ماريون في 'ظاهرة الحب': حين يتجاوز العشق حدود الشعور

ستة تأملات أساسية تتفرع عنها موضوعات دقيقة تُعالج الحب ليس كعاطفة نفسية بل كـ'ظاهرة' وكيف يظهر الحب للوعي ويؤسس الذات.

يأتي كتاب "ظاهرة الحب.. ستة تأملات" للفيلسوف الفرنسي عضو الأكاديمية الفرنسية جان لوك ماريون ليعيد ترتيب المساحات التي يشغلها الحب في الوجود الإنساني. فالحب، في نظره، ليس عاطفة عابرة ولا حكاية رومانسية، وليس وصفة نفسية أو طقسًا اجتماعيًا، بل هو ظاهرة: حدث يظهر للذات ليحرّرها ويكشفها ويعيد تشكيل حدود معرفتها بنفسها وبالعالم. وإذا كان الكثيرون يتناولون الحب من منطق الشعور أو التجربة الوجدانية، فإن ماريون يدعونا إلى النظر إليه كما يظهر، لا كما يُعاش فحسب، لأن الظاهريات – المنهج الفلسفي الذي ينتمي إليه – لا تفسّر الظاهرة ولا تُخضعها لقوالب، بل تكشف طريقة ظهورها. ومن هنا، يعيد الكتاب الحب إلى مكانه الأصيل: ليس في القلب وحده، بل في الوجود كلّه، في لحظة انكشاف الإنسان على نفسه حين يختبر تجربة الحب.

وقد صدرت الترجمة العربية لهذا العمل عن المنظمة العربية للترجمة في بيروت، بترجمة وتقديم يوسف تيبس، الذي ركّز في مقدمته على تحدي تناول الحب من منظور فلسفي عقلي، ويستهل مقدمته بعدة نقاط رئيسية: الحب كأسطورة تأسيسية حيث يرى أن الحب هو "أقدم أسطورة اخترعها الإنسان كي لا يشعر بالوحدة "الأنا وحدي" والملل "التفاهة أو ما الجدوى" والرغبة في الانتحار "العدم". رفض الانغلاق على الذات: يخلص إلى أن الاقتصار على "الكوجيطو" (أنا أفكر) هو انغلاق للذات ورفض للحب.

يتألف الكتاب من ستة تأملات أساسية (أو فصول كبيرة) تتفرع عنها موضوعات دقيقة، تُعالج الحب ليس كعاطفة نفسية أو ظاهرة اجتماعية، بل كـ "ظاهرة" بالمعنى الفينومينولوجي الذي يركز على كيف يظهر الحب للوعي، وكيف يؤسس الذات.

التأمل الأول "صمت الحب والاختزال الجذري": ويركز أولا على التحدي الذي يواجه فلسفة الحب، وهو تصفية الحب من جميع المفاهيم المسبقة والتقييمات الذاتية، وهي العملية التي يسميها ماريون الاختزال الغرامي. وثانيا الشك في اليقين وما الجدوى؟: تبدأ التأملات بالتشكيك في اليقينيات التي نؤسس عليها ذواتنا وحياتنا.
هذا الشك يقود إلى سؤال "ما الجدوى؟"، الذي يعبر عن شعور الإنسان بالوحدة والملل والعدم، وهو ما يعتبره المترجم دافعاً أساسياً لاختراع أسطورة الحب. ثالثا الاختزال الغرامي: وهو عملية فينومينولوجية لتجريد الحب من جميع محدداته العقلانية والأخلاقية والنفسية، للوصول إلى "ظاهرة الحب" في نقائها، حيث يصبح الحب هو المبدأ الذي يسبق الذات ويؤسس وجودها. رابعا العالم طبقاً للغرور: يناقش ماريون كيف أن "الأنا المغرورة" تحاول أن تختزل العالم إلى مساحة وجودها الذاتي (المكان والزمان والإنية)، وكيف أن هذا الانغلاق يمنعها من إدراك ظاهرة الحب الحقيقية.

ماريون لا يقدم تفسيرًا للحب بقدر ما يقدّم انكشافًا لطريقة ظهوره
ماريون لا يقدم تفسيرًا للحب بقدر ما يقدّم انكشافًا لطريقة ظهوره

التأمل الثاني "كل من لنفسه، يكره نفسه": وفيه يرفض ماريون فكرة أن الحب يمكن أن يبدأ بحب الذات (حب الأنا لنفسها)، مؤكداً على أن حب الذات يؤدي بالضرورة إلى كراهيتها أو وهمها. ويتوقف عند فكرتين الأولى: استحالة حب الذات وكراهية الذات: ويطرح التأمل فكرة أن الأنا التي تحاول أن تحب نفسها بناءً على مبدأ الأنا الديكارتي (الكوجيطو)، لا تصل إلا إلى "كراهية الذات" أو "وهم البقاء في الوجود الخاص". الحب الحقيقي يتطلب انفتاحاً على الآخر، بينما حب الذات هو انغلاق وتناقض. الثاني اللجوء إلى الانتقام ومعاوضة التأمين: يصور ماريون مساعي الأنا لتأمين وجودها وعواطفها بعيداً عن الآخر، لكن هذه المساعي، سواء أكانت في صورة انتقام أو محاولة "معاوضة التأمين" على الذات، تفشل في تحقيق الغرام الحقيقي.

التأمل الثالث "العاشق السباق": وفيه ينتقل ماريون هنا إلى صلب أطروحته الفينومينولوجية: الحب كـ"سبق" أو مبادرة تأتي من الخارج وتؤسس الذات. ويتوقف مع ثلاثة أفكار الأولى: اختزال المبادلة والتأمين الخالص: الحب الحقيقي ليس عملية مبادلة (أعطيك لأجل أن تعطيني)، بل هو تأمين خالص لا يستند إلى سبب كافٍ أو توقع مقابل.
والثانية الحرية باعتبارها حدساً: لا تنبع الذات من إرادتها الحرة (الإرادة الكانطية مثلاً)، بل تنبثق حريتها عبر "حدس غرامي"، أي من خلال استقبال الحب الذي يأتي من الآخر ويجعلها ذاتاً حرة وموجودة. والثالثة اللحم الذي يستثير ذاته: يطرح هذا القسم المفهوم الفينومينولوجي للجنسانية والجسد. فالجسد (اللحم) ليس مجرد مادة بيولوجية، بل هو الحقل الذي فيه "تستثار الذات" وتعلن عن وجودها الغرامي. الجسد هو "الإعلام" إلى حد الوجه، حيث يكشف الوجود عبر الاستمتاع والتعليق.

التأمل الرابع: الكذب والصدق، ويناقش هذا التأمل العلاقة المعقدة بين الإخلاص والزيف في العلاقات الغرامية، وكيف يمكن للوجه أن يكون مصدراً للدلالة الغامضة. وينطلق من فكرتين الأولى الشخص المطبعن والفارق وخيبة الأمل: يتناول ماريون كيف يمكن للأنا، عندما تكون "مطبعنة" موضوعة كشيء موضوعي، أن تعيش خيبة الأمل والفارق بين ما تتوقعه وما تجده في الآخر.
 الثانية تقاسيم الوجوه الغامضة وشرف الغيرة: يرى ماريون أن الوجوه تحمل "تقاسيم غامضة"، ولا يمكن اختزالها إلى دلالة واحدة. الغيرة، على الرغم من سلبيتها الظاهرة، قد تكون دليلاً على "شرف" محاولة امتلاك الحقيقة الغرامية.

التأمل الخامس: الثالث الذي يأتي، ويركز هذا التأمل على دور الطرف الثالث في العلاقة الثنائية، وكيف يمنحها بعداً زمانياً ووجودياً. ـ الوفاء كزمانية غرامية: لا يرى الوفاء كواجب أخلاقي، بل كـ "زمانية غرامية"، أي كطريقة لوجود الحب في الزمن، تتطلب قراراً نهائياً واستباقياً. ـ ظهور الشخص الثالث: هذا الثالث يمكن أن يكون شاهداً، أو الطفل، أو حتى العدم. وجود هذا الطرف الثالث (سواء كان فعلياً أو رمزياً) هو ما يثبّت العلاقة وينقلها من الانغلاق الثنائي إلى الانفتاح على الوجود ـ الطفل والوداع: يعتبر الطفل هو "الشخص الثالث عند المغادرة" (أي وريث الحب)، بينما يمثل "الوداع أو الشخص الثالث الأخروي"، إدراك الذات لتناهيها.

التأمل السادس: الهو نفسه والاتجاه الوحيد: يركز فيه على فكرة أن الحب هو عطاء لا ينتظر العودة، وهو اتجاه وحيد. هذا الاتجاه هو ما يفتح الأنا على الآخر ويزيل وهم الأنا المغرورة، ليعيد تأسيسها كذات موجودة عبر تلقي الحب.

في ضوء هذه الرؤية العامة تأتي الأطروحة المركزية متمثلة في "الحب ليس شعورًا"، فالشعور مسألة داخلية، حالة نفسية خاضعة للذات ولتحليلات علم النفس، لكن الظاهرة شيء مختلف تمامًا؛ إنها حدث يقتحم الذات من الخارج، يفاجئها، ويقلب بنيتها الداخلية رأسًا على عقب. الظاهرة، كما يعرّفها ماريون في مشروعه الظاهراتي، هي ما يظهر للوعي دون أن يكون الوعي قادرًا على احتوائه أو السيطرة عليه. إنها ما يتجاوز الإدراك ويُغرِق الوعي بفيض المعنى. ومن هنا يضع ماريون الحب في قلب الظاهرة، ليصوغ منه نموذجًا فريدًا للظهور الإنساني.

فالوقوع في الحب ليس فعلًا من أفعال الإرادة، ولا اختيارًا حرًا، ولا خطوة مدروسة؛ إنه ظهور غير متوقّع، فيض يأتي من مكان لا نعرفه، لحظة ينهار فيها الاستعداد المسبق، لأن الحدث سبقنا. وكأن الحب يقبض على الإنسان بدلًا من أن يقرّر الإنسان الوقوع فيه. ولعلّ أبرز ما يميّز ماريون في هذا السياق أنه لا يطلب من القارئ قبول هذه الفكرة بمنطق فلسفي مجرد، بل يدعوه إلى تأمل التجربة التي عاشها أغلب البشر: لحظة امتلاء لا تفسير لها؛ انجذاب مباغت؛ انكشاف يطيح بالثبات ويعيد ترتيب العالم في لحظة.

هنا يدخل الحب في صميم ما يسميه ماريون "الظاهرة المشبعة"، تلك الظاهرة التي يفوق ظهورُها قدرةَ الوعي على استيعابها. الظاهرة المشبعة ليست مجرد حدث، بل هي فيض يتجاوز التصنيف، مثل الجمال الذي يخترق الإدراك، أو وجه الآخر عند ليفيناس، أو التجربة الدينية، أو القرب الحميم، أو الزمن حين يثقل أو يتسع. والحب، ضمن هذا الإطار، هو أكثر الظواهر المشبعة اكتمالًا، لأنه يتجاوز العقل واللغة والتفسير، ويعيد صياغة الذات من جديد. ولهذا يصبح الحب تحديًا للفلسفة ذاتها؛ فالفلسفة التي تأسست على العقل تجد نفسها أمام حدث لا يخضع للعقل، بل يتجاوزه.

وفي هذا المسار يصل ماريون إلى واحدة من أشهر أفكاره، وهي قلب الصيغة الديكارتية. فبدلًا من القول "أنا أفكر إذًا أنا موجود"، يصبح الوجود الحقيقي "أنا محبوب، إذًا أنا موجود". الإنسان لا يتأسس في منطقة التفكير، بل في منطقة الاستقبال، في اللحظة التي تُمنح له فيها ذاته عبر حب الآخر. الوعي لا يسبق الحب، بل الحب هو الذي يسبق الوعي ويؤسّس الذات.

وهنا يتحدى ماريون أربعة قرون من الفلسفة الحديثة، بدءًا من ديكارت وحتى هوسرل وكانط. فالفلسفات الكبرى وضعت أساس الذات في عقلها: قدرة التفكير، القدرة الأخلاقية، القدرة على التشريع، القدرة على التمثيل. أما هو فيزيح العقل من مركز الذات ليضع مكانه الاستقبال الأصلي: أن تُحبّ أولًا كي تُتاح لك إمكانية الظهور لنفسك. لتتكوّن الذات، عنده، من خلال النداء الذي يوجهه إليها الآخر. الحب ليس قرارًا، بل دعوة، استدعاء للذات عبر صوت لا يتكلم، لكنه يسمع؛ عبر ظهور لا يُتوقّع، لكنه يغيّر؛ عبر انفتاح على الآخر يخلق هوية جديدة ليست استمرارًا للذات القديمة، بل تجاوزًا لها. وهكذا يصبح الحب تجربة أنثروبولوجية قبل أن يكون عاطفية، لأنه الحدث الذي يكشف الإنسان أمام نفسه للمرة الأولى.

ولا يكتفي ماريون بنقد التصور الثنائي التقليدي للحب، الذي يحصره بين عاشق ومعشوق. فهذه الثنائية، في رأيه، تخون طبيعة التجربة. الحب في حد ذاته حدث، قوة ثالثة تتوسط الطرفين ولا تنتمي لأي منهما، أشبه بفيض مستقل يتحرك بينهما ويشكل علاقتهما. العاشق يعطي لا لأنه يمتلك القوة، بل لأن العطاء يحرره من ثقل ذاته، من رغبتها في السيطرة أو الامتلاك. والمعشوق لا يتلقى هدية مادية، بل يُكتشف ككائن محبوب، كذات يُعترف بها في الظهور. وما بين العطاء والاستقبال يرتسم فضاء ثالث، هو فضاء الحب ذاته، الذي لا يمكن لأحد امتلاكه ولا الإحاطة به.

ولما كان الحب حدثًا يتشكّل عبر الزمان، فإن ماريون يتوقف مع الزمن العاشق حيث يكشف عن رؤية مدهشة: الزمن في الحب ليس الزمن الفيزيائي نفسه. فالماضي في الحب يفقد سلطته؛ إذ لا يعود معيارًا يُحاسب به العاشق معشوقه. الماضي لا يضغط ولا يحكم، لأن الحب يمنح زمنًا جديدًا يبدأ دائمًا من الآن. أما الحاضر فيتضخم في لحظة الحب، يصبح كثيفًا مشبعًا بحمولة من المعنى تتجاوز حجمه، وكأن الزمن يتكثف في لحظة واحدة. وأما المستقبل فهو الامتحان الأعمق، لأنه يطلب من العاشق أن يثق بما لا يمكن ضمانه، وأن ينفتح على زمن لم يأتِ بعد، وأن يغامر بالقلب قبل أن يغامر بالعقل. وهنا يكمن سرّ الحب: أنه مشروع حرية مستقبلية لا تُبنى على يقين، بل على ثقة.

وبالعودة إلى جوهر التجربة، يقول ماريون إن العطاء هو قلب الحب. العطاء ليس تنازلًا ولا تضحية ولا صفقة. إنه الفعل الذي ينفلت فيه الإنسان من ذاته، ويتحرر من رغبتها في الامتلاك والهيمنة. العطاء في الحب هو تحرير الذات من ثقلها. ولهذا يصبح الحب ذروة الحرية، لأنه يسمح للإنسان بأن يكشف نفسه دون خوف، وأن يمنح دون قيد، وأن يستقبل دون أن يشعر بالتهديد. العطاء ليس مجرد فعل، بل موقف وجودي يُعيد ترتيب علاقة الإنسان بالعالم.

في نهاية المطاف، لا يقدّم ماريون في كتابه تفسيرًا للحب بقدر ما يقدّم انكشافًا لطريقة ظهوره. فالحب عنده ليس موضوعًا للملاحظة الخارجية، ولا تجربة يمكن اختزالها في لغة علم النفس أو الأخلاق، بل هو شرط لظهور الذات نفسها. إنه الحدث الذي يسبق كل وعي، ويمنح الإنسان إمكانية أن يكون حاضرًا لنفسه وللعالم. وحين يتعامل ماريون مع الحب كظاهرة مشبعة، فإنه يعيد بناء الفلسفة انطلاقًا من أمر يبدو بسيطًا لكنه في الحقيقة جذري: الإنسان لا يتكوّن بما يفكر، ولا بما يملك، ولا بما يفعل، بل بما يتلقّاه من الآخر. من هنا يصبح الحب ليس مرحلة في حياة الإنسان، ولا تجربة يمكن أن تنتهي، بل هو أصل الوجود العاشق، اللحظة التي ينفتح فيها الكائن على نفسه من خلال نداء يجيء من خارجه.