"كمان زغلول" تجسيد لفكرة انتصار الإرادة

أحمد زحام كاتب يعزز قيم الحرية ويدعو لتحفيز القوى الكامنة لدى البشر، ويرى أن الإعاقة الحقيقية هي فقدان الحلم والهدف.


سبب تسميته زغلول جاء لحب أبيه للزعيم المصري سعد زغلول


استدعاء لروح ثورة 1919 التي ولدت بهدف انتزاع الحرية للوطن ككل؛ وبهدف فك قيود الاستعمار البريطاني

يتناول الكاتب أحمد زحام في مسرحيّته "كمان زغلول" قضية الحرية وكيفية التغلب على العجز لدي أصحاب الاحتياجات الخاصة، كما أنه يبث العديد من القيم الإيجابية الموجهة إلى اليافعين.
يخبرنا المشهد الأول من النص المكتوب أن البطل "زغلول" ذا الخمسة عشر ربيعًا يحب الموسيقى، وتبدو هذه الدلالة من خلال الإرشادات المسرحيّة التي تصور لنا  لحظة ظهوره على خشبة المسرح، وهو يمسك آلة الكمان في يده، وفي اليد الأخرى عودًا، كذلك نعرف أنه فاقد للبصر من خلال هيئته وحديثه، كما يأخذنا الحوار؛  حتى يتضح لنا أن سبب تسميته زغلول جاء لحب أبيه للزعيم المصري "سعد زغلول"  وهذا استدعاء لروح ثورة 1919 التي ولدت بهدف انتزاع الحرية للوطن ككل؛ وبهدف فك قيود الاستعمار البريطاني. 
كذلك رسم لنا المشهد فكرة ميلاد الحلم، وذلك عندما رأى الطفل زغلول في منامه أنه يكلم البجعة التي تبشره بنبوغ  موهبته في العزف على الكمان.
يقدم لنا المشهد الثاني صورة مغايرة لحلم الحرية في مقابل قيود الواقع، وذلك عند قدوم هبة ابنة خاله التي تريد اللعب بألعابه، أو أن تقص عليه بعض الحكايات القادمة من أعماق التراث، كحكايات ألف ليلة وليلة، ولكن زغلول يطلب منها أن تقص عليه قصصا حيّة، لأنه يريد أن يرى الدنيا والواقع الحالي من خلالها، وتبدأ هبة في سرد قصتها أثناء رحلتها إلى الغابة وكيف كانت تتحدث مع الأسد.  

Child Theater
قيم إيجابية موجهة إلى اليافعين

ورغم أنه تعجّب من ذلك لأن معاملة الحيون المفترس فيها خطر على الإنسان، إلا أنه ربط بين مقابلتها للأسد الطليق كرمز من رموز القوة، وبين الأسد الذي زاره بحديقة الحيون وكان محبوسًا، لتبرز لنا الصورة المسرحيّة المقابلة بين الحرية، وبين قيود العجز.
حيث الأسد الحر الطليق في الغابة يوازي حرية هبة في حرية التنقل، والأسد المحبوس في حديقة الحيوان يوازي حبس زغلول في غرفته المكونة من أربعة جدران.
تكرر نفس الصورة في المشهد الثالث، عندما يأتي الصباح مغزولا بشقشقة العصافير، ويمتزج الحوار البشري بين زغلول والطيور، ولكن العصافير تكاد أن تفر منه وتخرج من شباك الغرفة غاضبة؛ عندما قال لها: بأنه سوف يطلب من أمه أن تشتري له عصفورًا في قفص، فقد جاء حزن العصافير لأن زميلًا من بني جنسها سيفقد حريته؛ فتراجع زغلول عن ذلك عندما تذكر أن آلام الحبس الذي يعانيه في غرفته لا يختلف عن آلام حبس العصفور في القفص.
قهر العجز بالإرادة
يصور المشهد الرابع زغلول وهو يسمع مقطوعة موسيقية جميلة عبر الإذاعة المصرية، وكان ذلك تمهيدًا للقاءٍ مع الموسيقار عمار الشريعي، حيث سردت المذيعة قصته في قهر الإعاقة وفقدان البصر بتعلم الموسيقي والحصول على بكالوريوس الآداب قسم اللغة الإنجليزية 1970. فطلبه زغلول عبر الهاتف وتحدث معه راغبًا في الإقتداء به. 
كذلك المشهد الخامس يسير في الاتجاه نفسه عندما يصور الكاتب لنا أن الطاقة الكامنة لدى البشر هي مصدر النجاح، وذلك بمناقشة خبر صعود مكفوف لجبل الهملايا، من خلال توظيف الحوار بين الضفدعة والبجعة والأم. 
كانت الاستجابة بالمحاكاة لدي زغلول هي سعيه للتعلم، وقد جاء ساعى البريد بخطاب يحمل موافقة وزير التربية والتعليم على طلب إلتحاقه بالمدرسة، في إشارة إلى أن العلم هو مفتاح التطور سواء للأفراد أو الأوطان، وتبرز قيمة احترام الخصوصية في أن الأم قبل أن تفتح الخطاب الوارد باسم الأب تحدثه هاتفيا تستأذنه في ذلك.  
يصور لنا المشهد السادس أن التعلم لا يحدث إلا بالعمل وبذل المجهود الشاق،  حيث يقوم زغلول بالمذاكرة لتحصيل العلوم، ثم متابعة سماع مقطوعة موسيقية  قادمة من خلف جدار غرفته، والتدرب على عزفها  بالكمان، ولكنه يفشل في البداية. 
يعود المؤلف في المشهد السادس لشخذ همة الفتى من خلال توظيف الحوار بين العصافير والبجعة والضفدعة حول الفنان الألماني بيتهوفن الذي انتصر على إعاقته بالصبر وهذا جعل زغلول يسعى لمعاودة تعلم العزف.
وأخير جاءت نتيجة الصبر على التدريب في المشهد الثامن عندما نجح زغلول في عزف المقطوعة الموسيقية على الكمان، وهذا سوف يؤهله للمشاركة في الحفل الموسيقي الكبير كعازف متمكن. لقد تحقق حلم زغلول ونجح في التحرر من سجن العجز لينطلق نحو التحليق في سماء الإبداع.

ورغم أن تقديم مسرحية "كمان زغلول" على خشبة المسرح تحت رعاية الهيئة العامة لقصور الثقافة بالحديقة الدولية في 17 سبتمبر/أيلول عام 2017، إلا أن النص المكتوب من وجهة نظري كان أقوى من العرض المسرحي الذي شاهدته عبر الفيديو.
وفي جميع الأحول يمكن القول بأن الكاتب قد انتصر لفكرة الحرية، لأن لحظة التنوير المسرحي تشير إلى أن قوة الإرادة هي أساس النجاح، وأن الإعاقة الحقيقية في فقدان الإنسان للحلم والهدف.