مالك بن نبي .. أسطورة جزائرية في الفكر

مالك بن نبي قضى حياته في محراب الفكر يبحث ويتدبر، وكان يعيش قلق الوجدان على وطنه الذي أراد أن يشق له بقلمه وقلبه طريق الذات.


المفكر الجزائري كان يطالب بتصفية الاستعمار من العقول


مالك بن نبي يحظى بمكانة استثنائية لدى دول أوروبا وأميركا

يقال إن "لا كرامة لنبي في وطنه"، وهو ما يتجلى واضحا بين ثنايا تاريخ الأنبياء والرسل المرسلين من قبل الله لهداية البشرية، وفي أحايين كثيرة تلاحق لعنة الحقد أيضا الكثير من العباقرة والعلماء تحت أديم أوطانهم، وقد لا يتوقف الأمر عند بخسهم حظهم بل يصل إلى حصارهم بشتى صنوف الأذى والمزعجات سيما عندما تتحالف السياسة بقذارتها ومصالحها الضيقة مع الجهل بشكل مقيت، وهي حكاية المعاناة والألم  التي عاشها أحد أعمدة الإصلاح والفكر في الجزائر صاحب مشروع الحضارة الراحل مالك بن نبي (1905-1973) الذي قضى حياته في محراب الفكر يبحث ويتدبر، وكان يعيش قلق الوجدان على وطنه الذي أراد أن يشق له بقلمه وقلبه طريق الذات، فزرع طريقه بالشوك بدل الزهر والرياحين من شركاء وطنه آنذاك من فقراء الضمائر والهمم من ذوي السلطان ممن كانوا ينحرون الفكر والثقافة نحرا ويهرولون وراء السراب يبتغون المجد على مائدة الجحود لرجل بتلك المكانة السامقة، إذ وصفه المفكر الجزائري الراحل محمد المبارك بالقول: "أنا لا أقول إنه ابن نبي ولكني أقول أنه ينهل من نفحات النبوة".
وإذا كان النفيس غريبا حيثما كان كما يقول داهية الشعر المتنبي، فإن فيلسوف القرن العشرين مالك بن نبي الذي أشرق قلبه بنور القرآن وارتوى من نبع الحكمة، كان أعتى من الرياح، فحمل بيارق حلمه في إنقاذ أمته التي تغرق في لجج الأوهام مستهينة بقيمتها الحضارية، ورضيت أن تكون مع الخوالف، فأراد بذلك بعث حضارة الإسلام من جديد بتمزيق حجب الغفلة والجهل واليأس، فكان يدعو إلى  إعمال العقل والمنطق ومواجهة الواقع بلا أقنعة، ولن يتأتى ذلك حسب رأيه الحصيف إلا بالتخلص من الذهنيات المحنطة التي تتحكم بنواصي شعوب الأمة والتي كانت السبب الأول في تقهقر وتعثر خطى أمة كانت ذات مجد تليد، فكان يعتقد أن كل فراغ إيديولوجي لا تشغله أفكارنا ينتظر أفكارا منافية معادية لنا وهو ما تجسد فعلا ومازال يتجسد على أرض واقعنا المزري، ولم يغفل هذا المفكر العملاق إلى أن يلفت نظرنا وعقولنا إلى الحقيقة المرة التي تتعلق بالاستعمار البغيض أو "الاستدمار" كما كان يفضل تسميته الذي دمر أوطاننا ونهب خيراتها ورحل عسكريا بعد أن تركنا دولا متهالكة، ولا يزال بين ظهرانينا يضرب هويتنا وثقافتنا ويصيبها في مقتل، فكان يطالب بتصفية الاستعمار من العقول أولا ليؤكد بالقول: "إن الاستعمار ليس من عبث السياسيين ولا من أفعالهم بل هو من النفس ذاتها التي تقبل ذل الاستعمار والتي تمكن له".

لا أجزم بل هي الحقيقة الراسخة، أن مالك بن نبي كان ذا عقل أريب وفكر مميز كيف لا وهو كان يمتلك روح المكاشفة التي جعلته يغرد خارج سرب المقلدين والمنبهرين بالآخر بل والانهزاميين أيضا ما خلق له الكثير من الأعداء والمتآمرين حينها، فهذا الباحث الفريد كان يؤمن إيمانا عميقا بضرورة نهضة العالم الإسلامي الذي سيهدي سكان المعمورة قاطبة قيم الرحمة والتسامح والجمال التي هي من صميم هويته الإسلامية التي نزلت إليه من السماء ولكونه كذلك صاحب ارث غني بهذه المعاني الجميلة، بيد أنه يشترط لتحقيق هذا الهدف السامي أن تهب حياة هذه القيم والمعايير من مراقدها عند المجتمعات المسلمة، فكان يردد لا بد للمسلم أولا أن يساهم في بناء مجتمعة لكي يستطيع التكلم مع الآخرين ندا إلى ند، وهو المسؤول عن تعطيل تبليغ الدعوة للعالم، فكيف له أن يبلغ الدعوة لأناس في نظرهم هو أدنى منهم، فدعا العالم الإسلامي الذي أهدر تراثه الثمين بأن يسارع إلى جمع شعت همومه وأن يفطم نفسه عن الكسل، فلا ريب أن هذا الجزائري العظيم كان يسعى إلى شحذ الهمم والعزائم التي سقطت وفترت، محاولا بذلك ضخ دماء الإرادة في ثورة فكرية وروحية أولا تتوج لاحقا بنهضة اقتصادية وحضارية تمكن من رسوخ كعب هذه الأمة العظيمة في ملحمة العطاء الإنساني.
ولا أغالي.. إذ أقول إن الراحل مالك ابن نبي كان بالفعل مجدد هذه الأمة كما يرى الكثير من المفكرين والباحثين في كل أصقاع العالم، وقد استطاع هذا الفيلسوف الكبير الذي تجاهله قومه أن يحظى بمكانة استثنائية لدى دول أوروبا وأميركا التي تلقفت فكره تلقى المتعطش للعلم، متناولين أفكاره بكل تمحيص معتبرين إياه رجلا يكتنز عبقرية فذة لا يقل عن مفكريهم وفلاسفتهم، كهيجل وكانط وراسل وهيدغر وغيرهم، وهو نفسه الذي ألهمت نظرياته الفعالة شعوب شرق وجنوب آسيا التي طبقتها حقيقة فتغير واقعها إلى الأفضل وها هي اليوم قوة اقتصادية تماثل أوروبا وأميركا، وفي الذكرى السابعة والأربعين لرحيل هذا العالم المسلم لا يسعني إلا أن أقول إنه استطاع بجدارة أن ينسج أسطورته الخالدة.   

لأكثر من ثلاثين عاما ناضل هذا الرجل العظيم بعلمه وفكره الثاقب وقبل ذلك بنفسه، حيث تعرض للاعتقال داخل غياهب السجون من قبل الجلاد الفرنسي في ثلاثينيات القرن الماضي لأنه كان أول من طالب بالاستقلال والحرية، سائرا في درب موحشة متحملا الظلم والمكائد والتهميش وكأنه يتمثل قول الشاعر: 
بلادي وان جارت علي عزيزة ** وأهلي وان ضنوا علي كرام
ورحل ابن نبي قبل أن ينبلج الفجر الذي انتظره بعد ليل جاثم طويل، رحل وقد فرغ من حق وجوده مؤديا رسالته في هذه الحياة، مخلفا وراءه إرثا فكريا ضخما لا يقاس بكل كنوز الدنيا، وإذا أردنا فعلا أن نزرع بذور الوفاء لهذا العظيم، فلنتعلم منه ونبعث الحياة في أفكاره ونظرياته.