محمد بوكراس: المسرح العربي هو انعكاس لمجتمعاته العربية 

المسرحي الجزائري يؤكد أن ما نشاهده في المهرجانات العربية من عروض حتى الجيدة منها يوحي بالضياع والتشويش خاصة على مستوى الرؤية الإخراجية.


بوكراس يطرح قضية الاقتباس في المسرح الجزائري


المسرح الفكاهي في العالم العربي كما في الجزائر في ورطة كبيرة

يتتبع الناقد المسرحي الجزائري د. محمد بوكراس المسرح الجزائري خاصة والعربي عامة عبر مشاركاته الواسعة في أعمال وفعاليات المهرجانات المسرحية العربية ودراساته التي تتفاعل مع حاضر المسرح سواء في الجزائر أو الدول العربية الأخرى وانطلاقه من رؤى حداثية قدم من خلالها عددا من الدراسات المهمة منها "مرجعيات المسرح الفكاهي في الجزائر، من خلال تجربة المهرجان الوطني للمسرح الفكاهي" وهي الدراسة التي نال عنها درجة الدكتوراه من قسم الفنون الدرامية جامعة وهران.
في هذا الحوار مع بوكراس نقف على عدد من الرؤى والقضايا المهمة التي تشغل حاضر ومستقبل المسرح الجزائري خاصة والعربي عامة.
بداية طرحنا مع بوكراس قضية الاقتباس في المسرح الجزائري، حيث رأى أن المسرح العربي والجزائري خاصة عرف توجها نحو الاقتباس من الريبرتوار العالمي، وهذا منذ بداياته الأولى مع جيل الرواد علالو وبشتارزي وغيرهما، من المسرح الفرنسي وخاصة موليير، بحكم استعمال اللغة الفرنسية، وكذا المسرح العربي خاصة توفيق الحكيم، واستمرت هذه الموجة حتى بعد الاستقلال، وتوسعت الدائرة لتشمل قائمة طويلة: كالديرون، لوركا، شكسبير، بريخت بيرانديلو، سين أوكازي، ناظم حكمت، غوغول، روبلاس، ولكن اللافت أن الاقتباس من الرواية كان مبكرا حيث تم اقتباس رواية "احمرار الفجر" للكاتبة آسيا جبار سنة 1969 من طرف المسرح الوطني الجزائري، ورغم أن الأعمال المقتبسة للمسرح من الرواية هي قليلة جدا، ولكنها كانت تجارب ناجحة، على غرار "الشهداء يعودون هذا الأسبوع" للروائي الطاهر وطار إخراج زياني شريف عياد، و"المغارة المنفجرة" ليمينة مشاكرة، إخراج أحمد بن عيسى، ومسرحية "الحراس" التي اقتبسها وأخرجها عمر فطموش عن رواية "الحراس" للروائي الطاهر جاووت، و"مسرحية بهيجة" عن رواية "من دون حجاب ومن دون ندم" للكاتبة ليلى عسلاوي إخراج زياني شريف عياد، "اللاّز" للطاهر وطار اقتباس محمد بورحلة، و"إمرة من ورق" اقتبسها مراد سنوسي عن رواية "أنثى السراب" لوسيني الأعرج، وغيرها.

سياسات التقشف التي انتهجتها بعض الدول بسبب الأزمة الأخيرة ومنها الجزائر، وهذا ما أثّر بشكل واضح على الإنتاج المسرحي سواء كما أو كيفا

إذن هي عودة للأدب الجزائري ومحاولة لإخراجه من رفوف المكتبات إلى رحاب المسرح الواسعة. والحقيقة التي ينبغي الإشادة بها أن الراحل امحمد بن قطاف كان دائما يجعل على رأس لجنة التحكيم في المهرجان الوطني للمسرح المحترف أو من بين أعضائها شخصية أدبية مرموقة، وفي هذا السياق جاء الروائي أمين الزاوي 2006، ثم وسيني لعرج 2007، وغيرهما، وهذا من أجل تقريب المسافة بين المسرحي والروائي، ويشار أيضا إلى تجربة صديقنا عبدالرزاق بوكبة في فضاء صدى الأقلام بالمسرح الوطني الجزائري أو في ركن الشعر في ضيافة المسرح في مهرجان المسرح المحترف. وكذا السياسة التي انتهجتها وزارة الثقافة في السنوات الأخيرة في محاولة لتكريس الاهتمام بالأدب الجزائري مسرحيا وسينمائيا. 
وأكد بوكراس أن عوالم الرواية متحررة من قيود الزمكانية، التي تفرضها الكتابة المسرحية، عوالم الرواية تتأرجح بين الهنا والهناك، في اللحظة نفسها تسافر بالمتلقي إلى عوالم غرائبية عن طريق اللغة، وعن طريق آلية السرد، أما المسرح فهو فن اللحظة "الهنا والآن"، لغته معقدة، تشكل اللغة المنطوقة منها جزءا يسيرا فقط، يعتمد لغة الألوان والأشكال والأحجام والحركات والإيماءات والأصوات، التي قد تقلب المعنى رأسا على عقب. 
فعلا المسرح إمبراطورية من العلامات التي تتجه نحو المتلقي مباشرة ودون واسطة، وهذا ما يُصعب المهمة أمام محاولة تحويل نص سردي ــ الذي يعتمد الوصف في تسلسل الأحداث ــ إلى مسرحية تعتمد الفعل لتطور الأحداث، تحويل الألفاظ إلى صور، هي مهمة صعبة وشيّقة في الوقت نفسه، لكن هناك بعض الروائيين يعتمدون الكتابة بالصورة، والحوارات القصيرة في تطوير الأحداث، وهذا النوع من الروايات يكون أقرب إلى المسرحة. 
أما بالنسبة لعمل المخرج فبعد القراءة الاستكشافية التي يضع فيها المخرج يده على الفكرة العامة وعناصر البناء الدرامي، يقوم بقراءته الركحية، حيث يلجأ إلى التكثيف وإعادة الترتيب، وهذا في سبيل تحقيق  الرؤية الإخراجية: مخطط الحركة، الإيقاع، التركيب والتكوين، الجو العام، المشاهد الصامتة، مستعينا بفريق من المبدعين سينوغراف ودراماتورج وموسيقي. وتعتبر مرحلة العمل على الحوار مهمة للغاية لأن المسرح يتطلب حوارا دراميا يعكس الوضعيات والعلاقات المحددة بين الشخصيات، ويضبط إيقاع المشهد، لذا على المخرج التحلي بالموضوعية وتحديد المشاهد المفتاحية، وكذا موقع الذروة في كل منها، وإعادة النظر في البناء العام وفي تسلسل الأحداث لاقتراح بناء درامي يوافق طبيعة رؤيته والأسلوب الإخراجي المنتهج. 
المسرح الفكاهي
ولفت بوكراس أن المسرح الفكاهي في العالم العربي كما في الجزائر في ورطة كبيرة، لماذا؟ لأن ما يفرزه الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي تجاوز الخيال، وما تحمله الخطابات السياسية سلطة أو معارضة من جرعات إضحاك ـ مع الأسف ـ قد يعجز عنه حتى أكبر كُتّاب الكوميديا، أيُّ عبقرية هذه التي يمكن أن تُجاري ما يحدث اليوم في العالم؟ أعتقد أن العبقرية الشعبية وحدها هي القادرة عن طريق النكت اللاذعة والساخرة والمتهكمة والمحبوكة بعبقرية فذّة، إذن هذا ما صعب مهمة الكوميديين الذي أصبحوا عاجزين عن إضحاك الجماهير التي تجاوزت بوعيها وعي نخبها وساستها. 
وأضاف بوكراس أنه "رغم ما قلنا سابقا مازال المسرح الفكاهي يملك حضوره وهو مكرس جماهريا، لكن للأسف نجهل الكثير من الأعمال المسرحية الكوميدية التي تنتج في وطننا العربي لأنها لم تصوّر ولم تعرض على نطاق واسع، وتبقى فقط حبيسة مشاركتها في المهرجانات المسرحية العربية، الأعمال المكرسة حاليا هي أعمال تجارية تستجدي الإضحاك عن طريق الإسفاف والابتذال، وليست مرجعا في فن الكوميديا بمختلف أنواعها: كوميديا الطباع ـ كوميديا المواقف ـ كوميديا السوداء- كوميديا العبث.. هناك سبب آخر وهو أن أغلب الأعمال الكوميدية تملك جرعات سياسية زائدة، خطابها يخيف أطراف عديدة وبالتالي لا تجد رواجا إعلاميا.

الحركة النقدية
ورأى بوكراس أن الحركة النقدية المرافقة للممارسة المسرحية ليس الغرض منها تقويم السلبيات فقط، فهذه واحدة من مهمات النقد، حيث يرى المخرج الانجليزي بيتر بروك أن الناقد المسرحي هو شريك في صناعة العرض المسرحي، ويظهر لي أن الغرض الأول من النقد هو فهم الممارسة المسرحية في علاقتها مع المحيط السوسيوثقافي، القيام بدور الوسيط بين المبدع والمتلقى عن طريق تفكيك جماليات العرض وإغراء الجمهور بالتوجه لقاعة العرض، طبعا إذا كان العرض يستحق المشاهدة والتأمل، ثم بعد ذلك تأتي مهمة التقويم وهي مهمة صعبة جدا لأننا نحاكم كونا جماليا ذاتيا بطريقة تبدو لنا أنها موضوعية أو ندعي أنها كذلك، ولكنها في حقيقة الأمر لا يمكن أن تتجرد كليا من الذاتية، ومع ذلك تبقى عين الناقد عين ثالثة لها ميزتها الابستمولوجية.   
تحديات تواجه المسرح
وشدد بوكراس على أن المسرح مازال له دور كبير بصفته مؤثر ومحرض على الوعي والتفكير، ولكن هذا الدور قد تراجع نسبيا أمام الانتشار الواسع للوسائط الالكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي التي فرضت أساليب جديدة للتلقي الفردي والتفاعل الحر الخالي من أي قيد أو رقابة، تفاعل لحظي وآني ومزاجي وعفوي. إذا نحن اليوم أمام جمهور جديد متسارع ومتسرّع في الوقت نفسه، مشاهداته مستعجلة لا يصبر على مشاهدة فيديوهات اليوتوب التي تطول أكثر من 10 دقائق، ويتواصل برسائل قصيرة لا تتجاوز السطر، ويكتب بلغة جديدة هي مزيج بين العامية والفصحى والأجنبية والأرقام والأشكال والاختصارات. أمام هذه الوضعية وجدت فنون العرض نفسها مطالبة بالتجدّد أو التبدّد. إذا لا يمكن أن نقول إن المسرح هجره جمهوره، فللمسرح جمهوره على مر الدهور والعصور، ولكن هل يمكن أن يمتد ويتوسع إلى هذا الجمهور الجديد الذي تأتيه العروض الفكاهية والتراجيدية والغرائبية وغيرها من كل بقاع العالم وهو قابع في بيته أو حيثما وجد، وبكبسة من أصبعه يمكن أن يختار منها ما يشاء وبالكيفية والكمية التي يشاء. أما عن تراجع الحريات، فالحقيقة التاريخية تؤكد أن المسرح نشأ وترعرع في أجواء الديمقراطية والحرية وهما ماؤه وهواؤه ولا يمكن العيش بغيرهما، ولكن السؤال المطروح اليوم، هل يمكن للمسرح أن يحصل على سقف الحريات التي يطلبها المتلقى الجديد؟
وأوضح بوكراس أن المسرح العربي هو انعكاس لمجتمعاته العربية، فيوم كان للمجتمع العربي هدف وغاية، كان المسرح في مستوى هذه التطلعات، نعم رافق المسرح العربي حركات التحرر في مختلف الدول العربية، وساهم في تجنيد الجماهير وشحذ هممها نحو الاستقلال و التحرر، ولما كان للعرب قضية كان للمسرح أيضا قضية، توفيق الحكيم، سعد الله ونوس، مصطفى كاتب وعلولة والطيب الصديقي وبرشيد والفوانيس وغيرهم، زمن العروض الخالدة. أما اليوم فلا هدف ولا قضية ولا رؤية، ولا تطلعات مشتركة ولا غايات واضحة، انسقنا وراء ربيع عربي مخدوع، وضيعنا ما بقي من كرامتنا ووحدتنا، فماذا ننتظر من المسرح أن يفعل، بقي المسرح حائرا. 
ما نشاهده في المهرجانات العربية من عروض حتى الجيدة منها يوحي بالضياع والتشويش خاصة على مستوى الرؤية الإخراجية، هذا من ناحية إبديولوجية العروض المسرحية، أما من حيث الجماليات البصرية والفنية، فهذا الانفتاح الكوني سمح بانتقال الخبرات والمهارات، من ضفة إلى أخرى ومن قارة إلى قارة، وجيل الشباب اليوم يشتغل باحترافية في هذا المجال، ولا يخلو مهرجان من عروض مبهرة. وخاصة على مستوى التمثيل. وما زاد الطين بلة ـ كما يقولون ـ هو سياسات التقشف التي انتهجتها بعض الدول بسبب الأزمة الأخيرة ومنها الجزائر، وهذا ما أثّر بشكل واضح على الإنتاج المسرحي سواء كما أو كيفا.
اقتراحات
وحول رؤيته للخروج بالمسرح مما هو فيه قال بوكراس إن "أول اقتراح يحضرني الآن هو فتح مجال التكوين الأكاديمي وتجديد البرامج التكوينية في المعاهد الفنية المتخصصة في الفنون الدرامية وفنون العرض، هذا من جهة، ثم الاعتماد على خريجي هذه المعاهد في تدعيم الحركة المسرحية بمواهب جديدة من جهة ثانية، الأمر الثاني الذي يدعو إلى الاهتمام البالغ هو الكتابة المسرحية على اعتبار أن أزهى عصور المسرح صنعها المؤلفون ومازالوا كذلك إلى يومنا هذا، حتى ما يسمى بعصر المخرجين، كل هؤلاء المخرجين بيتر بروك، ستانسلافسكي، مايرخولد، اعتمدوا على نصوص جيدة، ونحن في وطننا العربي ما زالنا لم نصنع خليفة لكاتب ياسين أو توفيق الحكيم أو سعد الله ونوس، بل هناك من يدعو ببساطة إلى موت المؤلف المسرحي؟ ثم على الدولة دائما أن تدعم الفعل الثقافي والفعل المسرحي، لأنه إذا كان الشعب الذي يقرأ شعب لا يجوع ولا يستعبد، فإن الشعب الذي يتعاطى المسرح شعب يفكر ويشعر "شعب حي". العودة إلى المسرح المدرسي. تشجيع الكتابة للمسرح بتخصيص جوائز للمبدعين دون تحديد السن. انفتاح المؤسسات المسرحية على المحيط السوسيو اقتصادي، وتفعيل التواصل مع المؤسسات الإعلامية والتربوية ومؤسسات المجتمع المدني، خلق فرص للشراكة في إنتاج وتسويق العروض المسرحية، انفتاح المسرح على هموم المجتمع وطموحاته الحقيقية. وتلاحظ مؤخرا تفطّن المسرح الوطني الجزائري للأمر ومبادرته لإرساء جسور شراكة مع مؤسسات أخرى، ونتمنى أن تحذو المسارح الجهوية حذوه.