الصحافة الجزائرية .. كفاح وتحد إبان الاحتلال الفرنسي

الصحافة للشعوب حياة والشعب من غير اللسان موات فهي اللسان المفصح الذرب الذي ببيانه تتدارك الغايات.


صاحبة الجلالة الجزائرية آمنت بهدفها فهبت لتنافح عن حقوق شعب يتعرض للوأد والتيه


لكل زمان مضى آيةٌ ** وآية هذا الزمان الصحف

قبل قرابة قرن من زمننا وبعد أن ادلهمت الخطوب على وطنه، أطلق أحد أبرز الصحافيين الجزائريين آنذاك مقولته الشهيرة: "إن الصحافة للشعوب حياة والشعب من غير اللسان موات فهي اللسان المفصح الذرب الذي ببيانه تتدارك الغايات". 
ولئن كانت الغاية الأسمى للأمة الجزائرية حينها التخلص من وحل العبودية، وأن يشق فجر الحرية ستائر عتمة دواجي الاستعمار والضيم، تلك الحرية التي سلبها احتلال فرنسي غاشم جثم على الصدور والقلوب والحناجر، وعاث فسادا في البلاد والعباد كافرا بكل المواثيق الإنسانية وأعراف الرحمة، فإن صاحبة الجلالة الجزائرية آمنت بهدفها فهبت لتنافح عن حقوق شعب يتعرض للوأد والتيه عندما وقفت بالمرصاد لمكائد فرنسا الحاقدة لتزيح بذلك اللثام عن دورها البارز والحاسم الذي تغافلت عنه معظم الدراسات التاريخية.

الصحافة الجزائرية في عهد الاحتلال شكلت هاجسا مرعبا أقض مضاجعه في حين كانت بمثابة الرمح الذي يحاول ابتلاع شوكته بالنسبة للصحافيين الجزائريين

يقول أمير الشعراء أحمد شوقي: 
لكل زمان مضى آيةٌ ** وآية هذا الزمان الصحف
لسان البلاد ونبض العباد ** وكهف الحقوق وحرب الجنف
وكلمات رائد الشعر العربي شوقي تحمل معها بيت القصيد أو مربط الفرس كما يقال، إذ بعد أن استيقظت الحياة في كيان الصحافة الجزائرية التي رأت النور قبل الحرب العالمية الثانية والجزائر في قبضة المحتل الفرنسي الهمجي الذي كان يردد بالقول لضحيته من الشعب الجزائري لا أريكم إلا ما أرى، وضعت الصحافة نفسها موضع المسؤولية الخطيرة الملقاة على كاهلها فاتخذت مكانها في موكب الجهاد والإصلاح القدر العسير لأهل الجزائر في تلك الفترة المريرة، وفي هذا الصدد يقول الباحث والأديب الجزائري محمد ناصر في كتابه: "المقالة الصحفية الجزائرية": "إذا كان الناس يطلقون على الصحافة اسم السلطة الرابعة في الدولة لما لها من تأثير في تكوين الشعوب، فإننا نستطيع القول إن الصحافة الإصلاحية في الجزائر، وهي تحت سمع الاستعمار وبصره يصح أن نطلق عليها اسم السلطة الأولى لما لها من آثار مباشرة في توجيه الشعب الجزائري وتثقيفه وإعداده للمعركة الفاصلة".
لا جرم أن الدرب كانت موحشة وقاسية تحمل خلالها الصحافيون والكتاب الكثير من المشاق والمزعجات تارة، ودفعوا حريتهم ثمنا للإدارة الاستعمارية تارة أخرى، وإذا كان شوبنهاور الألماني قد قال مرة: "إن الصحافة هي اليد الثانية للتاريخ لكنها للأسف لا تعمل بالشكل الصحيح"، فإن العكس هو الذي حصل في واقع الجزائريين خلال حقبة الاستعمار، حيث أدلت الصحافة بدلوها الباهر وحركت تاريخ بلادها وأبلت بلاء أكثر من حسن رغم سياسة الحصار والمصادرة والاعتقال والنفي. وهي التي كانت تمنع صدور الجرائد العربية وتمنع دخول الصحافة المشرقية إلى الأرض الجزائرية، إلا أن رياح إصرار الجزائريين المتعطشين للاطلاع على صحافة المشرق العربي اتجهت عكس حرص وتوقعات فرنسا العنصرية، فهذا الزعيم السياسي الأمير خالد حفيد الرجل العظيم الأمير عبدالقادر كشف هذه الحقيقة المهمة حينما قال: "وصدى النهضة الشرقية تأتي به الركبان من كل فج عميق".

وفي ظل ذلك الكابوس المقيت وفي أواخر القرن 19 وبداية القرن 20 استطاع بعض الكتاب والمهتمين بالشأن الصحفي أن يطلعوا على أفكار محمد عبده من خلال مجلته المنار، فتأثروا بها أيما تأثر وأيضا بالنزعة القومية لمصطفى كامل من مجلته "اللواء"، كما كان التلهف يبلغ مداه وهم ينتظرون مجلة "المؤيد" التي كانت لسانا صادقا للدفاع عن العروبة والإسلام، ناهيك عن مجلات: المقتطف، والهلال والعروة الوثقى التي كانت تحمل مقالات أحمد أمين ومصطفى صادق الرافعي وغيرهما، فكانت هذه الروافد الصحفية التي طالما تدفقت بها أرض النيل المداد القوي الذي يصب باستمرار في أنهر الصحافة الجزائرية، وهكذا نفخت الصحافة المشرقية الروح في الصحافة العربية الجزائرية، فراحت تحقن أفكارها بنسمات الحرية والصمود متحدية سيف الحجاج الذي كانت تلوح به سلطات الاحتلال، وهكذا تفتحت براعم الكتابة الصحفية وسط بحر متلاطم الأمواج بعد أن امتلك أهلها الكثير من المهارات التي اكتسبوها من صحافيي وكتاب المشرق العربي.
ضاقت صدور المصلحين ووجلت قلوبهم واستشعروا المهالك وهم يشاهدون بأم أعينهم كيف يحاول الاحتلال البغيض تسليط عوامل الفناء على الشخصية الجزائرية العربية المسلمة، وكيف يقوم بعملية تاريخية لغسل دماغ الجزائريين بعد أن اقترفت في حقهم الكثير من الخطايا والآثام وحولت حياتهم إلى سعير يتلظى فآثروا الذود عن حياض الوطن وأرضه وهويته عن طريق الصحافة، فانبرت للمواجهة الحتمية، وانطلقت أقلامها وألسنتها تتصدى لجبروت فرنسا ولمشروعها الإقصائي الخبيث وساهم فيها الكثير من رجال السياسة والثقافة والعلم والأدب والدين. 
ومع ولوج عصر النهضة أنشأ الأمير خالد عام 1920 جريدة "الإقدام" التي كانت منبرا للأقلام الجزائرية المدافعة عن حقوق الجزائريين، كما هرول رائد الإصلاح ابن باديس لخوض غمار هذه المعركة بكل عزيمة فبعد مصادرة جريدته "المنتقد" التي أسسها عام 1925 سارع إلى إنشاء جريدة "الشهاب"، وكان اختياره رئيسا لجمعية العلماء المسلمين عام 1931 دافعا قويا ليكون من أبرز كتاب المقالة الصحفية الإصلاحية طيلة عشرين عاما. 

Journalism
أبارك أهل الطموح 

وسار على ذات النضال عمر بن قدور الجزائري صاحب جريدة "الفاروق" الذي عرف بنشاطه الصحفي الإصلاحي المتميز، ما أدى بإدارة الاحتلال إلى مصادرة جريدته، وأيضا فيلسوف الحركة الإصلاحية توفيق المدني والطيب العقبي الذي عاد من الحجاز ليشارك في الجهاد، فأسس جريدة "الإصلاح"، إلى جانب الشهيد أبوالقاسم العربي التبسي الذي اعتقل بسبب أفكاره الثورية وقلمه الإصلاحي الحر، وكان الفنان عمر راسم صاحب الخط العربي الجميل والمنمنمات الرائعة قد سبقهم بعد اعتناقه مذهب محمد عبده بإنشاء مجلة "الجزائر" 1908 و"ذو الفقار" وقد عايش غياهب السجون هو الآخر، دون أن ننسى الأمين العمودي الذي أصدر جريدة "الدفاع" باللغة الفرنسية للدفاع عن حقوق الجزائريين المهضومة، أما أبرز مثال على الجهاد الصحفي فهو قصة أبواليقظان صاحب الروح الثورية التي لا تخمد، حيث أسس ثماني جرائد شاركت كلها في ملحمة الكفاح ضد المغتصب الفرنسي، وعلى مدار ثلاث عشرة سنة من 1926 إلى غاية 1939 توجت جميعها بالاستشهاد.
كانت إجابة الأرض التي سألها الشاعر التونسي المبدع أبوالقاسم الشابي: أيا أم هل تكرهين البشر؟ بالقول: أبارك أهل الطموح ومن يستلذ ركوب الخطر، وهو حال الصحافيين والكتاب وقتها فلم يفت في عضدهم ما تمارسه الإدارة الاستعمارية من بطش وتعسف واعتقال وخنق لأنفاس هذه الجرائد نتيجة نوعية الدماء التي تتدفق في شرايينها، ولكي لا تنجح فرنسا في دحض حقوق الجزائريين بمؤامراتها الباطلة، لم يتردد هؤلاء في امتطاء سفينة الخطر غير آبهين أين سترسو بهم، وبين بث الوعي وشحذ الهمم كانت مهمتم في غاية الصعوبة. كما لجأ بعضهم في سبيل قطف ثمار التعبئة إلى إعادة نشر مقالات الكتاب العرب في جرائدهم كمقالات محمد عبده ورشيد طه والرافعي من مصر، ومقالات الأمير شكيب أرسلان ومحي الدين الخطيب من الشام، إضافة الى ما يكتبه عثمان الكعاك من تونس وعلال الفاسي من المغرب.
ليس من نافلة القول إذن، أن نابليون بونابرت كان مصيبا عندما قال أخشى ثلاث جرائد أكثر من خشيتي لمائة ألف حربة، لأن الصحافة الجزائرية في عهد الاحتلال شكلت فعلا هاجسا مرعبا أقض مضاجعه في حين كانت بمثابة الرمح الذي يحاول ابتلاع شوكته بالنسبة للصحافيين الجزائريين، وبين الحيلة والمراوغة وضبط النفس حينا، والتحدي والمواجهة حينا آخر، ورغم تعثر خطاها رغم انعدام الإمكانيات، استطاعت أن تقف حجرة صلبة في طريق الاستدمار الفرنسي الذي كان يصطاد في المياه العكره من التبشير المسيحي والتجنيس وضرب الهوية الجزائرية، مستعملة في ذلك أساليب مختلفة منها التحليلي، القصصي، الرمزي، الوصفي وحتى التهكمي دون إغفال الحديث عن الحياة الاقتصادية للجزائريين بأنشطتها المختلفة، ويذكر أيضا، أنها كانت متابعة للأحداث الإقليمية والعربية وخاصة القضية الفلسطينية.