"لهو الأبالسة" .. رواية ذات خطوط متعددة

سهير المصادفة استطاعت أن تغزل الفكر والفلسفة في النسيج السردي، وناقشت خطورة العشوائيات على الأمن القومي.


الرواية تبرز سلوكيات خاطئة تجاه حواء ومنها ضرب المرأة


الرواية تحذر من خطورة الجهل الذي يرتد بالإنسان من مرحلة الرقي ليعيش في عالم الحيوان

تعد رواية سهير المصادفة "لهو الأبالسة" الصادرة عن دار ميريت 2003، التي أعيد طبعها عام 2005 ضمن إصدارات مشروع مكتبة الأسرة إحدى الروايات المهمة في مصر، حيث تتمتع الكاتبة بأسلوب قوي، وقد استطاعت أن تغزل الفكر والفلسفة في النسيج السردي، وقالت ما لا يمكن قوله آن ذاك حيث ناقشت قضايا سياسية واقتصاية واجتماعية شائكة، وذلك من خلال مناقشة مشكلة العشوائيات التي ظهرت كمرض سرطاني في خاصرة العمران المصري في معظم أنحاء البلاد.

قدمت الكاتبة في فناء الرواية حي "حوض الجاموس" كنموذج رمزي لكل المناطق التي ولدت كسيحة على أطراف المدن، فقد أصبحت المسوخ المبنية من الصفيح والخيش بؤرا للحرمان والجهل والمرض والضياع، وظهرت كتل بشرية لا تتمتع بأبسط مقومات الحياة.

توظيف المشاهد الجنسية:

نجحت الكاتبة في توظيف هذه المشاهد بما يخدم العمل الروائي عندما قدمت لنا النماذج المشوهة في شخصية بطة، وشخصية إنشراح السبتاتي، وماريام المغتصبة، وربما يكون ذلك من ضمن الأسباب التي ركز عليها النائب البرلماني حمدى زهران عام 2010 تقريبًا عند التعامل مع النص الأدبي، وذلك عندما تقدم بطلب إحاطة فى مجلس الشعب اتهم فيه الرواية بالترويج للإباحية ونشر الرذيلة، في حين أن الرواية كانت من الأعمال النادرة التي تصرخ في وجه الظلم، وتحذر من الانهيار، وتنقد السلطة أشد ما يكون الانتقاد، وتحذر من  قيام ثورة ما، ولعلها تنبؤ سبق 25 يناير بتسع سنوات، ولو هناك من يقوم بتحليل الأدب بهدف قراءة المستقبل لأمكن منع الكثير من الأخطار القابلة للانفجار بالحلول الناجعة، بيد أن الواقع يشير إلى أن الرسالة الحقيقية للرواية لم تصل إلى معظم الذين تعاملوا مع النص.

قهر المرأة:

وتبرز الرواية سلوكيات خاطئة تجاه حواء ومنها ضرب المرأة، وتجلى ذلك في قيام علي القزعة بضرب سيدة زوجته وإهانتها، واغتصاب ماريام من قبل شباب الحي، وقيام النسوة بالبغاء مقابل الطعام.

يُعد قهر المرأة سلوكًا مقترنا بالتخلف، علاوة على كونه مرضًا نفسيًا لدى بعض الرجال، وقد برز ذلك في مشكلة نجوي أخت بطلة الرواية التي طُلقت بسبب عدم نزول قطرتين من الدماء أثناء قيام الزوج بفض غشاء البكارة، فرغم أنه لم يمسسها بشر؛ فسر زوجها عدم نزول الدم في ليلة العروس بكثافة على أنه المسكينة كانت على علاقة  بشخص آخر، في حين أن هذه الحالة ربما تكون من الحالات المرضية، أو لأي سبب آخر.

 تتعرض الرواية لتعدد علاقات الرجل بالنساء على حساب زوجته، وتقول الكاتبة في موضع آخر(ص 41): "أين ذهب النور؟ من أين يحصلون على بذوره؟ وفي أي أرض يزرعونه؟ وما لون الأمطار اللازمة له؟ وهل إذا ما جمعوه يجمعونه ليصحنوه ويعلبوه ويرشوه على مساءات بعيدة كل البعد عنا! أين نصيبنا من النور يارب؟ لقد تعب الناس على عتبات غيبته وجفت مآقيهم من الانتظار وبالت في عششهم كوابيس موحدة اللون تنتهي جميعها بصرخة مدوية".

العشوائيات تهدد الأمن القومي:

تمكنت الكاتبة من طرح مشكلة الجهل في صورة بالغة الدلالة؛ فعندما طلبت من أحد الجيران أن يشتري لها قلما، برزت الفاجعة الكبرى على لسان أحمد منصور جارها الطالب بكلية الحقوق عندما قال لها من شرفته الملاصقة لبيتها: "فلا أحد في هذا الحي يحرص على اقتناء الأقلام" (ص 21) هذه الجملة تفسر الواقع الفعلي حيث تشير بعض الأحصائيات إلى نسبة الأمية في مصر تصل إلى 32% وبعض الأرقام غير الرسمية تقول إنها تصل إلى 40%، ولايمكن في عصر العولمة قبول ذلك، لأنه الأمية تحرم الوطن من استغلال كل كوادره في البناء والتنمية.

  تصعد الكاتبة بالقارئ عبر فلسفة السرد المحكم لتحذر الجميع من خطورة الجهل بوصفه من أخطر العوامل التي ترجع بالإنسان إلى حضن التخلف، ومرتبة الحيوان، وقد طرحت هذه الفكرة بصورة غير مباشرة عبر سلوك بطة المطلقة، والتي ترفض الزواج من الرجال لأنها عندما تزوجت من ثلاثة رجال على التوالي؛ كانوا يضربونها ضربًا مبرحًا، ويطمعون في ممتلكاتها الهزيلة، ولذا كانت ترفض الزواج من آخرين، وحتى تشبع الغريزة الجنسية كانت تقتني حمارًا لهذا الغرض، وتعتبر أن تكاليف إعالته أقل من تكلفة اقتناء الزوج الخامل، وبسبب هذا الجهل تفقد حياتها بنهاية مأسوية، فتموت تحت هذا الحمار.

يعكس هذا المشهد الأليم خطورة الجهل الذي يرتد بالإنسان من مرحلة الرقي ليعيش في عالم الحيوان. 

يعاني "حي الجاموس"، من أمراض: السرقة، البلطجة، وانهيار الخدمات الطبية، والتطرف، وكأن الكاتبة تصرخ محذرة من أن إهمال العشوائيات بوصفها كارثة تهدد الأمن القومي المصري.

 طعن الفقراء بالإهمال:

وترجع الرواية فشل مخططات القضاء على العشوائيات إلى تضارب الأقوال، وعدم وضوح الخطط، وقد أشارت إلى ذلك بطريقة شديدة الرمزية، والوضوح، وتجلت براعة التصوير، عندما كانت مها تخاطب أختها نجوى وهي تغطي المرآة ببعض الجرائد القديمة، حيث تقول مها السويفي (ص 44): "أن تقرأ نصف خبر مثلا وتكمله بطريقتك، أو أن يختلط تصريح مسئول كبير في أول الشهر مع نقيضه في آخر الشهر نفسه". علاوة على طرح قضية الكيل بمكيالين عند التعامل مع البشر.

  يظل المهمشون مقصدا لتجار الانتخابات تارة يتم استقطابهم بالمال وتارة بشعارات دينية، وحول تدني الخدمات الصحية جاء في (ص 64): "وبعد أن هرب الأطباء من المستشفى العام تاركين لمواء القطط التي استطاعت النفاذ من شقوق جدارنه" وتلك طعنة أخرى للفقراء، وأيضا تشير الرواية (ص 134) كيف يقوم أحد المسئولين باستغلال الفقير المعدم "على قزعة" في إصلاح سيارته بالسخرة، وعندما يصاب هذا الفقير بحالة مرضية يعاقب على ذلك ويتم التنكيل به خارج حدود القانون فيموت في قسم الشرطة. 

سلب حقوق المعدمين:

تحاول المؤلفة توصيف الواقع الأليم داخل "حي الجاموس"، وترفض الظلم الواقع على بني البشر، وذلك عندما صرخت نجوى وهي تنادي على أختها في الرواية (ص 51): "يا مها إن الدجاجات فوق السطح استدارت فجاة تشاهد ما أنزلت من مؤخرتها، ثم أكلت بيضها بنهم كبير، وتركت لنا قشره".

وتمضي الكاتبة مستطردة في نهاية الفقرة (ص 52) : "يا مها نتف البط الكبير كله ريش بطة صغيرة، ونقر لحمها ولعق دمها، وما زالت حية؟ سأرميها إلى الشارع فقد يأكلها الغجر ولاد الغجر" وهذه الصورة الرمزية تجسد ما يقوم تجار الشعوب تجاه المقهورين بالحرمان.

وفي صور أخرى ضاع حق الفتى عويضة في أن يكون سباحًا بسبب عدم انتمائه إلى نادٍ كبير، لدرجة أن أمه الملقبة باسم "كفاية" فقدت عقلها بسبب غرق ابنها في النيل وهو يستعرض موهبته في العوم والغوص، ولو نظرنا إلى رمزية الاسم نجد أنه صرخة لكل المسئولين تقول لهم: كفاية إهمال وعشوائيات، وأيضًا نجد في (ص265/ 268) عاصم التاجي ذلك الصحفي المتلون الذي يخدع الفقراء بشعارات زائفة، فيتكلم عن الخير وهو الشر، ويتمتم بالشرف وهو الرذيلة، لقد أسفر إهمال البشر إلى انتشار الخرافة تارة في صورة "منصور الميت" وتارة أخرى في صورة حكايات واهية.

الخصخصة العشوائية:

تشير الكاتبة (ص 130) مستغربة من إفلاس وإغلاق مصانع النسيج التي تغلق أبوابها، وخاصة أن الناس لا يتوقفون عن ارتداء الملابس، وكأنها ترفض هدم القلاع الصناعية، فانتقال الأصول المنتجة إلى القطاع الخاص وإن كان ضرورة اقتصادية بسبب فساد الإدارة، هذا لا يعني بيعها بأبخس الأثمان، وعلى نفس المنوال تعري الكاتب رأس المال المستغل (ص 199- 200) الذي لا يعترف بحقوق الأيدي العاملة، ولا يراعي متطلبات السلامة والصحة المهنية، وبرز ذلك في سقوط العامل سيد في أزان لصناعة الحلوى وهو يغلي فذابت عظامه، وقام رب العمل بتركه في الأزان وتم تصنيعه مع الحلوى وبيعه للمستهلكين بعد إضافة مكسبات الطعم، وكأن الكاتبة تريد أن تقول في هذا المهشد المؤلم إن بعض أرباب الأعمال لا يكتفون بظلم الشباب بل يسحقون عظامهم ويعجنون لحمهم كي تكبر كروشهم ولو عبر الإتجار بلحوم البشر.  

التنبؤ  بـ 25 يناير:

في إطار المقارنة بين موسكو، والعشوائيات حول القاهرة الكبرى، لم تكن تلك المقارنة إلا رمزًا للتحذير من تدهور الأوضاع جرّاء تفاقم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، وانتشار البطالة، فسقوط الاتحاد السوفيتي بسبب الفساد ينذر بتكرار ذلك في دول العالم الثالث، وفي (ص 125) أرجعت الكاتبة ثورة بعض المهاجرين ضد سفارة دولتهم دولة قرفبيا بسبب أنها طاردة للمواطنين لعدم قدرتها على توفير سبل الحياة الكريمة لهم، كما أن المهاجرين من دولة قرفبيا ثاروا على سفير بلادهم في موسكو لأنه لا يهتم برعايا بلاده، وكان جل اهتمامه تجارة العملة، والتربح بأي وسيلة على حساب عمله الدبلوماسي، وتلك القضية تعاني منها القوى العاملة التي تهاجر من دول العالم الثالث إلى الغرب، أو الدول الثرية، وهذا الربط بين فكرة الثورة وإهمال مصالح المواطن بالداخل والخارج يؤكد أن الرواية كانت رسالة ضمن الرسائل التي لم يقرأها أحد.