قرار مجلس الأمن بوصاية جديدة على غزّة وملامح انتداب

المشروع الأميركي يُهمّش الوجود الفلسطيني بشكل صريح ويجعله غير مرئي، إذ لا يمنح الفلسطينيين موقعاً قيادياً في تقرير مصير غزّة ولا يعترف بسيادتهم على أرضهم.

دوسلدورف - إن الآلية المطروحة في القرار الأميركي بشأن القوة الدولية لنزع السلاح في غزّة تمثّل امتداداً واضحاً لصيغة الوصاية التي عرفها الفلسطينيون في زمن الانتداب البريطاني، حتى وإن جرى تقديمها اليوم بغطاء "دولي" وبدعوى تثبيت الأمن.

فالمقترح يقوم على فكرة أن مستقبل غزّة يمكن إدارته عبر ترتيبات تُصاغ في واشنطن، لا عبر إرادة الفلسطينيين، وكأن القطاع بحاجة إلى سلطة خارجية تمارس الوصاية عليه، وتحدد له شكل الأمن ونمط الإدارة وطبيعة الحوكمة. إن هذا الطرح يعيد إنتاج الهيمنة الدولية على القرار الفلسطيني من خلال آلية أمنية مفروضة لا تختلف في جوهرها عن أنظمة الانتداب الاستعمارية.

تهميش الدور الفلسطيني

إن المشروع الأميركي يُهمّش الوجود الفلسطيني بشكل صريح ويجعله غير مرئي؛ إذ لا يمنح الفلسطينيين موقعاً قيادياً في تقرير مصير غزّة، ولا يعترف بسيادتهم على أرضهم، ولا يقدّم تصوراً يحترم ملكيتهم السياسية والجغرافية، وهم أصحاب الأرض وحق تقرير المصير.

وهذا ما أكدته روسيا والصين في موقفهما الرافض داخل مجلس الأمن، إذ شدّدتا على أن المقترح الأميركي يتجاهل الفلسطينيين، ويخفي حضورهم السياسي، ويعيد صياغة مستقبل القطاع دون تمثيلهم، الأمر الذي يشكّل انتهاكاً لمبدأ السيادة الوطنية، ويحوّل القوة الدولية إلى أداة فوقية لا تحترم إرادة الشعب.

فصل غزّة عن الضفة الغربية

إن المشروع المطروح اليوم لا يكتفي بإقصاء الفلسطينيين سياسياً، بل يحمل خطراً مصيرياً يتمثل في ترسيخ الفصل بين غزّة والضفة الغربية، فالضفة تشهد حالياً اقتطاعاً ممنهجاً لأراضيها وتقطيعاً جغرافياً متسارعاً بين مدنها ومناطقها، حتى بات التواصل بين المدن والبلدات مهدداً إلى درجة خطيرة.

وتتزامن هذه التطورات مع وجود القوة الدولية في غزّة، ما يرسّخ الانطباع بأن المشروع الأميركي يهدف إلى إضعاف وحدة الدولة الفلسطينية المستقبلية على الأرض. فالاعتداءات الإسرائيلية من جانب الجيش والمستوطنين في الضفة دائمة وممنهجة، وتشمل مصادرة أراضٍ واسعة وبناء مستوطنات لفصل شمال الضفة عن جنوبها.

إن تراكم هذه الإجراءات، بالتزامن مع إدخال القوة الدولية إلى القطاع، يعكس رغبة في خلق كنتونات فلسطينية مفككة وغير متصلة جغرافياً، بحيث يصبح من الصعب إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وإذا أضفنا إلى ذلك واقع الضفة، الذي يتبلور اليوم حول رام الله كأنها مركز الدولة الفلسطينية الوحيدة الممكنة، فإن الخطر يتضاعف؛ فالواقع الميداني يُظهر أن ما يُطرح كـ"حل سياسي" في غزّة يعزل القطاع عملياً ويضعه خارج أي سلطة وطنية متماسكة، ويجعل أي دولة فلسطينية مستقبلية مرهونة بالقرارات الدولية والهيمنة الإسرائيلية.

المناورات الإسرائيلية

ورغم أن بعض الأصوات الإسرائيلية تعلن رفضها للقرار الأميركي، فإن هذا الرفض يجب قراءته في إطار المناورة السياسية لا في إطار موقف مبدئي. فإسرائيل، بمختلف تياراتها، اعتادت تحويل أي خطوة دولية إلى ساحة للمزايدة الداخلية بهدف انتزاع مزيد من المكاسب، ولا سيما عند التعامل مع الإدارة الأميركية.

ولهذا فإن تعدد الأصوات داخل إسرائيل لا يعكس انقساماً حول جوهر القرار، بل محاولة من كل طرف لزيادة أرباحه السياسية وتحسين موقعه التفاوضي في المرحلة المقبلة.

أما نتنياهو فقد وصف القرار بأنه «إنجاز كبير لإسرائيل»، لأنه يتماشى مع التصورات الإسرائيلية ويعزز من اندماج إسرائيل في المنطقة، ويسمح بالحديث عن مرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية والتطبيع مع دول الجوار، على حد تعبيره.

ولم يكتف بذلك، بل قال في موضع آخر إن أمن إسرائيل سيبقى تحت سيطرتها الحصرية، في رسالة واضحة بأن القوة الدولية لن تكون قوة محايدة، بل قوة تُبنى وفق الرؤية الإسرائيلية لأمنها وحدود مصالحها.

الجدل في إسرائيل حول أي إشارة لمسار سياسي

ورغم الضجيج الذي تثيره الأوساط اليمينية الإسرائيلية بشأن أن القرار الدولي يحمل لغة تتعلق بحوار أو "مسار سياسي"، فإن هذا الاعتراض لا يعكس خشية حقيقية من قيام دولة فلسطينية؛ فالموقف الرسمي الذي عبّر عنه نتنياهو يؤكد أن معارضته لأي دولة فلسطينية لم تتغير.

أي إن الرفض الإسرائيلي هنا ليس دفاعاً عن أمن إسرائيل أو اعتراضاً على القرار بحد ذاته، بل جزء من لعبة سياسية داخلية تهدف إلى الضغط على واشنطن للحصول على المزيد من الامتيازات، مع ضمان ألّا يؤدي أي حديث دولي إلى أي تغيير فعلي في الوقائع على الأرض.

فلسطين بين الوصاية الدولية والمشروع الإسرائيلي

إن اللحظة الحالية تتطلب وعياً فلسطينياً عالياً بمخاطر المرحلة؛ فالقوة الدولية، وفق الصيغة الأميركية، قد تتحول إلى أداة لتكريس واقع جديد يقف عند منتصف الطريق بين الاحتلال والإدارة الدولية، بينما يتحمل الفلسطينيون وحدهم تبعات هذا الترتيب.

ومن هنا تأتي أهمية التحرّك السياسي والدبلوماسي الفلسطيني لاستعادة المبادرة، ورفض أي صيغة تُقصي الفلسطينيين عن صنع القرار، والتمسك بوحدة القطاع والضفة كشرط لا يمكن التنازل عنه. فالمعركة اليوم ليست فقط على غزّة، بل على مستقبل فلسطين برمّته، وعلى قدرة الفلسطينيين على الحفاظ على وحدة جغرافيتهم وهويتهم ومشروعهم الوطني.