ماذا بعد فوز حزب العمال البريطاني

لن يستعجل رئيس الوزراء البريطاني الجديد كير ستارمر اجراء تغييرات كبيرة في علاقات بلاده مع العالم.

شهد ويشهد هذا العام 2024 اكبر عدد من الانتخابات في العالم واهمها تأثيرا على الصعيد الدولي هي الانتخابات الرئاسية الروسية ودول الاتحاد الأوروبي لإنتخاب أعضاء البرلمان الأوربي، والانتخابات العامة في بريطانيا، والانتخابات الرئاسية الأميركية والانتخابات الرئاسية الايرانية…الخ من الانتخابات المختلفة والتي تشمل اكثر من 50 دولة.

واليوم تشهد بريطانيا بعد 14 عاما من حكم المحافظين وصول حزب العمال إلى السلطة محققا انتصاراً ساحقا حيث حصل على ما يقارب من ثلثي المقاعد في مجلس العموم رغم ان حوالي ثلث الناخبين فقط ادلوا بأصواتهم لحزب العمال ولكن النظام الانتخابي البريطاني (هو نظام تصويت تعددي حيث يدلي الناخبون بأصواتهم لمرشح واحد ويفوز المرشح الحاصل على أكبر عدد من الأصوات في الانتخابات) مما خدم مرشح حزب العمال للفوز.

ومن الجدير بالذكر ان سبب خسارة المحافظين هو ان مؤيديهم قد سئموا من حكمهم وادارتهم في السنوات الاخيرة فقرروا عدم التصويت وفضلوا عدم بقاء المحافظين في السلطة ولم يبالوا في البديل، بمعنى آخر البريطاني كان ضد الحكومة السابقة بسبب أداء حزب المحافظين.

وهنا سؤال يفرض نفسه عن مدى تأثير وصول حزب العمال البريطاني إلى السلطة على سياسة بريطانيا الداخلية والخارجية؟!

ارى ان تأثيره سيأخذ عدة أشهر إن لم يكن اكثر على سياستها الداخلية ومعيشة المواطنين، ولكن بصورة اقل مدة على سياستها الخارجية خاصة على اميركا والتي تمر بأصعب مراحل الصراع على السلطة بين الديمقراطيين والجمهوريين إذ يعتبر وصول حزب العمال هو تحول كبير في السياسة البريطانية إلا ان رئيس الوزراء البريطاني الجديد كير ستارمر في فترة ما قبل الانتخابات ابتعد عن التهجم او انتقاد موضوع العلاقات مع اميركا حتى أعضائه المعروفين بتهجمهم على دونالد ترامب اذ قاموا بجهود قيمة لتقريب وجهات النظر وبناء علاقات مع بعض القيادات الأميركية لتغيير نظرتهم السابقة للرئيس السابق دونالد ترامب تحسباً لفوزه في الانتخابات القادمة خاصة بعد اداء بايدن الفاشل في المناظرة الرئاسية الأولى.

في الواقع ان حزب العمال البريطاني يفضل بقاء الديمقراطيين بدلا من الجمهوريين باعتبار سياسة ترامب تختلف عنهم كثيرا على سبيل المثال موضوع اوكرانيا وفرض رسوم جمركية عالية على واردات اميركا …الخ من سياسات قد تؤزم العلاقة بينهما، الا ان القضايا الأمنية التي تخص الشرق الأوسط وكذلك موضوع البحر الأحمر تجمع بينهم.

وروسيا لا تجد اي تجديد في وجهة نظر بريطانيا حتى بعد وصول حزب العمال كون الأخيرة سابقاً قد اشارت الى انها ستكون مستمرة في دعم أوكرانيا لمواجهة روسيا.

اما بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي فالتحول السياسي البريطاني يناقض التغييرات في الدول الأوروبية التي نتجت عن صعود اليمين المتطرف ومع ان حزب العمال مصر على قراره في الخروج من الاتحاد الأوروبي إلا انه يجاهد لتعزيز العلاقات معه.

وماذا عن سياسة العمال مع ايران وسياستها في المنطقة بعد ان أبدت القوات البريطانية استعدادها للعمل ضد الحوثيين في اليمن الذين يستهدفون سفن الشحن التي تمر عبر البحر الأحمر وفرض العقوبات التي تشمل وحدات أساسية في القوات التابعة للحرس الثوري، واعتبرت ان النظام الإيراني يشكل تهديدا كبيرا ليس فقط على شعبه ولكن على الشرق الأوسط والعالم، وفي القمة العالمية لإيران حرة أكدت السيدة ليز تروس رئيسة الوزراء البريطانية السابقة على أن إيران تدعم الانشطة الارهابية واثارة الحرب في المنطقة، ورغم الانتخابات الجارية في إيران إلا ان بريطانيا تعتبر أن نظام الحكم في ايران يسيطر عليه الخامنئي وياخذ بعض الاستشارات من قادة الحرس الثوري فقط وليس للآخرين اي دور في صنع القرار.

واخيرا ستنكشف مدى تغير سياسة حكومة بريطانيا الجديدة بعد استلام حزب العمال لإدارتها ان كانت حقا تختلف عن سياسة سابقاتها من الحكومات مع اميركا والاتحاد الأوروبي وايران وغيرها من الدول المؤثرة.

ففي الحقيقة كل الأحداث السابقة تشير إلى ان سياسة بريطانيا الخارجية متأرجحة وغير واضحة إلا انها الاوفر حظا في العلاقات مع الدول اذ تخرج من النزاعات دون معارضة، ولكن تغض النظر عن ما تخلف بعدها من عدم استقرار عن تعمد او عن عدم قدرة في ايجاد الحلول وهذا ما حصل ويحصل من سياسة بريطانيا في العراق وفي اكثر من دولة في المنطقة وبذلك قد خسروا معارضين لانظمة دكتاتورية كانوا يظنونهم اصدقاء.

فهل ستدرك الحكومة البريطانية الجديدة ذلك وتقوم بتصحيح مسار سياستها الخارجية واستراتيجيتها؟