لا شرق أوسط جديد من غير فلسطين

ما تقوله السعودية لابد أن يؤخذ بنظر الاعتبار في أية محاولة لإقامة شرق أوسط جديد. وللسعودية رأي ثابت في المسألة الفلسطينية.

على الرغم من الدعم الأميركي غير المحدود الذي تحظى به إسرائيل على حساب حياة وكرامة وحرية الفلسطينيين فإنها ليست مطمئنة إلى أن ذلك سيفلت بها من مواجهة استحقاقات الحل النهائي للمسألة الفلسطينية التي ساعدتها ظروف عديدة، كان لقوى فلسطينية دور في صناعتها على إضعافها إلى درجة بدت فيها حرب الإبادة التي شنتها حكومة نتنياهو على غزة كما لو أنها تقع في مكان آخر بعيد عن فلسطين. لن تكون إسرائيل وهي التي هيأت نفسها للعب دور محوري في ولادة شرق أوسط جديد في منجى من الضغوط الدولية المطالبة بالمباشرة في تنفيذ حل الدولتين وهو ما صار متفقا عليه بين الدول الداعمة لإسرائيل بضمنها الولايات المتحدة. وإذا ما كان نتنياهو قد سعى إلى تكريس ما أصطلح عليه بحق الدفاع عن النفس بعدما حدث يوم السابع من أكتوبر عام 2023 من أجل طي الماضي القانوني للمسألة الفلسطينية فإنه كان على خطأ في ذلك. ما جرى في غزة أعاد إلى الأذهان ضرورة تنفيذ القرارات الدولية من أجل أن تكون للفلسطينيين دولتهم. وهو الحل الوحيد الذي يحفظ لإسرائيل أمنها. فليس منطقيا أن يتم التخطيط لسلام طويل الأمد في المنطقة فيما يواجه الفلسطينيين ظلما يدفعهم إلى مقاومته بين حين  وآخر بما يتسبب في إشعال الحروب.

ولأن الشرق الأوسط الجديد سيقوم أصلا على شراكة اقتصادية بين أطرافه فإن العرب ممثلين بالمملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى سيكون لهم الرأي الأكثر تأثيرا في إدارته. ليس بسبب إنهماك تركيا وإيران في مشكلاتهما الداخلية (إيران في ملفها النووي وتركيا في ملفها الاقتصادي) حسب بل وأيضا لأن السعودية ومن خلفها دول الخليج تمثل ثقلا إقتصاديا مهما في ذلك المجال الجغرافي الذي لها منه حصة الأسد.

ولهذا فإن ما تقوله السعودية لابد أن يؤخذ بنظر الاعتبار في أية محاولة لإقامة شرق أوسط جديد. وللسعودية رأي ثابت في المسألة الفلسطينية. فبغض النظر عن التسريبات التي تحدثت عن لقاءات سعودبة إسرائيلية فإن المملكة كانت حازمة في موقفها. لا تطبيع مع إسرائيل من غير قيام الدولة الفلسطينية. بمعنى أن شرق أوسط جديد بالمفهومين السياسي والاقتصادي لن يقوم إلا بعد إقامة دولة فلسطين التي ستكون جزءا منه. ليست لدى السعودية من خلال ذلك الطرح نية في تغيير الخرائط بقدر ما هي ترغب في العودة بالمنطقة إلى وضعها السوي والمتوازن. 

ولأن إدارة الرئيس الأميركي ترامب متفهمة للموقف السعودي فإن إسرائيل لن تكون محرجة في مواجهة ذلك التفهم بقدر ما تشعر بأنها ستفقد شيئا من الحماية الأميركية إن خالفته. ولكنها ستلعب على ما يتيحه لها الواقع الفلسطيني من عوامل هروب من المشكلة. فهي لن ترضى بأن تكون حركة حماس هي الطرف الفلسطيني الذي يتم التفاوض معه. ثم أن تلك الحركة قد لا يكون لها وجود إذا ما تم إطلاق آخر المختطفين الإسرائيليين. كما أن السلطة الفلسطينية بزعامة محمود عباس لم تعد مقنعة لجزء كبير من الشعب الفلسطيني قبل غزة وبعدها. ناهيك عن أن الفلسطينيين لم ينظموا حتى هذه اللحظة حراكا سياسيا معارضا يكون بديلا لحماس والسلطة معا. تلك مسؤولية فلسطينية. كل المعطيات السياسية تؤكد أن لا أمل في قيام الدولة الفلسطينية إذا استمر الوضع الفلسطيني في جموده السياسي. تلك هي الورقة الإسرائيلية الرابحة. الفلسطينيون غير راغبين في قيام دولتهم المستقلة وهم غير مؤهلين لإدارتها. كيف يمكن اجتياز تلك العقدة؟ ذلك يشير كما لو ان حل المسألة الفلسطينية بات بأيدي الفلسطينيين وذلك ليس صحيحا تماما إلا إذا شعرت إسرائيل بأن القانون الدولي أقوى منها.    

إسرائيل مثل إيران دولة ليست عاقلة. ستبدو المقارنة بين الدولتين استخفافا بالعقل. ما يحتاجه الشرق الأوسط لكي يكون جديدا عقل لم تتمكن منه الخطابات الإنشائية القديمة. عقل لا تحكمه العقائد المتحجرة بقدر ما تسيره رؤية تنموية ونهضوية. ذلك العقل هو الذي سيكون في إمكانه أن يخوض غمار تلك التجربة الصعبة. أن يقترح حلا على الفلسطينيين لكي يكونوا قوة تفاوض موحدة من ثم يذهب بهم إلى الحل النهائي الذي هو حل الدولتين. سيكون للفلسطينيين دلتهم في إطار الشرق الأوسط الجديد. ما لم تقم تلك الدولة فإن الأوضاع في المنطقة ستستمر في حالة تدهور وهو ما سيضر بأمن إسرائيل أولا.