قراءة في اللعب بالنار
لم يعد من المستغرب أن يصبح فهم ما يدور في العديد من مناطق العالم، خاصة في اليمن والسودان وسوريا ولبنان وفلسطين والصومال وأوكرانيا وفنزويلا، مهمة شاقة ومعقّدة، بل تكاد تكون مستحيلة في بعض الأحيان. فالواقع على الأرض يتّسم بسرعة التغيّر وغموض الأحداث، مما يجعل استيعاب الصورة الكاملة أمرًا صعبًا، خاصة مع تداخل عوامل متعددة وتضارب المصالح بين القوى الكبرى.
وفي قلب هذا المشهد، يظل فهم ما يدور في جعبة الرؤساء والزعماء، مثل دونالد ترامب، والاتحاد الأوروبي، وروسيا، يمثل تحديًا كبيرًا. فكل طرف يلعب لعبة معقّدة تتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية والجيوسياسية، وغالبًا ما تكون الأهداف غير واضحة للمتابع العادي. ومع ذلك، يظل الغموض هو السمة الأبرز، حيث تتطوّر الأحداث بشكل فجائي، وتفاجئ الجميع بتغيرات غير متوقعة تغيّر مجرى الأمور بين ليلة وضحاها.
وفي ظل هذا المناخ المضطرب، نجد أنفسنا في حالة من الحيرة والارتباك، نتابع الأخبار المستجدّة ونحاول فهم ما يحدث، لكن كل محاولة تبدو كأنها جزء من لوحة معقّدة لا تكتمل ملامحها إلا بعد فوات الأوان. تتراكم التحليلات والتوقعات، وتتصاعد معها احتمالات كل شيء، من السلام إلى الحرب، ومن الاستقرار إلى الفوضى، مما يعكس أن المشهد الدولي اليوم هو عبارة عن لعبة خطرة، كل شيء فيها ممكن، وكل الخيارات مفتوحة على مصراعيها، وكأن العالم يلعب بالنار، غير مدرك لعواقب ما قد تؤول إليه هذه اللعبة.
إن فهم هذا الوضع يتطلب نظرة أكثر عمقًا، واستعدادًا لمواجهة المفاجآت، وتفهمًا أن اللعبة الدولية ليست مجرد صراع على السلطة أو الموارد، بل هي ساحة معركة على مستقبل الإنسانية، حيث كل خطوة قد تكون انفجارًا كبيرًا، وكل قرار قد يغيّر مسار التاريخ.
الانفجار السكاني وتحديات المستقبل
في زمن تتسارع فيه وتيرة التغيرات العالمية، لم يعد الحديث عن النمو السكاني مجرد أرقام وإحصائيات، بل أصبح قضية مصيرية تهدد مستقبل البشرية بأكملها. فقد تجاوز تعداد سكان العالم، وفقًا للإحصاءات الحديثة، حاجز الـ8.2 مليار نسمة، وهو رقم مرعب يعكس ضخامة الزيادة السكانية التي لم يشهد التاريخ لها مثيلًا. وعلى الرغم من هذا النمو الهائل، تؤكد الدراسات العلمية أن قدرات العالم على تلبية الاحتياجات الأساسية من الغذاء والطاقة لا تزال محدودة، وأن تلك القدرات قد وصلت إلى حد الانهيار مع اقتراب أعداد السكان من الضعف خلال العقود القادمة.
وفي ظل هذه الأزمة، تتعامل القوى الكبرى مع الملف السكاني بمنظور حسابي بحت، يتجاهل المشاعر الإنسانية والأبعاد الأخلاقية، حيث ينظرون إلى الموارد من خلال عدسة الآلة الحاسبة، وليس من خلال منظار الرحمة أو التفاهم الإنساني. هذا التصور ينعكس في اتخاذ إجراءات تأمينية تهدف إلى السيطرة على الموارد وتقليل النمو السكاني بوسائل قد تكون قسرية أو عنفية، خاصة في المناطق الغنية بالثروات، والتي تُعد بؤرًا للأزمات والنزاعات، مثل أفريقيا والشرق الأوسط.
هذه المناطق، التي تعتبر من بين الأكثر اكتظاظًا بالسكان، يُنظر إليها من قبل القوى الكبرى على أنها غير مساهمة بشكل كافٍ في الحضارة الإنسانية. يعكس هذا النهج رؤية سلبية تجاه حضارات لم تقدم الكثير للبشرية بحسب ادعائهم، ويُنظر إليها على أنها عبء على الموارد العالمية، في حين أن التاريخ يُظهر أن تلك الحضارات كانت دائمًا جزءًا من منظومة التوازن الطبيعي والتنوع الثقافي.
إن هذا التصعيد في النظرة الاستعلائية والسيطرة على الموارد يعكس أزمة أخلاقية وحقوقية عميقة، ويبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة النظر في مفهوم التنمية والعدالة الاجتماعية، والاعتراف بأن الحلول المستدامة تتطلب التعاون والتفاهم، وليس السيطرة والتدمير. فالمستقبل لا يُبنى على أساس استنزاف الموارد أو تقليل البشر، بل على احترام كرامة الإنسان وإيجاد حلول عادلة ومتوازنة تضمن استمرارية الحياة على كوكبنا.
جذور الأزمة من منطلق الفوضى الخلّاقة
يبدو أن مشروع الفوضى الخلّاقة، الذي بدأت تتضح معالمه منذ حقبة الربيع العربي، قد أظهر نواياه بشكل جلي. هذا المشروع، الذي قُدّم على أنه وسيلة لتحقيق التغيير، عملت إدارة أوباما على تنفيذه، وعزّزت من ذلك إدارة بايدن، واستمر حتى في عهد ترامب، ولكن بنكهة مختلفة. نحن نتحدث عن استراتيجية تهدف إلى دعم الأقليات العرقية والمذاهب الدينية في المنطقة العربية، بهدف إذكاء النزاعات والصراعات بينها، تحت شعارات حقوق الأقليات، مع دعم دولي كبير. والهدف من ذلك هو تفتيت المجتمعات العربية، وإعادة تعريف المنطقة تحت مظلة نهاية السيادة الوطنية والدولة القطرية.
لا شك أن هذا المشروع نجح بشكل كبير في تدمير دول مثل سوريا ولبنان واليمن والسودان، وما زال الطريق مفتوحًا في ليبيا إذا لم تتحد القوى الوطنية لمقاومته. من الضروري أن تتوحد الرؤى وتتبادل الأفكار بشكل جدي، لإفشال هذه اللعبة الماكرة وسحب البساط من تحت أقدام من يخططون لها. كذلك، فإن العالم العربي مطالب باتباع النهج نفسه في مقاومة هذا المخطط، إذ إن أدواته وأهدافه متشابهة، والتركيز ينصب على من يقود المرحلة: جهل ديني متطرف بألوانه المختلفة، يتغلغل في عقول قبلية ومذاهب جديدة لا حصر لها، مع استحضار الماضي كمصدر وقود لهذا المخطط المدمّر.
هذا السيناريو يهدف إلى فتح المجال أمام مشروع اليمين المتطرف، الذي يقبع اليوم في البيت الأبيض، والذي يسعى إلى تغيير أوروبا وجعلها منطقة يمينية متطرفة أيضًا، في مواجهة الشرق الأوسط وروسيا والصين. هذه التطورات تنذر بمواجهة عالمية حقيقية، قد تضيع في دهاليزها الكثير من القوى وشعوب ضعيفة، خاصة من لا تملك خططًا واستراتيجيات محسوبة لمواجهة القادم المجهول والمرعب.