نجيب محفوظ في 'قشتمر' خارج الموضوع

رغم ان رواية 'يوم قتل الزعيم' أو 'ميرامار' تشكل مثلاً للرواية الصوتية أو رواية الشخصيات عند اديب نوبل، ورواية مثل 'زقاق المدق' تُصنف ضمن رواية المكان، فان آخر رواياته تجمع بين الاثنين معًا.

تلعب المقاهي دورًا كبيرًا في الحياة الأدبية في كثير من دول العالم، وبالذات في مصر، وقد حدثنا الناقد رجاء النقاش والكاتب محمود السعدني كثيرًا في مقالاتيهما عن بعض المقاهي التي كانت تجمع عددًا من النقاد والأدباء أمثال د.عبدالقادر القط، وأنور المعداوي، ونجيب محفوظ، وصلاح عبدالصبور، وغيرهم.

وقد اشتهر من بين المقاهي التي يجلس عليها الأدباء والنقاد في القاهرة غير مقهى، مثل مقهى الفيشاوي ومقهى عبدالله ومقهى علي بابا ومقهى ريش وغيرها، بعض هذه المقاهي لا يزال موجودًا، والبعض الآخر اندثر أو تحوَّل إلى نشاط آخر تبعًا لمتغيرات الزمن.

اختار نجيب محفوظ في روايته "قشتمر"، والتي تعد آخر رواياته 1988، مقهى معينًا في حي العباسية بمدينة القاهرة – سواء أكان موجودًا في الواقع أو متخيلا، لتدور فيه أحداث الرواية، بل يسمي الرواية باسم هذا المقهى، وهو "قشتمر". وهو بذلك يذكّرنا بأسماء رواياته التي اتخذت من المكان اسمًا له مثل خان الخليلي، وزقاق المدق، والثلاثية، وميرامار، بل يذكرنا بأسماء تلاميذه الذين فعلوا الشيء نفسه، فاتخذوا من أسماء الأماكن عناوين لبعض رواياتهم مثل "جبل ناعسة" و"الهماميل" لمصطفى نصر، و"العطارين" لمحمد عبدالله عيسى، و"وكالة الليمون" لسعيد بكر، و"البياصة" لمحمد الصاوي، و"بوابة مورو" لسعيد سالم، و"ديروط الشريف" لمحمد مستجاب، وغيرهم.

لقد لعب مقهى قشتمر دورًا كبيرًا في حياة شخصيات الرواية الخمس. لقد تعرفوا إلى هذا المكان الصغير في أواخر عام 1923 وأوائل عام 1924 وكان عمرهم آنذاك لا يتعدى الرابعة عشرة، فهم جميعًا من مواليد 1910 في شهور مختلفة. يقول الكاتب عن مقهاهم: "هكذا عرفنا قشتمر ودون أن ندري أنه سينعقد بيننا وبينه زواج لا انفصام له، وأنه سيصغي بصبر وتسامح إلى حوارنا مستوصيًا بصبره وتسامحه".

إن نجيب محفوظ يرسم لنا بدقة مكان المقهى، ثم يصفه لنا بقوله: "المقهى بعيد عن الأنظار يقع عند التقاء الظاهر بشارع فاروق، صغير، جديد وجميل، وذو حديقة صيفية صغيرة، وما علينا إلا أن نختار ركنًا منزويًا للسمر ولعب الطاولة وشرب الشاي والقرفة والقازوزة، بل يذهب إلى أكثر من ذلك خلال تضاعيف الرواية، فيقول عن قشتمر أنه "ظل أحب الأماكن إلينا، بل هو المأوى الذي نخلو فيه إلى أنفسنا، ونتبادل عواطف المودة"، بل إنه يصبح فوق ذلك وطنًا ثانيًا لهم، بل يمسي شخصًا سادسًا معهم، كما يمسون هم ركنًا فيه، وهكذا يبلغ الولَه بالمكان عند نجيب محفوظ حده إلى الدرجة التي تجعل من هذا المكان شخصًا أو صديقًا أو كائنًا حيًّا يجلس معهم ويبادلهم الحوار وعواطف الصداقة والمودة، وينتظرهم مساء كل ليلة.

أما أصدقاء "قشتمر" فهم خمسة، لا شك أن محفوظ واحد منهم، ولكنه كالعادة لا يريد أن يُقحم نفسه على القارئ، ويكتفي بالتأمل والملاحظة والاستماع ثم الحكي والسرد والتذكر، وبالتالي فهو يأخد دور الراوي في هذه الرواية. إنه منذ الصفحة الأولى يعتبر نفسه "خارج الموضوع"، فيقول عن المجموعة: "الخمسة واحد، والواحد خسمة، منذ الطفولة الخضراء وحتى الشيخوخة المتهادية حتى الموت. اثنان منهم من العباسية الشرقية، واثنان من الغربية، والراوي أيضا من الغربية، لكنه خارج الموضوع".

أما الأربعة الباقون؛ فهم صادق صفوان، ذلك الشاب المؤدب المهذب المتدين الذي سيصبح من أكبر تجار العباسية فيما بعد، وحمادة يسري الحلواني الذي سيرث ثروة كبيرة عن أبيه وأمه، فيبدِّدها على نزواته وسهراته وحماقاته وإرضاء غرائزه، وإسماعيل قدري سليمان الذي كان يحب المحاماة، ولكنه يلتحق بكلية الآداب، ثم يُرفت منها ويُعين بدار الكتب موظفًا بسيطًا، وطاهر عبيد الأرملاوي الذي يريده أبوه الباشا أن يصبحَ طبيبًا مثله، ولكنه يقع في عشق الشعر والأدب فيهجر أسرته، ويصبح شاعرًا غنائيًّا مشهورًا.

ولئن كانت رواية "يوم قتل الزعيم" أو "ميرامار" مثلاً للرواية الصوتية أو رواية الشخصيات عند نجيب محفوظ، ورواية مثل "زقاق المدق" هي رواية المكان، فإن رواية "قشتمر" جمعت بين الاثنين معًا، بمعنى أنها رواية مكان ورواية شخصيات، فضلا عن أنها رواية زمان.