'في البدء كانت الحيلة': الحيلة كفن وجودي ومفهوم ثقافي متعدد الأبعاد
الحيلةُ ذلك الفنّ العريق الذي رافق مسيرةَ الإنسان منذ فجر التاريخ، ليصبح أداةً وجوديةً للتعامل مع تعقيدات الحياة وتناقضاتها. ليست الحيلة مجرد خداعٍ سطحي، بل هي تعبيرٌ عن ذكاءٍ مرنٍ يتخذ أشكالاً متعددةً بين الثقافات والحضارات، تتراوح بين النقد الاجتماعي الساخر وآليات البقاء الذكية، وصولاً إلى استراتيجيات التأقلم مع أنظمة السلطة والهيمنة.
في التراث الإنساني، تظهر الحيلة كلعبةٍ ذهنيةٍ راقيةٍ تجمع بين البراعة والمخيلة، حيث تحوّلت في الأدب العالمي إلى أداةٍ فنيةٍ تكشف زيفَ الواقع وتقلباتِه. من حكايات جحا في الموروث العربي إلى ميكيافيللي في الفكر الغربي، ومن أساطير هيرمس اليونانية إلى حيل الثعالب في الفلكلور العالمي، تثبت الحيلةُ أنها لغةٌ إنسانيةٌ عالميةٌ تتجاوز حدودَ الزمان والمكان.
في كتابها" في البدء كانت الحيلة" الصادر عن منشورات المتوسط، تقدم الباحثة المغربية نعيمة بنعبد العالي، دراسة فكرية وأكاديمية رائدة تُعيد النظر في مفهوم الحيلة من خلال منظور متعدد التخصصات يشمل الأنثروبولوجيا، الأدب، الفلسفة، والتاريخ الثقافي. متجاوزة التصورات التقليدية التي تُرجع الحيلة إلى الخداع أو المكر، لتبرزها كتجلٍ للذكاء الإنساني، الإبداع، والقدرة على التكيف مع التحديات.
تؤكد بنعبد العالي في مقدمة كتابها أن الحيلة ليست خداعًا سلبيًا، بل هي نتاج العقل وثمرة الفضائل التي تستحق المدح. هذا التصور يُشكل أساس الكتاب، حيث تُفرّق الكاتبة بدقة بين الحيلة والغش، موضحة أن الحيلة تتطلب رقة عقلية، مهارة فائقة، وإبداعًا خلاقًا، بينما يرتبط الغش بالفظاظة والأهداف الضيقة. في رؤيتها الثاقبة، الحيلة هي "فن راقٍ" يعكس القدرة على التفكير الاستراتيجي وابتكار حلول غير تقليدية للمشكلات المعقدة.
تستند بنعبد العالي في تحليلها إلى نصوص التراث العربي الغنية، مثل المقامات البديعة وكتاب "البخلاء" للجاحظ، لتُبرز كيف كانت الحيلة تُستخدم كأداة أدبية واجتماعية متعددة الأوجه. على سبيل المثال، في المقامات العبقرية، يتحول المحتال الماهر إلى شاعر مفوه أو عالم جليل، يستخدم الحيلة الذكية لخلق مواقف فكاهية عميقة تكشف عن تناقضات المجتمع ببراعة. هنا، تخلص الكاتبة إلى أن الحيلة ليست مجرد وسيلة لتحقيق غايات شخصية ضيقة، بل هي أداة دقيقة للنقد الاجتماعي والإبداع الفني المتقن. هذه الفكرة العميقة تُعزز رؤيتها الثرية بأن الحيلة، كما تتجلى في الأدب الرفيع، تُجسد الحكمة العملية النادرة والقدرة الفذة على التلاعب بالواقع بذكاء بالغ.
من الأفكار المحورية التي يطرحها الكتاب بإسهاب أن الحيلة ظاهرة إنسانية عابرة للثقافات والحضارات، تتجلى في صور متنوعة عبر التاريخ والجغرافيا. تطرح بنعبد العالي سؤالًا استفزازيًا عميقًا في بداية مؤلفها: "ما الذي يجمع بين جحا وميكي ماوس، أبي حنيفة وأرسين لوبان، ابن آوى وحديدان الحرامي، بين سكابان والصعلوك؟" هذا السؤال المحوري يعكس نهجها المقارن الثري، الذي يربط ببراعة بين شخصيات أسطورية وأدبية من ثقافات وأزمنة مختلفة، لتؤكد أن الحيلة سمة مشتركة في التجربة الإنسانية عبر العصور.
في التراث العربي الأصيل، تُبرز بنعبد العالي شخصية جحا الشهيرة كرمز للحيلة الفكاهية الذكية التي تجمع بين البساطة الظاهرة والعمق الخفي، بينما في الثقافة الغربية الحديثة تُشير إلى أرسين لوبان، اللص النبيل الذي يستخدم الحيلة المبتكرة لتحقيق العدالة الاجتماعية بطريقته الخاصة. كما تستلهم من الأساطير اليونانية الخالدة، مثل هيرمس، إله الحيلة والتجارة، لتُظهر كيف ارتبطت الحيلة بالذكاء المرن عبر العصور المختلفة. في رأي بنعبد العالي المدعم بالأدلة، هذه التقاطعات الثقافية العميقة تُثبت أن الحيلة ليست خاصية ثقافية محلية، بل هي تعبير عن وحدة التجربة الإنسانية في مواجهة التحديات الوجودية.
وتقول في معرض تحليلها "الحيلة تخترق مجالات عديدة، شائعة وإن فصلتها مسافات سحيقة؛ الأساطير، الحكايات الشعبية، الألغاز، الأحاجي، الكوميديا بجل أنواعها، القصص والأفلام البوليسية... فالحيلة ليست ظاهرة هامشية أو عابرة وبسيطة، بل هي ظاهرة بشرية بعيدة الغور تطرقت لها الآداب العالمية كلها، وبلورتها في أنواع السرد المختلفة".
وتنبه بنعبد العالي إلى فكرة مبتكرة عميقة تربط فيها الحيلة بمصطلحات النسيج كاستعارة دقيقة للإبداع التقني. في اللغة العربية الثرية نجد تعبيرات مثل "يحيك حيلة "أو "ينسج فخًا"، وفي الإنكليزية"weave a plot"، مما يُشير إلى أن الحيلة عملية منظمة دقيقة تُشبه نسج النسيج في إتقانها ومهارتها. تُطبق هذه الفكرة العميقة على كتب الحيل الهندسية في التراث العربي العريق، مثل أعمال بني موسى والجزري، حيث كانت الحيلة تُستخدم في ابتكار آلات معقدة تُحاكي الإبداع البشري الخلاق. في رأيها المدروس، الحيلة ليست فعلاً عشوائيًا، بل هي عملية إبداعية متقنة تتطلب تخطيطًا دقيقًا وتنظيمًا محكمًا، تمامًا كما يتطلب النسيج الراقي ترتيب الخيوط بإحكام لخلق نسيج متكامل.
وتؤكد أن الحيلة تُشبه الأعمال الفنية الراقية في دقتها وتنظيمها، حيث تتطلب تخطيطًا استراتيجيًا محكمًا وإبداعًا خلاقًا لتحقيق أهدافها. تستند في ذلك إلى أمثلة حية من التراث العربي الأصيل، مثل المقامات الأدبية الرائعة، حيث يستخدم المحتال الذكي الحيلة ليس فقط لخداع الآخرين، بل لخلق مواقف فكاهية ذكية أو نقدية لاذعة تكشف عن تناقضات المجتمع ببراعة. على سبيل المثال، في مقامات الحريري أو الهمذاني الخالدة، يتحول المحتال البارع إلى شاعر مفوه أو عالم جليل، مُظهرًا ذكاءً اجتماعيًا يتجاوز مجرد الخداع السطحي إلى إبداع أدبي رفيع. هذه الرؤية النقدية تُعيد تعريف الحيلة كعملية إبداعية منظمة، تُشبه صياغة قصيدة بديعة أو تصميم عمل فني متقن.
وترى بنعبد العالي في تحليلها الدقيق أن "هناك فرقًا واضحًا بين الحيلة والعجائبي، وإن كنا نجد تسربًا وتداخلاً. الحكاية العجائبية تتميز بالجدية واستعمال الخوارق والكائنات الخيالية والتحول السريع والمزج بين العوالم، بين الأحياء والأموات والحلم والواقع. أما الحيلة، فهي حكاية منطقية تتحرى الواقعية، وتعترف بحدود الزمان والمكان. ليس هناك سحر وروحانيات، هي قبل كل شيء لعبة العقل، في حين أن العجائبي مبني على تهميش العقل وإقصاء الذكاء، والحيلة تعوض هذا الخلل في ميزان الخيال المبدع. الحيلة تملأ هذا الفراغ في الخرافات الشعبية وتعطي للذكاء قسطه".
وتُبرز من خلال تحليلها المتعمق لنصوص مثل كتاب "الرقائق "كيف تُدمج الحيلة الذكية بالنزعة الأخلاقية الرفيعة. في هذه النصوص التراثية، تُستخدم الحيلة كوسيلة للعقلاء لعبور العقبات أو تحقيق أهداف نبيلة، مثل فضح الظلم الاجتماعي أو السخرية من المتعجرفين. على سبيل المثال، في حكايات جحا الشعبية، غالبًا ما يستخدم البطل الحيلة الذكية للكشف عن تناقضات المجتمع، كالسخرية اللاذعة من القضاة الفاسدين أو الأغنياء البخلاء، مما يجعلها أداة فعالة للنقد الاجتماعي البناء.
تستشهد بنعبد العالي بالمثل العربي الأصيل "رأس لا حيلة فيه، قرعة خير منه"، لتؤكد أن الحيلة سمة أساسية للعقلاء، تُمكّنهم من التعامل مع الواقع المعقد بحكمة عملية. في رؤيتها النقدية، الحيلة ليست مجرد وسيلة للضحك السطحي، بل هي تعبير عن الذكاء الأخلاقي الرفيع الذي يُساعد الفرد على مواجهة التحديات الصعبة بطريقة تُحقق العدالة الاجتماعية أو تُصحح الاختلالات البنيوية. هذا المنظور الثري يُعيد تأويل الحيلة كقوة إيجابية فاعلة، تُسهم في إصلاح المجتمع وتطويره بدلاً من إلحاق الضرر به.
وتُوسع نطاق تحليلها ليشمل البعد الأنثروبولوجي العميق، مُشيرة إلى أن الحيلة تظهر في سلوك الحيوانات، كما في حكايات ابن آوى أو الثعلب في الفلكلور العالمي، حيث تُستخدم كأداة ذكية للتغلب على التحديات في بيئات معادية. على سبيل المثال، تُظهر حكايات الثعلب في التراث الشعبي كيف يستخدم الحيوان الذكي الحيلة المبتكرة للهروب من المفترسين أو الحصول على الطعام، مما يعكس غريزة البقاء المتطورة.
في السياق البشري الحضاري، تُصبح الحيلة أداة اجتماعية وسياسية متطورة، كما في أعمال الجاحظ النقدية أو كتب السياسة والحيلة عند العرب. في رؤية بنعبد العالي الشاملة، الحيلة ليست مجرد استراتيجية ثقافية، بل هي استجابة غريزية متطورة للتحديات الوجودية، سواء كانت مادية أو اجتماعية. هذا المنظور الأنثروبولوجي يُبرز عمق تحليلها الثقافي، حيث تربط ببراعة بين الغريزة والثقافة، مُظهرة الحيلة كآلية أساسية للتكيف مع العالم المعقد.
تناقش بنعبد العالي بإسهاب تداخل الحيلة مع المجال الاقتصادي عبر العصور المختلفة، حيث تبرز كيف تحولت الحيلة من أداة فردية للتحايل على القيود المالية إلى آلية معقدة في الأنظمة الرأسمالية الحديثة. انطلاقًا من التراث الإسلامي العريق، تحلل "الحيَل الشرعية" التي ابتكرها الفقهاء الأجلاء للتعامل مع تحريم الربا، مثل صيغ التورق المعقدة والبيوع الصورية، والتي تراها تعبيراً عن مرونة النظام الاقتصادي الإسلامي لكنها تثير تساؤلات عميقة حول حدود هذه المرونة الأخلاقية. ثم تنتقل إلى الاقتصاد الشعبي كما تجسده حكايات البخلاء للجاحظ، حيث تتحول الحيلة إلى فن رفيع للبقاء في مواجهة شح الموارد واختلال التوزيع الاقتصادي.
أما في العصر الحديث المعقد، فتكشف بنعبد العالي عن تحول الحيلة إلى استراتيجية مؤسسية في الرأسمالية المعاصرة، من التهرب الضريبي الممنهج إلى المشتقات المالية المعقدة، مروراً بالإعلانات المضللة، وهي كلها تمثل - في رأيها النقدي - امتداداً متطوراً للحيل الاقتصادية التراثية لكن بآثار أكثر خطورة على نطاق واسع. كما تميز الكاتبة بدقة بين الحيلة الإبداعية المحفزة للتطور كما في الاختراعات التقنية التاريخية، والحيلة الاستغلالية التي تعمق الفوارق الطبقية، مستشهدة بمقولة ابن خلدون العميقة عن التجارة وأصلها الحيل، لكنها تحذر من تحول الحيلة من وسيلة ذكية إلى غاية في حد ذاتها.
تطرح بنعبد العالي في الفصل الأخير رؤية ثاقبة للتفاعل الجدلي بين اقتصاد الهبة واقتصاد السوق في المجتمع الإسلامي التاريخي، حيث تكشف كيف تشكلت الحيلة كجسر ذكي بين هذين النظامين الاقتصاديين المتباينين. تبرز أن المجتمعات الإسلامية التاريخية عاشت تناقضاً بنيوياً عميقاً بين قيم التضامن والهبة من جهة، ومتطلبات التبادل السوقي من جهة أخرى، مما ولّد حاجة دائمة لآليات التكيف والتحايل الذكية.
وهنا تطرح الباحثة سؤالاً ضمنياً يفتح أفقًا للتفكير: هل ما زالت الحيلة اليوم وسيلة دفاع ذكي في وجه هيمنة السوق، أم أصبحت أداة مؤسسية تُدار من فوق؟ بهذا المنظور، يعيد الكتاب تأكيد أهميته في سياق عربي معاصر يعيش تحوّلات حادة في القيم والأنظمة. فبينما يتراجع الفكر النقدي أمام سرعة الاستهلاك، يأتي هذا العمل ليُعيد الاعتبار للحيلة، لا بوصفها مراوغة أو خداعًا، بل كأداة عقلانية وفنية لفهم الذات والعالم.