مروة عبدالمحسن تقدم قراءة ثقافية للحِجاج والحوار

الباحثة المصرية تؤكد على فكرة أن الإقناع سمة عقلية إنسانية، عمد إليها الشيطان لغواية آدم عندما أكل من الشجرة.


اليونانيون برعوا في استخدام الحجج العقلية المختلفة، والتي دلت على تقدم كبير في التفكير الإنساني


الحِجاج يعد من الظواهر الثقافية التي تنشأ من اختلاف الثقافات والمعارف بين طرفي الخطاب

الخطاب الإقناعي يمثل جزءًا كبيرًا من الواقع النقدي الثقافي، واتجاهًا يفرض نفسه بقوةٍ على الواقع النقدي المعاصر، حيث تطورت البلاغة والنقد في الآونة الأخيرة من كونها جمالية انفعالية تكتفي بالنص ولا شيء خارج النص، إلى بلاغية إقناعية تأثيرية تعني بالدرجة الأولى بالمتلقي، بوصفه أحد عناصر الخطاب، وتحاول التأثير في معتقداته وتغييره على نحو ما يقتضي الخطاب.
وفي كتابها "الحِجَاج والحوار في رسالة الغفران .. قراءة ثقافية" للباحثة مروة فتحي عبدالمحسن تؤكد على فكرة أن الإقناع سمة عقلية إنسانية، عمد إليها الشيطان لغواية آدم عندما أكل من الشجرة، وعمد إليها الرسل والأنبياء للدعوة إلى التوحيد، ولم تعد تقتصر على الخطاب الديني فقط، وإنما انتقلت إلى الخطاب الأدبي؛ ليكون أكثر تأثيرًا في المتلقي. والإقناع بوصفه سمة عقلية، يعبر عن مراحل تقدم التفكير الإنساني من التأثير والانفعال إلى التحليل والحوار والبرهنة، والقدرة على الاستنتاج، وقد برع اليونانيون في استخدام الحجج العقلية المختلفة، والتي دلت على تقدم كبير في التفكير الإنساني.
ولم يعدم تاريخنا العربي القديم آليات الحجاج، بل اختلفت طرق استخدامها بين علم الكلام والفلسفة والأدب، ثم انتقلت إلى البلاغة، وكان القدماء على وعي عميق في التفرقة بين البلاغة الجمالية، والتي تقتصر على التأثير والانفعال والبلاغة الإقناعية التي تعمد إلى تغيير اعتقادات المتلقي.
وترى الباحثة أن متابعة مصطلح الحجاج يقتضي البدء بالتحديد اللغوي أولًا؛ فالحجاج في اللغة من مادة "حجج"، والحج في اللغة هو القصد، حج إلينا فلان أي قدم، وحجه يحجه حجًّا: قصده.

الحياة الدينية لم تسلم من فوضى، ومن فساد الحياة السياسية لذلك جاءت رسالة ابن القارح، ورسالة الغفران لتكون صورة صادقة عن سمت الحياة الدينية السائدة في ذلك العصر

ويعرف الحِجاج في اللغة أيضًا بالمحاجة للغلبة بالدليل والبرهان لإبطال ما عند الخصم، وقال الأزهري: ومن أمثال العرب: لجَّ فحجَّ. أي لج فغلب من لاجه بحجته، ويقال: حاججته أحاجه حجاجًا ومحاجة حتى حججته، أي غلبته بالحجج، والحجة: البرهان. وقيل الحجة: ما دافع به الخصم، والحجة: الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة، وهو رجل محجاج أي جَدِل.
ويعد الحِجاج من الظواهر الثقافية التي تنشأ من اختلاف الثقافات والمعارف بين طرفي الخطاب، فيعمد أحدهما إلى إحداث تغييرات في معتقدات المتلقي ليسلم بمعتقداته وثقافاته، وهو في ذلك يستخدم الحجاج بوصفه بنية منطقية متماسكة واضحة، ليذعن إلى معتقداته وثقافته، من هنا يصبح الحجاج صورة صادقة للعصر الذي قيل فيه، ورؤية واضحة للمستوى الثقافي والحضاري لذلك العصر.
ومن وجهة نظر الباحثة أنه في العصر الحديث، ومع الاهتمام بأطراف المثلث الإبداعي، اتجه الاهتمام بالمتلقي بوصفه عنصرًا مهمًا في العملية الإقناعية، وتنوعت الآليات الحجاجية ما بين إحياء الطرق الخطابية المنطقية عند أرسطو، وما أورده الفلاسفة من حجج عقلية للإقناع إلى اكتشاف الطاقات الحجاجية داخل اللغة، فاللغة تحمل في داخلها الكثير من الإمكانات التي تحاول التأثير في المتلقي، وتأتي القراءة الثقافية؛ لتؤكد على دور السياق الثقافي في الإقناع، وأنه ليس كافيًا من المبدع استخدام بنية حجاجية سليمة منطقيًّا ومؤثرة بلاغيًّا، وتحمل طاقات حجاجية لغوية ما لم توضع في السياق الثقافي المناسب لها، والذي يهيئ للمتلقي الاقتناع بالقضية المطروحة.
الإمبراطورية الإسلامية الكبيرة
كان القرن الرابع الهجري عصر الانحطاط السياسي، فقد انقسمت تلك الإمبراطورية الإسلامية الكبيرة، وتحولت إلى دويلات وإمارات، على رأس كل دويلة وإمارة حاكم يعترف بالسيادة الصورية للخليفة في بغداد، ويرسل له الهدايا، ويدعو له في المساجد بوصف ذلك نوعًا من الشرعية التي يكتسبها حرصًا على سلطته، فكلما أحس حاكم في نفسه القوة، استولى على إمارة واستقل بها.
ولم تسلم الحياة الدينية من فوضى، ومن فساد الحياة السياسية لذلك جاءت رسالة ابن القارح، ورسالة الغفران لتكون صورة صادقة عن سمت الحياة الدينية السائدة في ذلك العصر. وقد ساد الجو الثقافي لعصر الغفران مجموعة من السياقات الثقافية التي كانت سمة مميزة للمجتمع العباسي، وكان من أبرز هذه السياقات سياق الشعوبية والزندقة، وقد انبثقت الثانية من الأولى حيث كان العرب في البداية يتعصبون لجنسهم، فهم أول من حمل لواء الإسلام، ولهم الفضل والمزية على جميع شعوب الأرض، ومنهم خرج الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لذلك نظر العرب إلى أصحاب الأمم الأخرى نظرة استعلاء ومكابرة، وقد أطلقوا على كل من دخل الإسلام من غير العرب لفظ "الموالي"، وفي هذا اللفظ الكثير من الاستعلاء عليهم؛ فجاءت الشعوبية بوصفها ردًّا عنيفًا على هذه النظرة العربية.  

Cultural reading
آليات الحجاج

وكان رد الأمم الأخرى أكثر عنفًا، فهم لم يتمثلوا على الأقل تعاليم الدين السمحة، بل حطُّوا من شأن العرب ونزلوا بهم إلى أدنى المراتب، رغم كل المناصب العالية التي منحها العرب إياهم، وهكذا تحولت الشعوبية من مجرد سياق ثقافي ساد المجتمع العباسي بسبب اختلاف الثقافات وتصادمها، إلى نسق أدبي يتعارك من أجله الأدباء والشعراء، فقد أخذ الشعوبيون يؤلفون الكتب في مناقب الفرس والأمم السابقة، وتباهى الشعراء بأصلهم الأعجمي، وسارعوا إلى التمكن من علوم اللغة وحذقها؛ ليتباروا مع العرب بأصلهم وحضارتهم القديمة.
وقد كشفت الشعوبية عن وجهها الخبيث، فعندما كان العرب يستعلون على الموالي بأن الإسلام خرج من ظهرانيهم، وانتشر بأيديهم، نشطت في مقابل ذلك حركة الترجمة لأديان الأمم السابقة. فزرع هذا الشك والريبة في صدور الكثير من الشعوبيين الذين يضمرون في الأصل الحقد والكراهية للعربية، فأرادوا التخلي عن دينهم نكايةً في العرب، وحتى لا يكون للعرب أي فضلٍ عليهم، وهكذا تحولت الزندقة والطعن في أصول الدين الإسلامي إلى نسق ثقافي لكثير من الموالي.
وإن كانت هناك الكثير من التراكمات السياسية التي أدت إلى ظهورها إلى جانب الشعوبية، فعندما انتقلت الخلافة الأموية إلى العباسيين لم يحقق هذا مطلبهم؛ لأن الخلافة بذلك انتقلت من يد عربية أموية إلى أخرى عباسية، ومطمح نفوسهم أن تكون الخلافة منهم، وهذا لا يتحقق والإسلام له سلطانه، لذلك شرعوا في نشر الديانات القديمة مثل: المانوية، الزرداشتية، المزدكية، ومن هنا جاءت حركة الزندقة إحياءً لديانات الأمم القديمة؛ لذلك كان أغلب من نادوا بالشعوبية زنادقة.
يذكر أن كتاب "الحِجَاج والحوار في رسالة الغفران .. قراءة ثقافية" للباحثة مروة فتحي عبدالمحسن، صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. (وكالة الصحافة العربية)