محمود عوض عبدالعال روائي مُغاير يرحل في صمت

الكاتب الراحل مبدع يتسم بسمات إنسانية رفيعة تجعل كل من كان يعرفه يعتز بمعرفته، لما به من حُسن المعاملة وصدق المبدأ وهدوء العلاقة ونُبل الصداقة.


رواية "ضابط إحتياط" تعرض فترة زمنية في الحياة المصرية كثيرة الأحداث شديدة التأثير


عبدالعال حصل على جائزة التميز في الأدب الروائي من اتحاد كتاب مصر في 2020

المطلع على المشهد الروائي المعاصر في مصر لا بد أن يقف أمام أسماء بعينها، تختلف في إبداعها عن سواها، من حيث تكنيك الكتابة وأشكالها واتباع المنهج، وأيضاً كيفية التناول والطرح للمضمون المراد في الأعمال الروائية.
ومن الروائيين الذين يستوقفون النقاد لتأمل تجربتهم الروائية الروائي محمود عوض عبدالعال، الذي بزغ نجمه في عام 1970، عقب إصداره روايته الأولى "سكر مر" ضمن سلسلة "كتابات معاصرة"، ونؤكد أن هذه الرواية لم تحظ باهتمام القارىء العادي، بل لم تلق منه رأياً مؤيداً لاتهام كاتبها بالغموض والضبابية، وعدم اتباع المألوف والمتبع في السرد الروائي، بينما خرج غير ناقد مؤكداً بزوغ نجم مبدع روائي جديد في فضاء الرواية المصرية بل العربية، يحذو حذو كتاب تيار الوعي جيمس جويس، وفرجينيا وولف، ونجيب محفوظ (في بعض أعماله) مع قدرته على المغايرة والإضافة، وهذا ما يتجلى لنا في "سكر مر"، بل أكد د.حمدي السكوت أن هذه الرواية تقدم ألواناً جديدة من الأساليب الفنية غير الشائعة في الأعمال القصصية العربية التي تجتمع في عمل قصصي عربي من قبل. 
ويُضيف السكوت بأنه "وإن كان تيار الوعي يعد في حد ذاته أسلوباً جديداً نسبياً في القصص العربي، فإن المؤلف لم يلجأ إلى إستخدام هذا الأسلوب بالطريقة المألوفة التي عهدناها عند جويس، فرجينيا وولف ونجيب محفوظ، بل لجأ إلى عرض كل تيارات الوعي في الرواية من خلال تيار وعي واحد لأحد الشخصيات الذي استعاد بذاكرته وبأسلوبه كل أحداث الرواية في زمن ساعة ونصف الساعة هي مدة ارتشاف بطلها لكوب الشاي".
وتتوالى أعمال محمود عوض عبدالعال الروائية والقصصية، التي تثبت عمق موهبته الأدبية وتفرده الإبداعي، فصدر له من المجموعات القصصية التي سارت على منوال تيار الوعي مجموعته "الذي مر على مدينة" – في 1974 عن دار المعارف مصر – ثم مجموعته "علامة الرضا" ثم مجموعته "حس البيت" ثم مجموعته "تحت جناحك الناعم" وصولاً إلى مجموعته "عدّى النهار".
وقد تخلل إصدار هذه المجموعات القصصية إصدارته للروايات التالية والتي جاءت بعد روايته "سكر مر"، رواية "عين سمكة" ورواية "قارىء في الشارع" ثم رواية "الزجاج في دمي" وصولاً إلى روايته "ضابط إحتياط" الصادرة في عام 2014، ضمن سلسلة روايات الهلال، وفي هذه الرواية استطاع محمود عوض عبدالعال أن يقدم لنا فترة زمنية في حياتنا المصرية شديدة الأحداث والتأثير، وهي فترة قبيل حرب أكتوبر 1973، وقد عالج  المواقف والأحداث فيها متبعاً تيار الوعي المنطلق بالشخوص على مستويين؛ الأول المستوى الواقعي الذي يعيشه الجنود والأفراد المقاتلين الذين ينتظرون يوم الثأر وتحقيق النصر، والمستوى الثاني هو المستوى فوق الواقعي الذي ينبثق من خلال مشوار القائد الضابط الأعلى الذي يدخل بنا إلى عالمه الخاص، ثم يخرج بنا إلى الأحداث العامة، ويتنوع الزمان والمكان، وتنشط الأحداث لتقدم لنا مشهد الحالة المصرية للإنسان المصري داخل الجبهة وخارجها من خلال ضابط احتياط.

وأعود للتأكيد على أن أعمال محمود عوض عبدالعال الروائية والقصصية تحتاج إلى قارىء خاص واعٍ مستنير مدقق، وإلا صار مندهشاً أو متهماً المؤلف بعدم الوضوح، وهو ما أنصفه فيه النقاد، بل وأكدوا بأنه واحدُ من أهم كتاب السرد الروائي والقصصي المقدّم لتيار الوعي عن المشهد الأدبي المعاصر.
ونُضيف أن للأسكندرية كمدينة ومكان أثراً بالغاً في تشكيل وعي وذائقة "محمود عوض عبدالعال، المولود بها في عام 1943، ورحل عنها الثلاثاء 13 أبريل 2021، وفيها تضافرت جهوده مع نخبة من كبار مبدعيها في المجالات المختلفة الأدبية والتشكيلية والسياسية (ومنهم الفنان التشكيلى عصمت داوستاشي والشاعر الراحل صبري أبوعلم) فقدموا برئاسته مجلة "أقلام الصحوةط للأدباء والفنانين السكندريين من عام (1974 – 1984)، وأصدرت أربعة أعدادٍ، وقدمت للساحة الأدبية والفنية عدداً من الكٌتاب الجدد.
ويُحسب له – أيضاً – تمكنه من اللغة العربية ومعرفته القوية بمفرداتها، وقد ساعده على ذلك تخرجه في كلية دار العلوم – جامعة القاهرة – عام 1969، ونلمس هذا من خلال قدرته على استخدام الألفاظ ووضعها في الموضع المناسب المحدَّد لها، بالإضافة إلى براعته في صياغة الجٌمل وتراكيبها.
كما كان لدراسته الفنية بعنوان "في صحن مصر" الصادرة عام 1980 عن سلسلة "أقلام الصحوة"، الدافع وراء اختياره مشرفاً على جريدة "فن وأدب" التي تصدر عن المركز القومي للثقافة والفنون التشكيلية بالإسكندرية في عام 1981.
ولأهمية تجربته الإبداعية في الرواية والقصص، تم عمل رسالة الماجستير في قسم اللغة الإنجليزية من جامعة المنيا بعنوان "تأثير تقنية الوعى ممثلة في أعمال جيمس جويس وفرجينيا وولف على أعمال محمود عوض عبدالعال" في عام 2012، وكذلك رسالة ماجستير في الأدب والنقد من جامعة الأزهر كلية الدراسات العربية والإسلامية بالإسكندرية في عام 2014 بعنوان "محمود عوض عبدالعال قاصاً"، كما صدرت عن أعماله عشرات الدراسات في الروايات والكتب المتخصصة والمؤتمرات، وقد كُرم في المؤتمر الثالث لأدباء الأقاليم في مجال الرواية في عام 1987، بيد أنه لم ينل من جوائز الدولة في مصر أية جائزة بالرغم من أنه المستحق لها والأجدر بها، خاصة وأن معظم مجايليه من مبدعي السرد الروائي والقصصي قد حصلوا عليها. غير أنه حصل على جائزة التميز في الأدب الروائي من النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر في العام الماضي 2020، عن جدارة واستحقاق وتميز فعلي.
وفي فجر الثلاثاء (الأول من رمضان 1442ه) الموافق الثالث عشر من أبريل 2021، يرحل محمود عوض عبدالعال عن دنيانا، بعد معاناة شديدة مع المرض "سرطان الرئة"  وآلامه المبرحة.
ويبقى أن نؤكد على قيمة محمود عوض عبدالعال الأدبية بعدما قدّم من تجربة مغايرة في الإبداع الروائي والقصصي، ونضيف بأنه كان مبدعا يتسم بسمات إنسانية رفيعة تجعل كل من كان يعرفه يعتز بمعرفته، لما به من حُسن المعاملة وصدق المبدأ وهدوء العلاقة ونُبل الصداقة، وهو ما جعله يرقى إلى الأنقى.