مشبال يتناول القضايا الدلالية والفنية في الشعر المغربي

محمد مشبال يرى أنه لم تعد هناك قضايا معينة تشغل الشاعر المغربي كما كان الحال عليه سابقا.


الشعر حاليا منشغل بتأمل الذات في كوامنها أو في علاقاتها سواء بالوجود أو بالعالم أو بالآخر


موضوعات يثيرها بعض الشعر النسائي الراهن بشأن تحدي المرأة للواقع الثقافي الذكوري الذي يصر على أن يختزلها في الجسد بما يثيره من لذة محرمة


الاحتفاء بالذات أصبح سمة مشتركة بين الشعراء المغاربة في تجاربهم الجديدة

يستكمل الباحث المغربي محمد مشبال ما بدأه الباحث الجزائري د. عبدالقادر رابحي في حديثه عن راهن الشعر في المغرب العربي، وذلك في التقرير الأول لحالة الشعر العربي 2019 الذي أصدرته أكاديمية الشعر العربي بجامعة الطائف هذا العام.
وسعى بحث مشبال - الذي جاء في 30 صفحة - إلى الكشف عن القضايا الدلالية والفنية في الشعر المغاربي (والمغربي بشكل خاص) حيث أظهرت معظم النصوص انشغال الشعراء بالقضايا الذاتية؛ من قبيل تصويرهم الأحاسيس المترسبة من الطفولة والشباب، وتصويرهم لمعاناتهم وحنينهم وأحزانهم وجراحاتهم وأشواقهم وعلاقاتهم بموجودات العالم وبالشعر وبالآخر، من خلال لغة شعرية جديدة في سماتها وبلاغتها، لغة تنم عن خيال شعري يقوم على ابتداع غير محدود لصوره وأشكاله، حيث لم يعد الشعر منشغلا بالقضايا الاجتماعية والسياسية التي انشغل بها نظيره في العقود السابقة، قدر انشغاله الأساس بتأمل الذات في كوامنها أو في علاقاتها سواء بالوجود أو بالعالم أو بالآخر.
وقد قسم مشبال بحثه إلى قضايا موضوعية وقضايا فنية.
وعن القضايا الموضوعية أو الدلالية، أوضح أنه لم تعد هناك قضايا معينة تشغل الشاعر المغربي كما كان الحال عليه سابقا، فقد رفض بعض الشعراء المعاصرين ربط الشعر بالقضايا السياسية والاجتماعية الراهنة، فتراجعت هذه القضايا إلى الخلف تاركة مساحة الشعر لتشغلها لغة الفن الجميل التي تداخلت مع خطابات أخرى فكرية وتاريخية وأسطورية وغيرها؛ بحيث يمكن القول إن تحولا كبيرا حصل في مفهوم الشعر، مثل الاحتفاء بالذات الذي أصبح سمة مشتركة بين الشعراء المغاربة في تجاربهم الجديدة، ودلَّل مشبال على ذلك بقصيدة "قطرات الشموع السوداء" لعبدالله زريقة، وديوان "أقفال صغيرة" لعبدالله بلحاج، وديوان "الرقص بأطراف مستعارة" للشاعر الجزائري خالد بن صالح، وديوان "ممسكا بريشة عصفور" للشاعر التونسي عبدالفتاح بن حمودة.

الشعر المغربي يضم تجارب شعرية مهمة جديرة بالقراءة والتحليل، تجارب فتحت أفقا جديدا للشعرية العربية، على نحو ما فتحت أفقا نقديا جديدا

كما أشار الباحث إلى الموضوعات التي يثيرها بعض الشعر النسائي الراهن بشأن تحدي المرأة للواقع الثقافي الذكوري الذي يصر على أن يختزلها في الجسد بما يثيره من لذة محرمة، على نحو ما صنعت الشاعرة التونسية سامية ساسي في قصيدتها "نخبنا قبل نهاية كل عام".
ويتوقف مشبال عند ظاهرة لجوء عديد من الشعراء اليوم إلى السرد الروائي، بعد أن أثبت واقع النشر في العالم العربي أن قرّاء الشعر في تراجع مستمر، مشيرا إلى أن الشاعر ينتقل إلى الرواية  بخبرته اللغوية الشعرية التي قد تفيد منها الرواية.
ويرى الباحث أن ابتعاد الشعراء عن التفاعل مع حركة مجتمعاتهم وقضاياهم الكبرى جعهلم ينتجون نصوصا لا تنجح في خلق تواصل مع قارئ يبحث باستمرار عن الخيط الذي يرشده لفهم النص والاستمتاع بجمالياته، ويستثني من ذلك بعض الدواوين، مثل ديوان "عودة آدم" لعبدالرحيم الخصار لنجاحه في أن يوجد قصيدة متوازنة تراعي متطلبات الفن الشعري، وفي الوقت نفسه تستجيب لمتطلبات القارئ العام في تذوق الشعر. ويشير إلى أن الشاعر المغربي قد تجتذبه مجريات الحياة اليومية وألفاظها ومرجعياتها الثقافية ولا يتورع أن يستخدم ألفاظا عامية أو أجنبية في لغته الشعرية.
أما عن القضايا الفنية في الشعر المغربي فأشار مشبال إلى كسر الحدود بين الخطابات، وقال: لعل ديوان "رفات جلجامش" لصلاح بوسريف أن يكون أوضح مثال هذا الاختراق، وأن يكون مثالا قويا على انصهار البعد الفلسفي في الشعر عندما جعل إشكاليته التفكير في سؤال الوجود والعدم.

The case of Arabic poetry
تحول كبير في مفهوم الشعر

وتعد بلاغة التقريرية من القضايا الفنية التي رصدها الباحث حيث يلجأ بعض الشعراء إلى وصف مشهد بشكل تقريري مباشر ومحايد خال من المجاز، وضرب مثلا بقصيدة عبدالله بلحاج "في مكان ما". فضلا عن القصر والتكثيف وتشذير البناء النصي وتعد إيمان الخطابي من الشعراء المغاربة الذين يعتمدون تقنية النصوص الشعرية القصيرة مثل قولها: "الماء بسيطٌ / والأفاعي مزركشة"، كما يشير الباحث إلى استثمار الفضاء البصري في نصوص دواوين الشعر المغربي، حيث البياض أوسع مساحة من سواد الكلمات والأسطر الشعرية.
أيضا الانفتاح على السرد في بناء القصيدة يعد من القضايا الفنية التي توقف عندها محمد مشبال، وضرب مثلا بقصيدة "نستفز الموت" لعائشة بلحاج. كما أن السرد الشعري يتجلى بوضوح في نصوص عبدالله بلحاج، كما لجأ الشاعر الجزائري خالد بن صالح إلى السرد في قصيدته "دليل هاتف".
ويرى مشبال أن السرد الذي يلجأ إليه الشاعر بقدر ما يُغني القصيدة ويسبغ عليها جماليته الخاصة، يهددها في الوقت نفسه بالنثرية والمباشرة، ولكن الشاعر الحاذق يستطيع بما يمتلكه من حيل فنية أن ينقذ قصيدته من شبح هذه النثرية.
وفي النهاية يوضح الباحث محمد مشبال أن قراءته هذه لا تدعي الشمول، واستيعاب جميع الدواوين والنصوص الشعرية المغربية (والمغاربية) التي صدرت عام 2018 ولكن صاحبها يزعم أنه قرأ عديدا من هذه النصوص والدواوين الشعرية، بعضها كان موضوعا للتحليل والتعليق، وبعضها الآخر ظل يوجه أفكار قراءته، ويشكل دعامة خفية للخلاصات التي انتهى إليها البحث والتي يمكن إجمالها في أن الشعر المغربي يضم تجارب شعرية مهمة جديرة بالقراءة والتحليل، تجارب فتحت أفقا جديدا للشعرية العربية، على نحو ما فتحت أفقا نقديا جديدا.