مستقبل السرد: شبيك لبيك، عبدك بين إيديك

أشرف الخمايسي يؤكد أن مستقبل السرد "المتميز" في خطر.


السرد لم يكن على طول الوجود البشري، حكرًا على أمة دون أمة، أو حضارة دون حضارة، أو ديانة دون ديانة


اكتملت مأساة السرد المعاصر، عندما صار اهتمام الناشرين كبيرًا بالتعاقد مع الكاتب الذي صفحته، على الفيسبوك تعجّ بآلاف المتابعين.

يقول الكاتب أشرف الخمايسي: "لكلمة سرد معانٍ عديدة في لغتنا العربية، منها ما هو (فعل)، ومنها ما هو (وصف)، فنسج القماش فعل سردي، ونجوم السماء، إذا تتابعت منتظمة، توصف بالمسرودة، وقد اتفق في اللغة على أن التتابع هو الجوهر الأصيل للسرد، وعليه فإن السارد هو من يحكي الأحداث بتتابعها الكلاسيكي البسيط، معتمدًا حركة الشمس نمطًا لسرده، شروقًا، وظهيرة، وغروبًا، أو ما أشارت إليه المدارس النقدية بالبداية، والذروة، والنهاية. هكذا تتوالى الأحداث بانتظام حتى انتهاء القصة.
وفي شهادته التي قدمها لملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي يضيف الخمايسي: أنه بالنظر في السرد الأدبي المكتوب منذ الماضي الضارب في القدم، وحتى الماضي القريب، أي منذ عرف الإنسان الكتابة وحتى أوائل القرن العشرين، نجد أن هذا التعريف الكلاسيكي للسرد الأدبي معتبرٌ تمامًا، محترمٌ حد القداسة. 
في منتصف القرن التاسع عشر لاحت إرهاصات ثورة أدبية، واكبت الثورة التقنية، تمكنت، خلال قرن واحد، من إزاحة نمط السرد الكلاسيكي عن عرشه، وذلك عندما كتب الروائي الأميركي هرمان ملفيل رائعته "موبي ديك"، ليحرك السرد من منطقة الحكي بترتيب، إلى حكي دون ترتيب، ولم ينقضِ القرن العشرون حتى كانت البنى السردية العتيقة قد نُسِفت، وشُيِّدت بنى سردية جديدة، اعتمدت تشظِّي القصة، وتداخل أحداثها على غير نسق مرتب، إطارًا جديدًا للحكي، فيكتب المبدع المصري محمد حافظ رجب مجموعته القصصية الفارقة "شخصيات براد الشاي المغلي"، التي بلغ فيها تشظِّي السرد أعلى ذراه. 

Cairo forum for creative fiction
انهيار مركزية الأرض

وأوضح صاحب "منافي الرب" أن السرد لم يكن على طول الوجود البشري، حكرًا على أمة دون أمة، أو حضارة دون حضارة، أو ديانة دون ديانة، لكنه كان حكرًا على الإنسان دون جميع المخلوقات الأرضية، فسرد نثرًا وشعرًا وغناءً، وسرد كتبًا مقدسة، وظل السرد رتيبًا على مدى آلاف السنين، مقيدًا بنظرية فلكية، ورؤية دينية، تؤكدان على مركزية الأرض، ومنضبطًا بحياة، على ما فيها من صراعات بشرية حيوانية، أو بشرية بشرية، ظلت رتيبة، بطيئة، رتابة التجارة، وبطء الزراعة، الحرفتان الرئيستان للإنسان المتحضِّر، السارد، قديمًا.
ويضيف: بزغ عصر النهضة الأوروبية، وظهرت الآلة الميكانيكية، وهيمنت السرعة، وفشا العلم، لتنهار مركزية الأرض، وتتشتَّت أحاسيس الإنسان، الذي ما إن كاد يحلم بالهيمنة على الكون، الذي هو أرض وحيدة كبيرة، وشمس وأقمار ونجوم تطوف حولها، حتى فوجئ بأنه مهما امتلك من قوة علمية، فإنه سيهيمن على أرض ليس لها حجم فعلي، تسبح في كون هائل الجبروت والاتساع. هذه النقلة الحياتية البشرية الخاطفة، بين بطء التجارة والزراعة، وسرعة الاختراعات والابتكارات والاكتشافات العلمية، أصابت الإنسان بزلزال حقيقي، والتشظي إحدى أهم نتائج الزلازل الكبرى.
ويشير صاحب "انحراف حاد" أن هذا التشظِّي، وإن أفقد السرد هيبته، تلك اللصيقة بعظمة الأرض والإنسان، فقد منحه عديدًا من أساليب الحكي، التي منحته بدورها مزيدًا من المرونة والرشاقة، مكنَّته من التسلُّل إلى مناطق أبعد، وأعمق، من روح وعقل الإنسان، والتعبير عنها بعفوية، وصدق، يلازمان بالضرورة حالة إنسان متواضع، عرف مؤخرًا حجم نفسه وأرضه على الحقيقة.
حتى نهاية الألفية الثانية كان السارد يتعامل مع السرد كنبيٍّ يتعامل مع الوحي، ينزِّهه من أي غاية سوى الرسالة، فيكتب ليعلم وليصحِّح وليصلح، لا غاية أخرى من الغايات المادية الرخيصة تراوده عن سرده، وكان السارد يعلي من قدر سرده حتى ليواجه به أساطين الحكم الطواغيت، ويسجن في سبيل ذلك راضيًا، ويواجه به أساطين التطرف الديني الإرهابيين، مهما لاح اغتياله حاضرًا في الأفق.
حتى ذلك الحين كانت وسائل النشر محدودة جدًّا، ليس أوسع من أجزاء من صفحات في صحف ومجلات متفرِّقات، ومؤسسات ثقافية حكومية تتولَّى إصدار بعض السلاسل الأدبية، هكذا ظلت محدودية النشر عاملًا مغربلًا انتقائيًّا مهمًّا، يسهم في نشر الأفضل، ويمنع الرديء.
وقال: ببداية الألفية الثالثة قضت المدارس الأدبية نحبها، بعد أن أدت دورًا جليلًا لصالح السرد، لتظهر في الساحة الثقافية شِلل أدبية قائمة على تبادل أعضائها حق الانتفاع، فمنذ ذلك الحين بدا أن السرد يصلح لأن يكون مصدرًا من مصادر الدخل، بعد أن زادت مساحات النشر، واتسع نسيج الغربال، ودخل الخليج العربي، الثري، مجال الثقافة بعدد من الإصدارات التي تمنح عطاءً جيدًا مقابل نشر الأعمال والمواضيع الأدبية، لتهترئ بمرور الوقت تلك النظرة الرسولية البتولية القديمة للسرد، لصالح نظرة مادية حديثة عاهرة، دفعت السارد إلى تحويل اتجاه رحله، من روحه إلى جسمه. من عقله إلى جوفه، ما كان نتيجته الحتمية انهيار الكتابة ببطء.
ويرى صاحب "جو العظيم" أن الخليج العربي لم يكتفِ بإصدار المطبوعات الأدبية والثقافية، بل أنشأ عددًا من الجوائز مرتفعة القيمة الدولارية، منحت أولًا لكتَّاب ذوي حيثية، ما لون تلك الجوائز بصبغة تكريمية نبيلة، قبل أن يُمنحها لكتاب لا تمثل كتاباتهم قيمة حقيقية، معظمهم من شباب، إن امتلك الموهبة، لا يمتلك خبرة سردية تؤهله لنيل جائزة، ما أغرى ساردي الأحداث بكتابة سرد مهلهل، ولا غرو، إن كان باستطاعة السرد المهلهل اعتلاء منصات التتويج، واقتناص الجوائز ذات القيمة الدولارية الكبيرة.

غير أن الخمايسي يرى أن عاملًا أشد خطورة، سيكون له شأن سلبي على مستقبل السرد، ظهر في بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة، معربدًا في مختلف مناحي حياة الإنسان العربي، خصوصًا منحاه الثقافي، كاشفًا عن قدرة فائقة على الحشد والتوجيه، لدرجة أنه فجَّر، وأدار، احتجاجات شعبية كبرى، بحجم ثورات الربيع العربي. أقصد هذه الشبكة العنكبوتية، ومواقع التواصل الاجتماعي منها تحديدًا، حيث أمكن لكل راغب في الكتابة، أي كتابة، التواصل بسهولة مع جميع مكوِّنات الوسط الثقافي، من كتَّاب وقراء ومنشورات، بتضافر هذا مع ظهور عديد من دور النشر الخاصة، المهمومة بالتسويق الربحي، لا القيمي، اكتملت مأساة السرد المعاصر، عندما صار اهتمام الناشرين كبيرًا بالتعاقد لا مع الكاتب الذي يضيف إلى السرد، بل مع الكاتب الذي صفحته، على الفيسبوك تعجّ بآلاف، أو مئات الآلاف، من المتابعين، مهما كان كاتبًا لا يدري من أمر السرد شيئًا. 
ومع ظهور الرواية على الشعر والقصة القصيرة، وإقبال القراء عليها دونهما، لم يجعل لهما متسعًا في خطط نشر تلك الدور، وهما الفنان السرديان الأكثر حرفية، فعبرهما يمر السرد بمراحل تنقية، وتصفية، وتكثيف، لغوية جادة، في حين أن الرواية حمالة عيوبًا سردية بالجملة، هكذا لن يعني هجر القراء الشعر والقصة القصيرة، بغواية الرواية، وتواطؤ دور النشر مع مزاجهم لأهداف ربحية، سوى أن مستقبل السرد "المتميز" في خطر، حتى مع قيام المؤسسات الثقافية الحكومية بدورها المنوط بها في احتضان فني الشعر والقصة القصيرة، إلا أن عدم قيام هذه المؤسسات بالدور التسويقي اللازم، والحملات الإعلامية الضرورية، لإلقاء الضوء على ما تنشره، يجعل دورها، على أهميته، خابيًا، لا محسوسًا، ولا ملموسًا.
ويؤكد صاحب "الصنم" أنه إذا كان السرد، أولًا وأخيرًا، منتجًا ساردًا، وأن هذا السارد شخصية، وأن شخصية السارد هي الأرض التي يضرب فيها السرد بجذوره، يتغذى ويرتوي منها، ليثمر، فأي إثمار سردي إبداعي فارق، يمكن لساردي المستقبل إنتاجه، وقد استسلم الكتَّاب، من إنتاج مواقع التواصل الاجتماعي، والمتوقع تكاثرهم مستقبلًا، لا لشروط الإبداع، وإنما لشروط القارئ، ضاربين بدورهم، كقادة فكر، عرض الحائط، متقبلين، بلا غضاضة، دورًا عبثيًّا: "عفريت القمقم". ما إن يحك القارئ صفحته، على الفيسبوك، حتى ينبعث الكاتب من العالم الأزرق خاضعًا، صائحًا بحماسة: شبيك لبيك سيدي القارئ، كاتبك وعبدك بين إيديك!