة كما أرادت، الأب لم يستعد صحته، الأبناء لم يجدوا حلولًا كاملة. ما يبقى هو القبول: قبول المرض، قبول الفشل، قبول أن الحياة لا تُصحّح بشكل نهائي.