مصداقية الشاعر الجاهلي في التعبير الوجداني

شعراء العصر الجاهلي هم الأكثر مصداقية في التعبير عما يدور في خلجاتهم من تعبيرات إنسانية مرهفة الإحساس.


الشاعر الجاهلي لم يكن يتصنع الحب أو يصطنع الغزل، وهو يعبر عنه بلغة جميلة غاية في السبك والنظم الفريد وقمم البلاغة


الحداثة راحت تحطم قواميس اللغة، وتخترق بحورها وأوزانها، ليعبث البعض بها على هواه، ظنا منه أن الإبداع

يعد شعراء العصر الجاهلي، من وجهة نظر كثيرين، الأكثر مصداقية في التعبير عما يدور في خلجات هؤلاء الشعراء الفحول من تعبيرات إنسانية مرهفة الإحساس، وهم ينحتون من بديع المعاني وجلال اللفظ ما يعطي صورة بلاغية مرهفة، لمن تهوى قلوبهم، ولما يعانونه من وجد وصبابة لمن يحبون أو يعشقون، حقه من الاهتمام، بما يرتقي إلى حجم عذابات القلب ولوعته، حين يسلم الشاعر مقدراته إلى من تهواه القلوب، ويرتقي بلغته إلى حيث الصفاء الروحي والقيمي في التعبير الوجداني، وهو، أي الشاعر الجاهلي،  وإن كان فارسا، تصهل جياده في ميادين الوغى، إلا أنه ما أن يقع بمواجهة الحبيب حتى يخر صريعا، ليس بمقدور هذا الفارس الذي صارع أقدارا كثيرة، أن يكون بمقدوره الوقوف على قدميه!
وقصيدة عنترة بن شداد، وهو يوجه رسائله الشعرية إلى عبلة في أوج خوضه لغمار المعارك وصولات حروبه، شاهدة على تلك الحالة من القدرة على التعبير عن التعلق بالحبيب، وهو يصهل بفرسه، ليصارع من يعده خصما ينبغي منازلته، أو توجيه سهام القتال لكي يظفر به، بالقول :
ولقد ذكرتك والرماح نواهل ** مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها ** لمعت كبارق ثغرك المتبسمِ
لم يكن الشاعر الجاهلي يتصنع الحب أو يصطنع الغزل، وهو يعبر عنه بلغة جميلة غاية في السبك والنظم الفريد وقمم البلاغة، في التعبير الوجداني الأصيل، ترتقي الى مستوى العشق الأزلي المتوقد شوقا وتوقا إلى رؤية الحبيب والتغزل بمفاتنه، وهو يصور لنا تلك المشاعر بصدقية اللفظ والمعنى، وغزارة التعبير الروحي، إلى الحد الذي يقع العاشق صريعا، وهو الفارس المجرّب، الذي شهدته ساحات الوغى، لكن حبيبة سلبت فؤاده حبا وهياما وعشقا، تحيله إلى كهل، ويروح وجهه مصفرا، كأنه يداعب خصلات أشعة الشمس، من شدة خجله وعدم قدرته على التعبير عما يدور في قلبه من خلجات إلا في ظل بعد الحبيب، ويجد في حالات الفراق المجال الأكثر تعبيرا عن حالة الوصف التي ترتقي بالحبيب إلى مكانات العلا، والقمر المقدس الذي يرى في وجه حبيبته، أنها الأقرب مثالا إلى هذا الكوكب السماوي، وهو يمنحه سحرا خلابا يقترب من سحر الحبيب بعد أن ينير ليالي ظلمته، ليكسيها بشعاعه السرمدي، ألقا وسحرا وكبرياء وشعورا عارما، بأن الحبيب الذي يسري في كيانه وما بين خلجاته، هو القمر اللؤلوي نفسه الذي يعده حلمه الجميل في ليالي الظلمة!!

اكتشاف مدلولات أخرى للغة وتركيبات تختلف كثيرا عن عصر الجاهلية الذي يعده "البعض" من المحدثين أنه بدا قاصرا عن مواكبة التطور العصري وحاجات الإنسان التي تعددت كثيرا هذه الأـيام

ويعبر شعراء الجاهلية من خلال قصائدهم عما يختلج في وجدانهم من حالات الشوق والعشق وإظهار الحب للحبيب في أبهى صوره، وهم صادقون في التعبير عن تلك المشاعر الوجدانية، وتجد معالم عشقهم وقد تحولت إلى قصص يذكرها التاريخ، على أنها شواهد حقيقية، وتعبيرات روحية نابعة من أصالتهم وشجاعتهم، وقدرتهم على إبداع أجمل القصائد التي تتغنى بالحبيب ووصف سيل المشاعر التي تنتاب خلجات القلوب، وكيف يمكن بمقدورهم أن يتحملوا الصعاب والمآسي، وهم لا يكلون ولا يملون من كل ما يواجههم من متاعب وذكريات مريرة، وهو - أي الشاعر - يريد ان يؤكد لمن يحب، أنه فارس الميدان الذي لا يقبل أن ينازعه أحد على تلك المكانة، في أن يكون العاشق الأوحد، وهو يظهر حبه لحبيبته إلى حد الوله بها، والموت عشقا من أجلها، عله يكون بمقدوره أن يظفر بها في يوم ما، بالرغم من ان أغلب قصص العشق في العصر الجاهلي، لم تصل في نهاية المطاف إلى أن يظفر بحبيبته، أو أن تكون شريكة عمره، كما كان يتمنى، أو هكذا رسمت له الأقدار  ماكان لم يخطر على بال!!
وامتدت إبداعات الشعراء في العصرين الأموي والعباسي، في مجال التعبير الوجداني الأكثر عمقا والأكثر أصالة، وإن كانت بدرجة أقل، لكن الكثيرين حاولوا أن يحافظوا على الكثير من قيمها وما أرسته من مباديء أخلاقية وسمات إنسانية غاية في الرقي وفي التعبير الوجداني المولع في وصف الحال حد الوله، وما إن حلت عصور التاريخ المظلمة حتى راحت القصيدة العربية تدخل مرحلة "الصناعة اللفظية" واختلاق قصص الحب والعشق، ولا تجد لغة التعبير الوجداني وآهاتها، وهي تغور في أعماق النفس البشرية، كما كان شعراء العصر الجاهلي، وراح البعص يتصنع القصيدة أو يسعى إلى "إختلاق" الحالة الوجدانية، ومنهم من يرسم صورة وجدانية، لم تكن واضحة المعالم، وربما لا تعبر حقيقة عما يختلج في داخله من آهات ومشاعر، أضفت حالة الاختلاق في نسج المشاعر، وسيلة للشهرة ربما، ومرة أخرى في القدرة على اختلاق المشاعر أو "تصنيع المشهد الرومانسي"، لكي يحاول اللحاق بمن سبقوه،  لكن ما أن تتمعن في مدلولاتها حتى تجد المصداقية قد غابت عنها، وهي مجرد تعبير لغوي يفتقر إلى عالم الروح، وكيف يسرح خيالها ويمرح، في واحات، لم تعد خضراء، كما أن الماء يختفي من معالمها، ولم يكن الوجه الحسن يستحق الإشادة، بعد أن غمر التصنيع الجمالي كثيرا من معالم المرأة، وأصبح التغزل بها من قبيل "التصنع" وليس رغبة في إظهار المشاعر الحقيقية، وإن وجدت مشاعر ووجدانيات، فهي تبدو مطعمة بـ: التصنع، واختلاق المشاعر، لمجرد الرغبة في الظهور أو القدرة على مجاراة زمن العشق علّه يكون بمقدوره أن يقترب من آهاته ولغته التعبيرية، دون جدوى!

وحافظ العصر العباسي على موروث الأصالة العربية وفنها الرفيع في البيان السحري. وتعد قصيدة بن زريق البغدادي: 
اِستَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً  ** بِالكَرخِ مِن فَلَكِ الأَزرارَ مَطلَعُهُ 
شاهدا آخر على ما نقول:
لا تَعذَلِيه فَإِنَّ العَذلَ يُولِعُهُ ** قَد قَلتِ حَقاً وَلَكِن لَيسَ يَسمَعُهُ
جاوَزتِ فِي نصحه حَداً أَضَرَّ بِهِ ** مِن حَيثَ قَدرتِ أَنَّ النصح يَنفَعــُهُ
فَاستَعمِلِي الرِفق فِي تَأِنِيبِهِ بَدَلاً  ** مِن عَذلِهِ فَهُوَ مُضنى القَلبِ مُوجعُهُ
يَكفِيهِ مِن لَوعَةِ التَشتِيتِ أَنَّ لَهُ ** مِنَ النَوى كُلَّ يَومٍ ما يُروعُهُ
اِستَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً ** بِالكَرخِ مِن فَلَكِ الأَزرارَ مَطلَعُـــهُ
وَدَّعتُهُ وَبوُدّي لَو يُوَدِّعُنِي ** صَفوَ الحَياةِ وَأَنّي لا أَودعُـهُ
وَكَم تَشبَّثَ بي يَومَ الرَحيلِ ** ضُحَىً وَأَدمُعِي مُستَهِلّاتٍ وَأَدمُعُهُ
هذه هي خلاصة، ما يواجه القصيدة العربية الغزلية، وما ينتابها من تطور، تحت عناوين الحداثة، ربما قضى على معظم أصالتها، وأحالها إلى هياكل من حالات التعبير، التي يصعب على البعض فهم مدلولاتها، وربما يحتاج البعض إلى "شفرات" لفك طلاسمها ورموزها، ولن يكون بمقدور القصيدة الحديثة، من تسلق ذرى المجد، أو تحاول الاقتراب من أصول الشعر الجاهلي، وبدا الافتراق عالما واضحا، وراحت الحداثة تحطم قواميس اللغة، وتخترق بحورها وأوزانها، ليعبث البعض بها على هواه، ظنا منه أن الإبداع، هو في اكتشاف مدلولات أخرى للغة وتركيبات تختلف كثيرا عن عصر الجاهلية الذي يعده "البعض" من المحدثين أنه بدا قاصرا عن مواكبة التطور العصري وحاجات الإنسان التي تعددت كثيرا هذه الأـيام، لتقترب من العصر التكنوإلكتروني، في غزوه للعالم وسيطرته على عقول البشر، وهناك ربما "مشروعية" لمثل تلك التبريرات.