قضايا الحرية والديمقراطية عند نجيب محفوظ

الإبداع ابن الحرية، والقمع عدو للإبداع، ومن ثم يلجأ الكاتب المثقف إلى "التُّقية".


يا جماعة أشركونا معكم، أو امنحوا الشعب قدرا من الحرية


كنت أنتظر 11 ديسمبر 1971 بفارغ الصبر

يرى نجيب محفوظ أن الإبداع ابن الحرية، والقمع عدو للإبداع، ومن ثم يلجأ الكاتب المثقف إلى "التُّقية"، عن طريق تقنية القناع أو الرمز أو استلهام التراث، أو يُغلب على أمره ويلجأ إلى السكوت واللامبالاة.
وعندما غضب الرئيس جمال عبدالناصر من كاتبنا بسبب روايته "ثرثرة فوق النيل" وأحال الأمر إلى د. ثروت عكاشة باعتباره وزيرا للثقافة وقتها، ورئيسا لنجيب محفوظ في عمله، قال له عكاشة، بعد أن قرأ الرواية: يا سيادة الرئيس أصارحك بأنه إذا لم يحصل الفن على هذا القدر من الحرية، لن يكون فنا. فقال له عبدالناصر بهدوء: "وهو كذلك، اعتبر الأمر منتهيا".
وعندما أحيل كاتبنا إلى التقاعد عن العمل (عندما بلغ سن الستين) اعتبر هذا اليوم من أيام السعادة والتفاؤل، حيث شعر بالحرية والتوحد مع الأدب والفن. وقال: لقد أصبحت حرا، ولست موظفا، وما أحلاه من شعور. كنت أنتظر 11 ديسمبر 1971 بفارغ الصبر. 

novel
اعتبر الأمر منتهيا

ومن المعروف عن نجيب محفوظ أنه كان متحمسا لمبادئ ثورة يوليو 1952، وخلافه معها أنه كان يقول: يا جماعة أشركونا معكم، أو امنحوا الشعب قدرا من الحرية. (وكان يعي أن هناك فرقا بين نقد الثورة لحساب الثورة، ونقد الثورة لحساب غيرها). لكنه كان منحازا لمحمد نجيب، خاصة فيما عرف بأزمة مارس 1954. وعندما أُقيل نجيب، فقد الأمل في أن يتجه الضباط الأحرار نحو الديمقراطية. وكان يرى أن المصيبة الوحيدة في حكم عبدالناصر هي تأجيل ممارسة الديمقراطية. ويقول لأحمد محمد عطية (مجلة الحوداث – بيروت - 22 ديسمبر 1978) إن ما أسفت عليه حقا هو تأجيل الثورة لمبدأ الديمقراطية، لأن هذا التأجيل أصاب البناء كله بما هدده في النهاية بالخراب الكامل. ولو طُبق هذا المبدأ من بادئ الأمر لكنا اليوم في حال غير الحال.
وعندما فاز كاتبنا بجائزة نوبل للآداب 1988، كان يشارك كبار الأدباء في العالم في بعض المواقف المشتركة كالبيانات التي تتمحور حول بعض قضايا الحرية، وعلى الرغم من أنه لم يلتق الكاتب الكولومبي العالمي غابرييل جارثيا ماركيز قط، فإنه كان يعتز بأن جمعتهما بعض المواقف المشتركة كالبيانات التي وقّعاها سويا في بعض قضايا الحرية ضمن عدد من كبار الأدباء في العالم.
وقد انتقل هذا التقدير لقيمة الحرية من العالم الخارجي إلى العالم الداخلي (داخل منزله) فيقول: إنني أعامل ابنتيّ بالديمقراطية، وذلك قبل التحول الديمقراطي في بلادنا. وأترك لهما الحرية في أن تقرءا أعمالي أو لا تقرآها، وغالبا لا تقرآن. ربما قرأت إحداهما رواية، والأخرى نصف رواية، وتنتظر أن تتحول إلى فيلم لتعرف نصفها الآخر. ورأيهما في إنتاجي واحد من اثنين: هايل أو "زفت"! مع أنهما تخرجتا في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. وقد ربيتهما على قدر كبير من الاستقلالية، رغم أني تربيت فيما يشبه العصر العثماني، وأنا في النهاية أب أملك ولا أحكم.
درس نجيب محفوظ الفلسفة، وتخرج في كلية الآداب قسم الفلسفة عام  1934، وكان يعتقد – مثل أرسطو - أن الفلسفة هي العلم الوحيد من بين العلوم الذي يبقى حرا، لأنَّ غاية الفلسفة في ذاتها. ويرى أن الفلسفة لا تنفصلُ أبدا عن مفهوم حرية الإرادة. وأن الانشغال على الفلسفة - حسب رأي نيتشه - يعني الانشغال بتحرير النفس.
 يقول لعماد الدين أديب (مجلة اليمامة – الرياض - 9 مايو 1975): لو نظرت إلى الكتب - وهي في متناول الجميع - سوف تجد أنني الكاتب الوحيد الذي تحدث عن الحرية وقت الاحتلال، بالإضافة إلى أن مشكلات الإنسان المعاصر التي تملأ قصصي الآن ما هي إلا خلاصة للمؤثرات الخارجية التي يتعرض لها الفرد من المجتمع ثقافيا واقتصاديا، بالإضافة إلى عوامل أخرى كثيرة. ويؤكد على قيمة الحرية والديمقراطية فيقول له: إنني بلا شك أؤيد الحرية في ظل أكبر قسط من الديمقراطية، إنني أؤيد ذلك بلا شك.
وعندما يسأله نبيل فرج (جريدة الأنوار – بيروت – 8 ديسمبر 1977) عن الفراغ الملحوظ الذي تعيشه الثقافة المصرية منذ نكسة 1967 يُرجع هذا الفرغ إلى أن الحرية لم تزل محدودة. 
ويقول لأحمد محمد عطية (الحوادث 1978) إن على وزارة الثقافة أن تهيئ أحسن جو للإبداع الفني وتكفله بالحرية والاحترام. وهو يؤمن بأنه لكي يزدهر الفكر فلا غنى له عن الحرية الكاملة، حتى ولو خضع لقوانين الدولة وحوكم بسببها أصحابه.

ويرى (مجلة المواقف – المنامة - 15 أكتوبر 1979) أن كل الأزمات مثل أزمة الكتاب، وأزمة الشباب، وأزمة النشر، يمكن معالجتها في جو الحرية. مؤكدا أنه من غير الحرية يصبح كل هذا الكلام مجرد عبث.
ويقول لسناء السعيد (مجلة المجلة السعودية – لندن – 24 مايو 1980): أي فنان يطمح دائما إلى الحرية، ولكن الحرية تتضمن مسؤولية ذاتية لا يُستهان بها، وهي تتمثل في التزام الكاتب التزاما حرا بقضايا وطنية أو أيديولوجية أو إنسانية. وأظن أنه لا يوجد عمل يخلو من هذا النوع أو ذاك. ويشير إلى أن العصر المادي الميكانيكي العلمي الذي استوعب الإنسان، هو الذي سيمنحه الحرية في النهاية عندما يزيد له وقت فراغه.
ويوضح لجهاد فاضل (مجلة الحوادث – بيروت – 4 نوفمبر 1988) أن هناك قيمتين لم يتخل عنهما أبدا، وهما الحرية والعدالة الاجتماعية. ويقول: هاتان القيمتان كانتا في أساس برنامج "الطليعة الوفدية". وبعد ذلك ترجمت هاتان القيمتان في ثورة يوليو (تموز) بأيد جديدة. وهو مرتبط بهما وجدانيا.