لبنان ومؤتمر باريس

وصل لبنان الى حدود الخطوط الحمر اقتصاديا وماليا وسياسيا واجتماعيا، وهو الآن بحاجة الى معجزة دولية لإيقاف انهياره المتسارع جدا.


لا جهة قادرة على مساعدة لبنان ان لم يساعد نفسه


إصرار دائم لدى المانحين على اجراء الاصلاحات قبل تقديم أي مساعدات


الاصلاح يستلزم اعتراف القوى السياسية بما يعانيه لبنان من ازمة نظام وحكم

ثمة من يقول، ان لبنان تمكن في السابق من تخطي ظروف اكثر صعوبة من التي يمر بها حاليا، وأعاد تكوين الدولة والسلطة رغم وجود مصاعب ومعوقات تكاد تكون مستحيلة معها إعادة البناء، ربما ذلك صحيحا وامر مألوف في الحياة السياسية اللبنانية، الا ان أوضاعه وظروفه الخاصة والموضوعية باتت اكثر صعوبة، وتتطلب شروطا ومعطيات إضافية، ليست متوفرة او سهلة التأمين، اقلها في المدى المنظور؛ وعليه ان اعادة البناء، لها مقوماتها التي على اللبنانيين التفكير فيها مليا والعمل على تأمينها قبل فوات الأوان. 

واستكمالا للمبادرة الفرنسية التي اطلقها الرئيس ايمانويل ماكرون في أغسطس/آب الماضي، عُقد في باريس مؤتمرا دوليا لدعم لبنان، ويدل حشد الحضور الذي تمثل بتسع وعشرين دولة إضافة الى الامين العام للأمم المتحدة، على النية للمساعدة المشروطة بأجراء العديد من الاصلاحات التي سبق ونادت بها العديد من الدول المانحة وفي طليعتها فرنسا والولايات المتحدة الأميركية وصندوق النقد الدولي، ورغم ذلك ظهر في انعقاد المؤتمر وجلساته ما يظهر استياء فرنسيا من الموقف السياسي اللبناني، تمثَّل أولا بالكلمة التي أعطيت بداية للمجتمع المدني متقدما على الكلمة الرسمية للبنان، إضافة الى الرسائل السياسية التي تقصدتها كلمات الحاضرين وفي طليعتها كلمة الرئيس ماكرون، الذي شدد ان المساعدات التي يمكن ان تُمنح للبنان هي للشعب وليست للسلطة، ما يؤشر بشكل واضح الى فقدان الثقة في ممارسة الحكم في لبنان، وهذا ما يُفسر عمليا الإصرار الدائم على اجراء الاصلاحات العملية قبل أي مساعدات يمكن تقديمها، ذلك استنادا الى التجارب السابقة المتصلة بمؤتمرات دعم لبنان التي نظمتها باريس خلال العقد الماضي والتي استهلك لبنان مليارات الدولارات ذهبت في غير موضعها، حيث هناك اتهامات مباشرة وواضحة بحجم غير مسبوق من الفساد المستشري في الإدارة اللبنانية.

لبنان اليوم بحاجة لإعادة بناء نظام اقتصادي سياسي اجتماعي، عنوانه عقد سياسي اجتماعي قائم على معطيات جديدة ينبغي مراعاتها، يأتي في طليعتها إعادة البناء المالي والاقتصادي الذي انهار تماما وباتت البلاد في حالة من التفكك والانحلال. ثمة اكثر من نصف الشعب اللبناني تحت مستوى خط الفقر المدقع، كما بات مهددا بالمجاعة، وبانهيار الامن الاجتماعي اذا ما تم رفع الدعم عن المواد الأساسية وهو ما سيحصل ما سيؤدي الى انفلات الأمور من عقالها عمليا في وقت باتت مؤشرات الافلاس واضحة تماما وتحتاج إعادة الهيكلة الى معجزات لن تحصل الا بشروط الاصلاح السياسي والمالي التي تطلبها المؤسسات الدولية المانحة منذ فترات طويلة سابقة.

أشار المؤتمر الى إمكانية تقديم ما يقارب الثلاث مئة مليون يورو من حيث المبدأ وجلها يمكن ان تذهب في اطار الدعم الغذائي والتعليمي وغيرها، وهي مطارح مركزية يحتاجها المجتمع اللبناني في ظل ظروف قاهرة يعيشها، والرسالة الاشد قسوة كانت في طريقة وأسلوب صرفها عبر المؤسسات والبنى غير الرسمية، ما يدل على عدم الثقة بالسياسات القائمة حاليا. سيما وان المشاريع المبدئية المقدمة تشير الى حاجة لبنان المبدئية للإقلاع بمشاريع اعادة البناء في الحد الأدنى الى عشرة مليارات دولار.

لقد وصل لبنان الى حدود الخطوط الحمر اقتصاديا وماليا وسياسيا واجتماعيا، وهو الآن بحاجة الى معجزة دولية لإيقاف انهياره المتسارع جدا، ما يحتم أولا يقظة اللبنانيين قبل غيرهم، والاعتراف بما يعانون من ازمة نظام وحكم، والعمل على إعادة تهيأة وتركيب مشاريع أسس جديدة لبناء النظام والسلطة على قواعد جديدة تتماشى ليس فقط مع المتغيرات الداخلية، وانما أيضا مع ما يحدث من حوله في العالم، ذلك يتطلب وعيا واستشرافا للمستقبل، سيما وان العالم بأجمعه مشغول وغارق في مشاكله، ربما اليوم ثمة من ينتبه للبنان، اما مستقبلا فيبدو الأمر اكثر صعوبة، عندها لن تتمكن مؤتمرات باريس السابقة ولن تكون اللاحقة قادرة على مساعدة لبنان ان لم يساعد نفسه أولا في الاصلاح قبل أي امر آخر.