فريدا كهلو .. جدارة الفن

الفنّ يقاس على مدى دائرة فعله وانتشاره، وتوزّع مداراته، بين الجمالي والقيمي والنفسي والتفاعلي.


فريدا كهلو تمثّل تجسيدا واقعيّا لمقولة نيتشه


فريدا كهلو: أرسم نفسي لأنّني الشّخص الذي أعرفه أكثر

"أقوى فن للحياة هو جعل الألم تعويذة تشفي، وهي فراشة تولد من جديد في احتفال غنيّ بالألوان". فريدا كهلو
من الصّعب أن نكتب عن معنى قيميّ في الحياة. تصير معه شخصيّة ما عبارة عن فكرة متواترة، لا جسدا عاش ومات في مكان وزمان معيّنين. الأصعب في نظري؛ أن أكتب عن فاصلة معيّنة، لأنها نحتت في باطني، وارتباط الرمزيّ أكبر من سلطة العنوان. مطالب بالنزف لتوفير حبر دمويّ، يخضّب الورقة بزينة العمق لا بحربائية القول.
تتراءى المقدّمة تخييليّة - نوعا ما - ولكن هذا ما يفزعني الآن، وأنا اُحاول تشييد خطاب قلبيّ بعيدا عن سلطة القوالب. يمكن أن أستحثّ نفسي على تصنّع اهتمام بموضوع آخر. فيه من شدّ القاريء الشيء الكثير، أقوم بإتمام تفاصيله حسب قياسات المطلوب. هنا الآن، عاريا من ضوابط الإشتغال النصيّ ومدارات الكتابة المعياريّة، ليس سقوطا بمعنى الانهيار، ولكن هو السقوط في اللبّ العميق. 
فريدا كهلو .. يمكن لأيّ متابع أن يعرف صاحبة الإسم، بيد أيّ متابع بسيط أن يجد في محرّكات البحث التفاصيل. ليس بالأمر الصّعب الولوج إلى المكامن العامة لشخصيّة معروفة. هذا الاسم يطرح عندي مسألة مغايرة، هي أن أكتب عن "فلان" إلى ارتداد آخر هو أن أكتب لذاتي.
يقاس الفنّ على مدى دائرة فعله وانتشاره، وتوزّع مداراته، بين الجمالي والقيمي والنفسي والتفاعلي. من هذه التفرّعات يفتح القول على نجاعة التأثير. تتشابك الأسئلة والنقاشات صلب إفرازات بحثيّة وتفاعليّة عن دور الفنّ، عن دور الفنان، عن درجات التأثير والتأثّر.
هي مشاغل مهمّة تأكل جلّ المطارحات النقديّة والفلسفيّة والفنيّة الصرفة.

فريدا كهلو أوّل فنانة مكسيكيّة تدخل أعمالها معارض فنيّة كبرى، بعد أن تحصّل متحف اللوفر على رسوماتها

بعيدا عن هذا، في منزع خصوصيّ لا يلج إليه كثيرون، هناك الإنتماء الفنيّ الفردي، بطاقة تعريف فنان ما في واقعه اليومي وحياته الخاصّة. وكيفيّات التفاعل، التي تمنحه سياقا تبعيّا أو تجعل منه رافعة الفن مجالا للتحليق فوق اُطر التنميط والظروف اليوميّة.
من أشدّ المعجبين بقول نيتشه: "لنا الفن كي لا تقتلنا الحقيقة". يحمل القول جملة من الدلالات، وفي إطار ما ذكر سابقا يصبّ في إطار نقاشات دور الفن وآليات إشتغاله ودرجات تأثيره. ما أخذه منه، هو في تفصيل النحت النفسي الفردي، حيث يصبح الفن بمثابة قصبات هوائية جديدة ضد المتاح والموجود اليومي. الإنتماء للقول من هذه الزاوية، جعلني أبني قناعة ذاتيّة تفاعليّة تؤكّد سلطة الفن والثقافة، كدواء ذاتي وعلاج وقائي من الانتساب الواقعي والظرفي الثابت.
فريدا كهلو في هذا الجانب تمثّل تجسيدا واقعيّا لهذا القول الفلسفي.
فريدا كهلو الرسّامة المكسيكيّة العالميّة لامست الألوان عن طريق بوح داخلي محتدم. تشابكت فيه الأعراض والحوادث والخيانات. ممّا شكّل بركانا حركيّا في تفاصيل حياتها. من الرسم كنوع فنيّ والألوان كتعبير، ومن قادح نفسي إجتماعي كبير تشكّلت هذه الرمزيّة في حياة كهلو اليوميّة والفنيّة. من هنا كانت ترفض تصنيف أعمالها في المضمار السريالي. اعتبرت أنّه يصوّر المنحى الواقعي. من هذا المنطلق كانت فريدا كهلو تعطي صورة لذاتها في تفرّدها ومعاناتها ووحشتها بأنّها هي قطب رحى العمل الفني. كانت جلّ لوحاتها، في إطار رسمها لنفسها، ونحتها لونيّا لاختلاجات أنساقها النفسيّة، والمرضيّة، والعاطفية الداخليّة.
المرض، الحادث وتوليد الموهبة الفنيّة
في سنّ السادسة بدأت معاناة فريدا كهلو مع المرض. أصيبت بشلل الأطفال الذي ألزمها أن تبقى طريحة الفراش لمدّة تتجاوز التسعة أشهر، رغم العناية فإنّ هذا العارض خلّف لها إعاقة دائمة في رجلها اليمنى، يظهر في العرج عند مشيتها.
في سن التاسعة عشر تعرّضت كهلو لحادث مرور خطير تمثّل في اصطدام الحافلة التي كانت تستقلّها بقطار. نتج عنه دخول صلب حديديّ في فخذها، خلّف لها جملة تبعات صحيّة أخرى، كسور في العمود الفقري والحوض. بقيت في المستشفي لمدة أسابيع ولكن لم تشفَ تماما. عادت إلى منزلها وبقيت طريحة الفراش مدّة سنة كاملة. فترة عانت فيها فريدا كهلو من الوحدة وإلزاميّة الإرتباط بالفراش. 
كانت العائلة مهتمّة لذلك، حيث وفرت لها والدتها سريرا متحرّكا ومرآة ضخمة في سقف الغرفة. هذا اللقاء اليوميّ بين وحدة ووجهها في المرآة شكّل علاقة تفاعل، وتأثيث لواقع المعاناة ومحايثة حضورها. من هناك انطلقت في طلب الأوراق والألوان. كانت تخطّ بالريشة ملامحها وترسم ذاتها. من هذه المعاناة نطقت ألوان كهلو فنيّا وبدأت في بناء متاح جديد للحياة، ينطلق منها ويعود إليها. كان البعض من النقّاد يصنّفون أعمالها ضمن الاتجاه السريالي، إلا أنها لم تدّعِ ذلك، بل كانت تنقل حقيقة ما تراه. حقيقة الأمر أنّ أعمالها لاذعة وصريحة وقاسية. قالت في مذكّراتها: "لم أرسم أبداً أحلاماً، بل أرسم واقعي الحقيقي فقط."
التبعات والطواريء والتوليد الفني
لم تقف سلبيّات الحياة في حياة فريدا عند المرض، بل تواصلت في أشكال أخرى. جعلت من حياتها مدارا مأساويا بامتياز.

fine arts
{أرسم واقعي الحقيقي فقط

تجربة الحب التي عاشتها فريدا كهلو لم تكن بالنجاح المأمول بالرّغم من حبّها الكبير. بل إن تجربة الزواج ساهمت في مزيد تعميق أوجاعها. نتيجة تبعات الخيانة التي ميّزت تصرّفات زوجها. تزوّجت فريدا كهلو من الرسّام المكسيكي دييغو ريفيرا الذي يكبرها بحوالي 20 سنة في أغسطس/اوت 1929، شابت العلاقة عديد المشاكل التي كان سببها ريفيرا الذي كان معروفا بحياته الجنسيّة المتنوّعة وسهراته الماجنة. كلّ هذا كان عاملا في تعميق أوجاع كهلو التي كانت تعرف وترى كل ما يقوم به. بعد عشر سنوات انفصلا عن بعضهما البعض، ونتيجة لحبّها الكبير لريفيرا عرفت العلاقة عودة أخرى بعد سنة من الطلاق. رغم ذلك لم تتطوّر العلاقة إيجابيّا نتيجة نفس ممارسات زوجها. تبعها إكتشاف خيانته لها مع اُختها الصغرى كريستينا، وقد كان لذلك أثر كثير في نفسيتها.
فريدا كهلو كانت تمنّي النفس بأن تصبح اُمّا، ولكن وضعها الصحي حتّم عليها الإجهاض عند حملها. لم تتمكّن بعد ذلك من الحمل نتيجة تفاقم وضعها الصحي. تناسلت التناقضات والأتعاب في حياة فريدا ما بين المرض والخيانة وعدم الإنجاب. مثّلت كلّ هذه العوائق ملاذا تعبيريّا لها في لوحاتها، التي ضمنت في جلّها جملة هذه الحوادث، كخيانة أختها والإجهاض وغيرها، بحيث اقترب عدد لوحات فريدا كهلو من المائتي لوحة، 143 منها متعلّقة بحياتها الشخصيّة و55 في شكل بورتريهات ذاتيّة. 
تواصلت أتعاب فريدا المرضيّة والنفسيّة، وتفاقمت خلال السنة التي سبقت وفاتها. حيث وقع بتر جزء من ساقها اليمنى، إلى جانب فشل رئوي ممّا حدا بها لمزاولة الفراش وتوفيت في 1954 في عمر يناهز الـ 47 سنة. دوّنت هذه المتاعب في صراعها، قبل أيّام من وفاتها في إحدى المذكّرات "آمل أن يكون الخروج سعيدا، وأتمنّى أن لا يعود أبدا".
هذا ويحفظ رماد جثّتها اليوم في منزلها المسمّى "البيت الأزرق" الذي تحوّل لمتحف وطنيّ يضمّ متعلقاتها من لوحات وغيرها.
تواريخ فنية:
1939: تصبح فريدا كهلو أوّل فنانة مكسيكيّة تدخل أعمالها معارض فنيّة كبرى، بعد أن تحصّل متحف اللوفر على رسوماتها The Frame. يتم عرض لوحتها الذاتيّة في مركز بومبيدو في باريس كجزء من المتحف الوطني للفن الحديث.
 1983: قامت المؤرّخة الفنيّة هايدن هيريرا بتأليف كتاب حول سيرة فريدا كهلو بعنوان "فريدا.. سيرة حياة فريدا كهلو"، وقد حقّق نسبة مبيعات قياسيّة. في 2019 صدر الكتاب بالنسخة العربية عن دار المدى، ترجمة علي عبدالأمير صالح، هذا واهتمّت عديد الكتب بحياة فريدا، ومنها كتاب كلوديا شيفر "الحب المقدس والحب المدنّس في حياة فريدا" كما وقع إنجاز عديد الأفلام الوثائقيّة حول سيرتها. إلى جانب مئات المقالات والدراسات التي اهتمّت بفنّها وحياتها.
 1983: وقع إنجاز فيلم حولها بعنوان "Frida: Naturaleza viva" للمخرج بول ليدوك.
 1984: أعلنت المكسيك أنّ أعمال فريدا كهلو جزء من التراث الثقافي المكسيكي.
 1990: أول فنانة من أميركا اللاتينية تفوق مبيعات لوحاتها مليون دولار.
 2002: إنتاج فيلم يهتم بسيرتها "Frida" بطولة سلمى حايك.
2016:  بيع لوحتها "Two Lovers in a Forest" بمبلغ 8 ملايين دولار.
"أرسم نفسي لأنّني الشّخص الذي أعرفه أكثر." فريدا كهلو.