كيف نتلقى العمل الفني بما يليق به من جلال وقيمة

الناقد محمد زكي العشماوي يؤكد أن القطيعة ليست بين الإجيال، وإنما هي قطيعة بين الإحساس بعملية الإبداع، وبأهمية هذه العملية، وبقيمتها الحقيقية وبضرورتها للحياة.


العشماوي يرى أن أي زاوية لم يكشف عنها الفنان في هذه الحياة هي زاوية من نفسه لم يستطع أن يكتشفها بعد


العشماوي يرى أنه لا يجوز الاكتفاء بدراسة الشكل والمضمون في دراسة العمل الفني


البحث الآن يتجه إلى التساؤل عن قدرة الأدب على حمل الإنسان إلى آفاق أبعد

يرى الناقد الدكتور محمد زكي العشماوي أن موضوع القطيعة بين الأجيال موضوع خطير للغاية، والقطيعة هنا ليست قطيعة بين جيل وجيل بقدر ما هي قطيعة بين الإحساس بعملية الإبداع، وبأهمية هذه العملية، وبقيمتها الحقيقية وبضرورتها للحياة فنحن لا ينبغي أن نستهين اطلاقا بالإنتاج الأدبي والفني أيًّا كان نوعه سواء كنا شيوخا أو كنا شبابا، وإنما ينبغي أن نتلقى العمل الفني بما يليق به من جلال ومن قيمة حقيقية، فالعمل الفني له قيمته التي ينبغي أن نقدسها جميعا، هذا التقديس يفرض على المبدع ألا ينقطع عن الناس، بل ينبغي أن يفرح وأن يبتهج بأن يسمع غيره، وأن يستمع إلى الآخرين، وأن يستفيد مما يُقال لأن الإنسان لا يجوز له أن يصدر عن فراغ، وأن أي فن مبدع لا يمكن أن يخرج من فراغ، وأن أي جديد لا بد وأن يصدر على أساس من القديم، وكل جيل لا بد وأن يستفيد من الجيل الذي سبقه، وأننا إذا ضربنا صفحًا عن التراث القديم وتصورنا أننا نستطيع أن نبني جديدًا فإننا نكون واهمين أشد الوهم.
ويؤكد العشماوي – في محاضرته التي ألقاها في أتيليه الإسكندرية في ديسمبر 1983 – أن القضية خطيرة في هذا الموضوع، تنصرف إلى أن اللقاءات تكاد تكون معدومة بين جيل المبدعين وجيل السامعين أو جيل المشاهدين أو جيل المناقشين، أي لا بد أن تكون هناك صفحات في مجلات أدبية على نطاق أوسع مما نرى اليوم، وأن تكون هناك صفحات أوسع في الصحف اليومية أكثر مما هي عليه الآن. أي يكون هناك مجال للقاء أو الالتقاء، فالمجال الآن يكاد يكون معدومًا نظرا لأن ظروف الحياة تغيرت مثلا، أو لأن الإنسان انشغل بأشياء كثيرة جدا خرجت به عن الحدود التي كانت قائمة ومعروفة مثل المسائل المتصلة بالروح أو المتصلة بالفن والفكر، وهي – بلا شك – ضرورات أساسية لوجود الحياة، ولبقاء الحياة، وربما انصرف الإنسان عنها لأشياء أخرى، فالحياة تطورت، والحياة العملية ذاتها اتسعت رقعتها، المادة سيطرت سيطرة رهيبة جدا على الحياة وعلى الإنسان، وقد يكون هذا، وقد تكون هناك أشياء أخرى سيطرت على الموقف، فصرفت الناس عن اللقاءات الأدبية أو الفنية أو الفكرية، عن طريق الصحافة أو عن طريق الكتاب أو عن طريق اللقاء الذي يكون بين الأستاذ وتلاميذه، أو أن يكون بين مجموعة متآلفة من الأدباء تلتقي بين يوم وآخر أو على لقاءات متعاقبة.

الشعر من الممكن أن يقودنا صوب إنسانية جديدة ذات قيم أخرى جديدة

هذه واحدة، أما الأخرى التي تحدث عنها الناقد الراحل، فهي كثيرا ما راودته وألحت عليه كثيرا، وحاول في كثير من كتاباته ومحاضراته أن يشير إليها أو أو يبرزها، وخصوصا في معرض الحديث عن قضايا الإبداع الفني وقضايا الاتجاهات الحديثة في أدبنا المعاصر، وكذلك في قضايا النقد الأدبي بصفة عامة، وهي المسألة التي تتصل بقضية المحتوي الفكري للعمل الفني  أو الأدبي. 
وقال إنه لا يجوز إطلاقا في منهجنا في دراسة العمل الفني في هذه الأيام أن نكتفي بدراسة الشكل والمضمون، وما يتصل بهما وحدهما، وإنما ينبغي أن نقف وقفة أساسية عند ما يمكن أن يتجه إليه النص نحو المستقبل، أو ما يمكن أن يتوجه إلى الإنسان أو مدى ما يمكن أن يعمق من فكر الإنسان أو ما يمكن أن يكشف عن زوايا معينة في الوجود الإنساني في حقيقته. فأي زاوية لم يكشف عنها الفنان في هذه الحياة هي زاوية من نفسه لم يستطع أن يكتشفها بعد، أي أن هناك جوانب مهمة جدا ينبغي أن تكون موضع تقدير وموضع اهتمامنا في دراستنا للأدب المعاصر، ليس مجرد تتبع الأثر من ناحية شكله ومن ناحية مضمونه، ومن ناحية ما يمكن أن يقدمه عن الحياة وعن الإنسان في التوجه إلى أعماق وأغوار الحقيقة الإنسانية، وكلما استطعنا أن نكشف عن هذه الأغوار كنا أقدر على أن نكون معاصرين، وأن نكون متقدمين عن غيرنا.

لا يجوز إطلاقا أن نكتفي بدراسة الشكل والمضمون

ويؤكد  العشماوي أن هذه حقيقة ينبغي أن تكون موضع انتباهنا فيما يتصل بهذا الموقف، ولقد أردت أن أطرحها الآن. وخلاصة الفكر تقول إن عوامل التطور والجدة في العمل الأدبي المعاصر لم يعد مجال البحث فيها اليوم مقصورا على الشكل الشعري أو مضمونه في حد ذاته، وإنما البحث الآن يتجه إلى التساؤل المهم عن قدرة هذا الشعر أو هذا الأدب بصفة عامة على حمل الإنسان إلى آفاق أبعد، أي أعمق مما كانت عليه قدرة الشعر في الماضي.
ويتساءل العشماوي هل استطاعت بالفعل التجارب الشعرية المعاصرة أن تحمل الإنسان إلى آفاق أعمق وتجارب أبعد من تجارب الشعر في الماضي، أم لم تستطع حركة الشعر؟
ويجيب .. الحقيقة إذن هي في مد الأعماق الإنسانية، وأن هذا المد  ليس فيه جديد أو قديم، لأن قضية المد في الأعماق الإنسانية هي قضية متصلة، هي قضية ليست لها بداية ونهاية، وإنما هي حركة مستمرة تشير إلى جدارة الإنسان وقوته وقدرته على سبر أغوار النفس والحياة وإدراك المنطوي وراء الظواهر والارتياد والاكتشاف المستمرين. من هنا كانت أي دراسة للعمل الفني هي النقطة النقدية المترتبة على هذا المفهوم النظري هي دراسة لجزئيات العمل الفني طالت أو قصرت، أطنبت أو أوجزت، لا بد أن تهدف في النهاية إلى هذه الغاية.
ويوضح العشماوي أن هذا هو منهج البحث اليوم في الشعر، وفي غيره من ألوان الكتابة الأدبية. فالتساؤل المهم عن قدرة هذا الأدب أو ذاك على حمل الإنسان إلى آفاق أبعد وأرحب على كشف الحقيقة، أي الوصول إلى شعر الكشف أو الرؤيا، أما بالنسبة للقصيدة الشعرية فقد انتهى الزمن الذي تكون فيه القصيدة مجرد صنعة لفظية كما نعلم جميعا، أو أن تكون الكلمة غاية في حد ذاتها أو أن يكون العمل الفني كيمياء لفظية. القصيدة كيمياء شعورية – إن صح التعبير – والمقصود بالشعور هنا حالة يتوحد فيها الانفعال والفكر والإيقاع. 

العشماوي
أي فن مبدع لا يمكن أن يخرج من فراغ

ثلاثة أركان أساسية ممتزجة ومتحدة في كيان عضوي واحد، بمعنى آخر صارت القصيدة اليوم تركيبًا ناميًا تعرض فيه اللغة الشعرية وضع الإنسان، موقف الإنسان، رؤية الإنسان للعالم وللوجود. من هنا تتحول لغة الشعر أولا: من لغة تعبير إلى لغة إبداع، ثانيا: لا تكون القصيدة صوتًا محضًا أو فكرًا خالصًا، إنما هي صوت وفكر وحدس، ولا بد أن يصدر الصوت والفكر من خلال الحدس، أي من خلال التجربة والرؤية والمعاناة. ثالثا: أن تصبح اللغة غابة رائعة شاسعة من الإيقاع والإيحاء والتوهج. رابعا: بدون التوجه إلى قيمة إنسانية في النهاية يصبح الشيء ناقصًا، والعمل الفني بلا حقيقة أي بلا عالم جديد.
ويؤكد الناقد الدكتور محمد زكي العشماوي أنه بهذه الأسس يمكن للشعر أو للأدب الجديد عامة أن يقودنا صوب عالم آخر مختلف عن العالم الماضي، صوب إنسانية جديدة ذات قيم أخرى جديدة.