من كُردستان الى طرابلس… التحالف المحرَّم بين القذافي والقضية الكُردية
تحتلّ القضية الكُردية موقعاً مركزياً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، نظراً لكونها من أقدم القضايا القومية غير المحسومة في المنطقة. ويتناول هذا المقال الدور الذي لعبه العقيد الراحل معمر القذافي في دعم الحركة الكُردية خلال عقود متقدمة من القرن العشرين، مستنداً إلى شهادات عدد من القادة الكُرد البارزين، وعلى رأسهم السيد مسعود بارزاني وجلال الطالباني.
ويهدف المقال إلى تحليل أبعاد هذا الدعم وأسبابه وطبيعته، إضافة إلى استقراء أثره في مجريات القضية الكُردية وعلاقاتها الإقليمية. كما يسلّط الضوء على رؤية القذافي لمسألة استقرار الشرق الأوسط وارتباطها بحلّ القضية الكُردية ومنح الكُرد حقوقهم القومية المشروعة.
وبينما تعدّدت المواقف السلبية الإقليمية والدولية تجاه القضية الكُردية، ولا سيما في الأوساط العربية آنذاك، برزت بعض المواقف الاستثنائية التي خرجت عن الإطار التقليدي. ومن بين هذه المواقف، موقف الرئيس والعقيد الراحل معمر القذافي، الذي أظهر دعماً سياسياً ومالياً وعسكرياً للحركة الكُردية في فترات حرجة وصعبة جداً، وعلى مدى أربعة عقود، وهو ما وثّقه قادة كُرد بارزون في مذكّراتهم، وعلى رأسهم السيد مسعود بارزاني والراحل جلال الطالباني.
خلفية تاريخية للعلاقات الليبية – الكُردية:
بدأ الاهتمام الليبي الرسمي بالقضية الكُردية منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، في فترة كانت فيها الحركة الكُردية، بقيادة الزعيم مصطفى البارزاني، تخوض صراعاً عسكرياً وسياسياً صعباً ومفتوحاً مع الحكومة العراقية. وقد أدّت التحولات السياسية الإقليمية حينذاك إلى بروز حاجة الحركة الكُردية إلى التمويل والتسليح والدعم السياسي الخارجي، وهو ما لبّته ليبيا في مراحل عدّة.
وعلى الرغم من تباين سياسات العقيد القذافي في محيطه العربي، فإن موقفه من الشعب الكُردي والقضية الكُردية شكّل استثناءً مثيراً للاهتمام، إذ نظر إلى القضية الكُردية بوصفها قضية تحرّر قومي، وليست مجرّد حالة انفصالية أو تمرّد سياسي.
دوافع القذافي ودلالات دعمه للقضية الكُردية:
تشير شهادات القادة الكُرد إلى أن القذافي كان يحمل قناعة راسخة بأن استقرار الشرق الأوسط مرهون بحلّ القضية الكُردية بطريقة عادلة. وقد اعتقد أن استمرار حرمان الكُرد من حقوقهم سيُبقي المنطقة في حالة توتّر دائم. كما استند القذافي في دعمه للكُرد إلى عدة دوافع، يمكن تلخيص أبرزها كالآتي:
1 رؤية قومية أممية: تبنّى القذافي خطاباً يناهض ما اعتبره "هيمنة الأنظمة المركزية" على القوميات، علماً أن الشعب الكُردي ليس أقلية قومية.
2 اعتبارات سياسية استراتيجية: رأى في دعم الحركة الكُردية وسيلة لموازنة علاقاته الإقليمية في مواجهة بعض الأنظمة العربية.
3 منظور أيديولوجي: اعتبر القذافي القضية الكُردية امتداداً لصراع عالمي من أجل التحرّر، بما يتّسق مع خطابه الثوري.
الدعم المالي والعسكري ودوره في مسار النضال الكُردي:
وثّقت روايات الرئيس مسعود بارزاني والرئيس الراحل جلال الطالباني، إلى جانب شهادات قيادات أخرى في الحركة التحرّرية الكُردية، أن ليبيا قدّمت للحركة الكُردية مساعدات مالية وتسليحية، سرّاً وعلناً، وفي أصعب مراحل كفاحها، حتى بعد تصالح القذافي مع الرئيس الراحل صدام حسين، أثناء انعقاد قمة بغداد عقب توقّف الحرب العراقية – الإيرانية.
وقد جاء هذا الدعم في فترات كانت الحركة الكُردية تعاني فيها من حصار سياسي وعسكري وإعلامي ودولي، وكان الدعم الخارجي محدوداً جداً، فيما كان الكُرد بحاجة ماسّة إلى الوسائل التي تضمن استمرار مقاومتهم.
وساهمت هذه المساندة في تعزيز قدرات قوات البيشمركة، وفي تمكين الحركة الكُردية من مواصلة نضالها ضد السياسات القمعية التي واجهتها آنذاك.
العلاقات الشخصية والسياسية مع القادة الكُرد:
تميّزت علاقة القذافي مع القيادات الكُردية بطابع شخصي وسياسي متداخل. وتُشكّل زيارات الرئيس مسعود بارزاني إلى ليبيا، ومن بينها زيارته للقذافي قبل سنوات قليلة من سقوط النظام الليبي، دليلاً واضحاً على متانة العلاقة.
كما رافقه في تلك الزيارة نجله الأكبر مسرور بارزاني، الذي يشغل اليوم منصب رئيس حكومة إقليم كُردستان، وهو ما يعكس عمق الروابط بين الطرفين وامتدادها عبر الأجيال.
أثر هذا الدعم في الذاكرة السياسية الكُردية:
يمتلك الشعب الكُردي ذاكرةً جمعية تُعرف بوفائها لمن يساند نضاله، وفي الوقت نفسه بعدم نسيان الغدر والطغيان. ومن هذا المنطلق، بقي وسيبقى اسم معمر القذافي حاضراً في الوعي الكُردي بوصفه أحد القادة الذين قدّموا دعماً للشعب الكُردي في أشدّ لحظات الضرورة.
ولا تزال المواقف التي عبّر عنها القذافي حول عدالة المطالب الكُردية تُعدّ من الموضوعات المتداولة في الأوساط الأكاديمية والإعلامية الكُردية، نظراً لاختلافها عن الخطاب السائد في تلك الحقبة.
وتُظهر التحليلات التاريخية أن دعم معمر القذافي للقضية الكُردية لم يكن موقفاً عابراً، بل استند إلى رؤية سياسية وأيديولوجية اتسمت بالجرأة في سياق عربي حساس تجاه القضايا القومية. وقد ترك هذا الدعم أثراً واضحاً في الذاكرة الكُردية، لا سيما في ظل ندرة الأطراف التي قدّمت مساندة عملية للحركة الكُردية في أكثر مراحلها صعوبة.
وعلى الرغم من الجدل الواسع حول إرث القذافي في ليبيا، فإن علاقته بالقضية الكُردية تُعدّ إحدى المحطات التي يذكرها الكُرد بتقدير، وتبقى شاهداً على مرحلة مفصلية من تاريخ نضالهم القومي قبل الوصول إلى الإنجازات السياسية المعاصرة في إقليم كُردستان.