ليبيا أولاً أم أميركا أولاً

في الوقت الذي تواصل فيه الإدارة الأميركية إظهار تحركات دبلوماسية محدودة، تبرز مؤشرات على أن سياساتها تتسم أحياناً بالتذبذب، بين دعم جهود السلام والتدخل المباشر.

في ظل التطورات الراهنة، تتعالى الأصوات التي تؤكد أن السياسات الأميركية تجاه ليبيا تتجه بشكل متزايد نحو التوظيف الاستراتيجي للمصالح الاقتصادية والأمنية، في إطار نهج "أميركا أولاً" الذي تبنته إدارة ترامب. ويقوم هذا النهج على إعطاء الأولوية للعلاقات التي تخدم المصالح المباشرة للولايات المتحدة، ما يثير تساؤلات عميقة حول مدى توازن واشنطن بين مصالحها الوطنية والتحديات الإنسانية والسياسية التي تواجه ليبيا، خاصة في مرحلة مفصلية تتسم بالاضطراب والصراعات المستمرة.

لقد شهدت ليبيا خلال السنوات الأخيرة تطورات مهمة، أبرزها مقترح السلام الذي توسطت فيه واشنطن عبر المبعوث الأميركي مسعد بولس، وهو مقترح لا يزال محفوفاً بعدم اليقين بشأن قدرته على إحداث استقرار دائم. ومع ذلك، فإن التوجهات الأميركية ما زالت تتسم بالارتباك، إذ تتقاذفها مصالح متعددة، وتتداخل فيها الأجندات الداخلية والخارجية، الأمر الذي يعمّق حالة الفوضى ويضعف فرص التوصل إلى حل شامل للأزمة الليبية.

وفي الوقت الذي تواصل فيه الإدارة الأميركية إظهار تحركات دبلوماسية محدودة، تبرز مؤشرات على أن سياساتها تتسم أحياناً بالتذبذب، بين دعم جهود السلام والتدخل المباشر، وبين العودة إلى الانكفاء والاختفاء، وفق نمط فرضته التجربة التاريخية. إذ غالباً ما تتراجع الولايات المتحدة عن الظهور المباشر، تاركة الساحة للأطراف الإقليمية والدولية، ما يخلّف فراغاً يزداد ضرراً، ويعقّد المشهد السياسي الليبي، ويهدد جهود إعادة البناء والاستقرار المحلية.

وفي سياق آخر، تطرح تساؤلات حول النوايا الحقيقية الكامنة وراء الاستراتيجيات الأميركية الحالية، إذ يظل النفط والمعادن من بين الموارد التي تسعى واشنطن إلى تأمين مصالحها فيها عبر صفقات مبطنة في عهد ترامب، بينما تتزايد الشكوك بشأن مدى رغبة الإدارة الأميركية في إقامة شراكة استراتيجية حقيقية لا تقوم على أدوات النفوذ والتدخل المباشر، بل على علاقات متوازنة تخدم مصالح الطرفين.

أما في ما يخص ملف الهجرة، فإن السياسات الأميركية تجاه ليبيا تكرّس حالة من التردد والتناقض، حيث فرضت واشنطن قيوداً صارمة على التأشيرات والسفر بذريعة حماية الأمن القومي. غير أن هذه الإجراءات انعكست سلباً على العلاقات الشعبية الثنائية، وقلّصت فرص الشباب الليبي في الوصول إلى سوق العمل الأميركي، ما أسهم في تراجع مكانة الولايات المتحدة كوجهة رئيسية للهجرة والتأثير الثقافي، خاصة في ظل تصاعد تنافسية الصين ودول أخرى في استقطاب الكفاءات والموارد البشرية الليبية.

وفي ضوء هذه المعطيات، وفي وقت يسعى فيه الليبيون إلى استعادة مكانتهم بين الدول رغم أزماتهم الداخلية، تبدو واشنطن مطالَبة بتوضيح ما الذي يميزها فعلياً كشريك استراتيجي، وما الذي يجعلها خياراً أكثر جدوى مقارنة بغيرها، لا سيما في ظل تحديات معقدة تتطلب رؤية واضحة واستراتيجية متماسكة تقوم على مصالح حقيقية، لا على رهانات ظرفية على النفوذ أو الموارد.

وفي المحصلة، يبقى مستقبل ليبيا مرهوناً بقدرة القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، على تقديم نموذج يعكس التزاماً حقيقياً بتحقيق السلام والاستقرار، بدلاً من انتهاج استراتيجيات مرحلية قائمة على المصالح الآنية وصفقات تتم في الخفاء مع حكومة تفتقر إلى الشرعية وتحيط بها شبهات في العاصمة الليبية، وهي سياسات غالباً ما تترك البلاد غارقة في دوامة الصراعات، وتضع مستقبل أجيالها على المحك.