مختبر الديمقراطية يرفع من قيمة فيسبوك إلى تريليون دولار


زوكربيرغ ليس شخصا شريرا، لكنه لا يعرف سوى القليل عن العالم الذي يعيش فيه البشر. والمفاجأة تكمن في تجاهل قاضي المحكمة الفيدرالية الأميركية كل ذلك وتبرئة فيسبوك.


هل يجدر بنا أن نذكّر قاضي المحكمة الفيدرالية الأميركية وهو يبرّئ فيسبوك المستبد الأكبر في العالم من الاحتكار بمقولة زوكربيرغ الشهيرة بأن فيسبوك لا يعني له مجرد شركة، بل بناء شيء يغيّر الواقع، ويحدث تغييرا فعليا في العالم؟

السعادة التي غمرت مارك زوكربيرغ هذا الأسبوع تمتلك نفس مواصفات سعادة مصنعي وناشري المواد الإباحية، في قضية مثيرة شغلت الولايات المتحدة عام 1964.

كانت الدعوى آنذاك على شركات تصنّع وتروّج وتبيع موادا إباحية، لكن قاضي المحكمة العليا الأميركية تساءل في متن الحكم: ما هي المواد الإباحية؟ لا يوجد تعريف قانوني لها.

صحيح أن القاضي يعرف تلك المواد عندما يراها، لكنه تذرع بأنه لا يستطيع الحكم قانونيا عليها.

ونجى “الإباحيون” قبل أكثر من نصف قرن من الإدانة أمام القضاء، مثلما نجت شركة فيسبوك هذا الأسبوع من إدانتها بالاحتكار، وفق نفس المعايير القضائية الضيقة، بمجرد استبدال كلمة الاحتكار بالإباحية.

بالطبع، ندرك جميعا أن تلك المعايير القضائية تأتي من “مختبر الديمقراطية” الأميركية، لكن قاضي المحكمة الفيدرالية، وهو يصدر حكمه بعدم قناعة القضاء بأن الشكوى غير كافية من الناحية القانونية لإدانة فيسبوك بالاحتكار، رفع من قيمة الأسهم المالية لهذه الإمبراطورية الرقمية الهائلة إلى تريليون دولار!

بينما لو تمكنت لجنة التجارة الفيدرالية صاحبة الدعوى من إدانة فيسبوك بالاحتكار، لكان قد سُحب من الشركة توابعها إنستغرام وواتساب.

يكفي أن نتخيّل أن فيسبوك عندما اشترت واتساب عام 2014 مقابل 19 مليار دولار، كانت تفكر في استقطاب مليار مستهلك ليتحولوا لاحقا إلى أموال. وقبلها بعامين فعلت الأمر نفسه مع إنستغرام.

صُدمت لجنة التجارة الفيدرالية وهي تستمع إلى قرار المحكمة الذي نص على “فشلت اللجنة في تقديم دليل على زعمها بأن فيسبوك يحتكر شبكات التواصل الاجتماعي وأنه يمتلك حصة فائضة بقيمة 60 في المئة من سوق وسائل التواصل”. قرار المحكمة بما يحمله من نكسة يبدو كافيا لاستعادة قصة تبرئة مروجي المواد الإباحية قبل 57 عاما أمام القضاء الأميركي.

لا أعرف ماذا كان تعليق أصحاب المنتجات الإباحية عام 1964، فتاريخ القضية كان سنة ولادتي بالضبط، لكنني يمكن أن أتخيّل سعادتهم بنفس منسوب غبطة المرشد الأعلى لفيسبوك زوكربيرغ وإمبراطوريته تعبّر عن انتصارها بالقول “يسعدنا أن قرار المحكمة الفيدرالية يعترف بالعيوب في الشكاوى الحكومية المقدمة ضد فيسبوك. نحن نتنافس بشكل عادل لكسب وقت الناس واهتمامهم وسنواصل تقديم منتجات رائعة للأشخاص والشركات التي تستخدم خدماتنا”.

بيان الانتصار لشركة فيسبوك الغارقة في الظلام يعيد مزاعم زوكربيرغ بأنه لن يكتفي بربط العالم، بل سيحكم العالم باعتباره دولة فوقية لديها ثلاثة مليارات مستخدم، ليصل في النهاية إلى تقويض المؤسسات والممارسات الديمقراطية. فصعود فيسبوك الذي لا يرحم، يخفي حقائق غير مرغوب فيها، شركة تكنولوجية عملاقة تريد أن تضع القضاة وتحاكم نفسها بنفسها.

هل يجدر بنا أن نذكّر قاضي المحكمة الفيدرالية الأميركية وهو يبرّئ فيسبوك المستبد الأكبر في العالم من الاحتكار بمقولة زوكربيرغ الشهيرة عام 2012 بأن فيسبوك لا يعني له مجرد شركة، بل بناء شيء يغيّر الواقع، ويحدث تغييرا فعليا في العالم. مثل هذا الكلام كان قد أطلقه بطريقة ما نابليون بونابرت في حلمه العالمي، وأعاده أدولف هتلر في مسعى لإخضاع قارة أوروبا.

لكي نفهم غطرسة فيسبوك تدعونا الكاتبة كاثرين لوس الناطقة السابقة باسم زوكربيرغ إلى مشاركتها الرحلة إلى قلب الشبكة الاجتماعية في كتابها الشهير “ملك الصبية”، وهي تكشف لنا بأن زوكربيرغ كما لو أنه يفكر في كل شيء متعلق بتسيير الأمور مع سكان دولة افتراضية يتزايد عددهم باطّراد دائم.

وتشير في ذلك إلى أنه طالما عدّ فيسبوك وفق مفهوم “شركات فوق الدول” معبرا عن اعتقاده بأننا جميعا سنصبح بمثابة خلايا تتواصل تلقائيا وتعمل بسلاسة وتشكل وحدة البناء والوظيفة في جسد فيسبوك، وفي حقيقة الأمر ذلك استحواذ على العالم الافتراضي بأسره!

لذلك يرى الناقد الأدبي والتكنولوجي نيكولاس كار أن فكرة بناء مجتمع على نطاق كوكبي لا تبدو مثيرة للجدل من الوهلة الأولى، وهي أمر عملي وضروري وجيد تماما، لكنه يعتبر زوكربيرغ مثل وادي السيليكون فقاعة تكنولوجية، خارج السياسة، خارج التاريخ.

بيد أن هذا التوصيف الباهر لا يعد شاهدا أمام المحكمة التي أصابت بقرارها هيئات مكافحة الاحتكار في الولايات المتحدة بانتكاسة عندما كانت تأمل بتفكيك أكبر شركة غارقة بالظلام في التاريخ.

صحيح أن الخيبة التي أوجدها قرار المحكمة ستزيد من الضغوط والمطالبات للكونغرس الأميركي لتحديث قوانين مكافحة الاحتكار في البلاد، لكن القرار في الوقت نفسه رفع الضغط عن فيسبوك باعتباره قوة اقتصادية وسياسية فوق القضاء والحكومات.

تلك النكسة دفعت إيفان جرير من مجموعة “القتال من أجل المستقبل” المعنية بالحقوق الرقمية، إلى القول “إننا لا نستطيع أن نجلس ونترقب أن تنقذنا المحاكم من الاحتكارات التكنولوجية الكبرى”. فالمحكمة التي أقرت بأن فيسبوك يتمتع بقوة سوقية هائلة، تجاهلت غطرسة تلك القوة.

وحتى رجال القانون يرون في القرار القضائي إشارة سيئة للغاية منذ بداية المعركة مع التكنولوجيا العملاقة. لكن هذه معركة واحدة في حرب مستمرة.

في النهاية، ساعد قرار المحكمة الفيدرالية فيسبوك على الاستمرار في كسر التاريخ بما يمثله من قوة تكنولوجية.

ومن أجل إعادة التاريخ مرة أخرى إلى سكته، يجب أن تكون الحتمية التكنولوجية مرادفة للحتمية التاريخية، وفق تعبير نيكولاس كار مؤلف كتاب “الضحالة: تأثير الإنترنت على عقولنا” الذي سبق وأن استنتج أن زوكربيرغ فصل فيسبوك عن الواقع، وأظهر كيف يمكن لشخص أن يكون على حد السواء، ذكيا بطريقة مذهلة وساذجا بشكل مثير للدهشة.

ليصل إلى القول إن زوكربيرغ ليس شخصا شريرا، لكنه لا يعرف سوى القليل عن العالم الذي يعيش فيه البشر. والمفاجأة تكمن في تجاهل قاضي المحكمة الفيدرالية الأميركية كل ذلك وتبرئة فيسبوك.