كاملة لأول مرة 'أرماديل' لكولينز: إعادة اكتشاف واحدة من أبرز الكلاسيكيات الفيكتورية

في زمن يشهد إعادة قراءة الكلاسيكيات، توفر الرواية فرصة للقراء لاكتشاف عالم الكاتب الإنكليزي الشهير ويلكي كولينز.

يطل علينا عالم الأدب الفيكتوري مجددًا من خلال الترجمة العربية الكاملة الأولى لرواية "أرماديل" للكاتب الإنكليزي الشهير ويلكي كولينز، أحد رواد الرواية البوليسية في القرن التاسع عشر. هذه الترجمة، التي تجاوزت ألف صفحة، تمثل فرصة استثنائية لاستكشاف واحدة من الروايات التي جمعت بين التشويق البوليسي والإثارة النفسية والغموض الخارق للطبيعة، وتكشف عن عبقرية كولينز في رسم شخصيات متشابكة الأبعاد وصراعات نفسية عميقة.

أعلنت دار يسطرون للنشر (جدة) عن صدور هذا الإصدار الضخم في جزأين، والذي قام بترجمته الشاعر والناقد أسامة جاد مقدمًا للرواية مقدمة تحليلية عميقة تفتح نافذة على خلفيات الرواية التاريخية والنفسية والفنية، بدعم من "مبادرة ترجم" التابعة لهيئة الأدب والنشر والترجمة، والتي أُطلقت عام 2021 لدعم الناشرين السعوديين في ترجمة الأعمال الأجنبية وإثراء المحتوى العربي.

يعد ويلكي كولينز (1824–1889) أحد أعمدة الأدب الفيكتوري الإنكليزي، وصديقًا مقربًا لتشارلز ديكنز، حيث شارك معه في بعض الأعمال الأدبية. على الرغم من دراسته للمحاماة، لم يمارسها، مفضلاً الكتابة بعد تجارب شخصية مثل التنمر في المدرسة، التي ساعدت في صقل مواهبه السردية. وقد تمكن من تحقيق نجاح أدبي كبير، ما أتاح له التفرغ للأدب، وأنتج أعمالًا خالدة مثل "المرأة ذات الرداء الأبيض" 1860، و"حجر القمر" 1868، والتي وصفها الشاعر تي. إس. إليوت بأنها "أول الروايات البوليسية الإنكليزية الحديثة وأطولها وأفضلها". وبحسب كتاب "حياة مختصرة: ويلكي كولينز" لميليسا كليمازوسكي (2011)، كان كولينز يجسد روح العصر الفيكتوري، معتمدًا على النشر المسلسل في المجلات لبناء تشويق مستمر يحافظ على اهتمام القراء.

رواية "أرماديل" تدور حول فكرة القدر والوراثة، والظلال المظلمة التي يفرضها الماضي على الحاضر. تبدأ الأحداث باعتراف على فراش الموت، حيث يبوح أحد الأبطال بسر قديم مرتبط بعائلة أرماديل، وهو سر يضع على كاهل الحفيدين عبئًا ثقيلًا من الغموض والخطر. ومن هنا تنشأ المحاور الثلاثة الأساسية التي تحرك الرواية: الهوية، الإرث المظلم، وصراع الخير والشر داخل الإنسان الواحد.

تتوالى الأحداث بين شخصيتين تحملان الاسم نفسه: ألان أرماديل الأول والثاني، مما يولّد حالة من الالتباس والتشابك النفسي. أحدهما يعيش حياة هادئة نسبيًا، بينما يطارد الآخر ماضيه المليء بالجرائم والأسرار. هذا التشابه بينهما ليس مجرد صدفة، بل هو وسيلة كولينز لاستكشاف قوة الاسم والقدر، وكيف يمكن للتاريخ أن يطارد الحاضر بلا هوادة.

على طول الرواية، يتفاعل الأبطال مع مجموعة من الشخصيات الثانوية التي تضيف طبقات من التوتر النفسي والمفارقات الأخلاقية. من أبرزها شخصية ليديا جويلت، المرأة الذكية المستقلة، التي تتحدى القيم الفيكتورية التقليدية وتصبح محورًا مركزيًا في الصراع النفسي والعاطفي، فهي تجسد الحرية والإرادة في مواجهة القدر المظلم.

تتدرج الأحداث من مؤامرات صغيرة وغموض مبهم إلى صراعات داخلية وأزمات أخلاقية معقدة. يستخدم كولينز تقنيات السرد المتعددة، مثل اليوميات والرسائل والشهادات المتبادلة، ليكشف عن الشخصيات تدريجيًا ويغذي شعور القارئ بالتشويق النفسي. هذا الأسلوب يجعل كل كشف جديد عن الماضي أو السر العائلي يغير فهمنا للشخصيات ويعيد تقييم مواقفها.

تتجاوز أهمية 'أرماديل' حدود الإثارة البوليسية؛ فهي شاهد على العصر الفيكتوري، وذروة الإمبراطورية البريطانية

وفي قلب الرواية، هناك صراع دائم بين الخير والشر، ليس فقط بين شخصيات مختلفة، بل داخل الشخص نفسه، مما يجعل القارئ يعيش تجربة تشويق نفسي مستمرًا، أكثر من مجرد متابعة أحداث خارجية. بهذا الشكل، تصبح "أرماديل" دراسة في الهوية، الإرث، القدر، والإرادة الإنسانية، تتجاوز كونها مجرد رواية غموض لتكون عملًا فلسفيًا ونفسيًا في آن واحد.

في مقدمته للترجمة، يرى أسامة جاد أن "أرماديل" تمثل الإرهاص السابق لرواية "حجر القمر"، حيث يحمل كل عمل مبكر بذرة الأفكار التي تتبلور لاحقًا في تحفة المؤلف الكاملة. ويقارن جاد ذلك بأمثلة أدبية وفنية أخرى، مثل مسرحية شكسبير "حلم ليلة منتصف الصيف" التي سبقت "روميو وجولييت"، أو لحن محمد القصبجي "يا قلبي بكرة السفر" الذي تطور لاحقًا إلى "رق الحبيب". ومن هذا المنطلق، تُرى "أرماديل" كعمل يحمل جوهر أسئلة كولينز الفنية، ويستند إلى بنية بوليسية مركزية تشمل الجريمة، التحقيق، والشخصية الأنثوية القاتلة "الفيم فاتال"، ممثلة في الآنسة ليديا جويلت، التي تربط بين أجيال الرواية وتُجسد البطل الشرير بامتياز.

الرواية، التي نشرت أولًا مسلسلة بين نوفمبر/تشرين الثاني 1864 ويونيو/حزيران 1866 قبل صدورها ككتاب عام 1866، تبدأ في منتجع ويلدباد الألماني، حيث يدون السيد نيل اعترافات ألان أرماديل على فراش الموت. وتروي الرواية قصة ثلاثة أجيال من ألان أرماديل، حيث يتشابه الاسم بين قاتل ومقتول في الجيل الثاني، بينما يطارد حلم غرائبي الجيل الثالث، ليحقق مشاهدًا في الواقع، ما يطرح أسئلة حول مصير الأبناء في مواجهة شخصية قاتلة مثل جويلت، التي تشارك في المأساة وتخطط لمكاسبها. كما توظف الرواية عناصر ما وراء الحلم، مع مشاهد تشبه تقنيات السينما التعبيرية مثل فيلم "كابينة الدكتور كاليجاري" (1920)، باستخدام الضوء والظلال لتعزيز الجو المشوق.

من الناحية السردية، يعتمد كولينز على السرد الرسائلي لتعدد الأصوات، كما في مراسلات جويلت والسيدة أولدرشو، أو مذكراتهم، إضافة إلى الاسترجاع وتقنيات التيار الوعي. يتواطأ السارد الكلي مع القارئ، مسربًا معلومات مجهولة للشخصيات، ما يخلق ترقبًا بوليسيًا مشوقًا، ويضفي أحيانًا لمسات مرحة لضبط الإيقاع. هذا الأسلوب ينبع من طبيعة النشر المسلسلة، التي سمحت لكولينز بتعديل الحلقات بناءً على ردود القراء الفيكتوريين.

على الرغم من الانتقادات المعاصرة لشخصية جويلت بوصفها "متجاوزة"، واستفزاز مقدمته الصدامية، حققت الرواية نجاحًا كبيرًا، وأُعدت لها معالجة مسرحية استمرت أكثر من 200 يوم، كما أنتجت اقتباسات إذاعية على BBC عام 2009، ومسرحية لجيفري هاتشر عام 2008. وقد أشاد المراجعون المعاصرون بتعقيد الحبكة ودمج العناصر الخارقة، واعتبروا جويلت شخصية شريرة لا تُنسى، ووصفت الرواية بأنها "قصة هويات مختلطة، ولعنات موروثة، ومنافسات رومانسية، وتجسس، ومال، وجرائم قتل"، مع لمسات فكاهية وسخرية مريرة.

في سياق الترجمة، أشار أسامة جاد إلى التحديات الرئيسية، مثل طول الرواية، وقاموس الإنكليزية الفيكتورية، الذي يتطلب دقة في نقل التعبيرات إلى السياق الثقافي العربي. كما حرص على إبراز الخصوصية الحوارية لكل شخصية، من رسائل جويلت والسيدة أولدرشو إلى الحوارات التلميحية للطبيب مقابل سذاجة ألان أرماديل، مع الحفاظ على الطابع المسرحي للحوارات، مما يجعل الرواية مناسبة لدراسات التداخل بين الرواية والمسرح.

تتجاوز أهمية "أرماديل" حدود الإثارة البوليسية؛ فهي شاهد على العصر الفيكتوري، وذروة الإمبراطورية البريطانية، مع أنساق ثقافية تتعلق بالاستعمار، وعلاقات الأنا والآخر، والنظرة إلى أوروبا كـ"القارة المجاورة". تغطي الرواية مواقع متنوعة مثل ويلدباد الألمانية، نابولي الإيطالية، وبحيرات نورفولك البريطانية، التي وصفها كولينز بدقة، وانتقد من خلالها مجتمع الثورة الصناعية، كما يظهر في قول شخصية بيدجيفت: "نحن نعيش في عصر مواتٍ لنمو كل احتيال يحرص على المظاهر".

في زمن يشهد إعادة قراءة الكلاسيكيات، توفر "أرماديل" فرصة للقراء لاكتشاف عالم كولينز، الذي راهن على الزمن قائلاً: "لا شيء هنا يمكنني أن أقوله قد يساعدني، بقدر ما سيساعدني الزمن إن عاش عملي". ومع صدور الترجمة العربية الكاملة، تثبت الرواية جدارتها، كما توقع مؤلفها منذ أكثر من قرن.