'نحو تفكير كردي جديد': من تشخيص الفشل إلى بناء الأسس العشرة للفكر القومي المعاصر

الباحث حواس محمود يقدم في كتابه تشخيصا عميقا للواقع الكردي ومقترحات عملية لبناء فكر قومي معاصر، بعيدا عن الاستسلام للعاطفية أو التبعية السياسية.

يعد كتاب "نحو تفكير كردي جديد" للكاتب والباحث حواس محمود، محاولة فكرية رصينة ومستقلة لتشخيص الأزمة الكردية، وخاصة في كردستان سوريا، ووضع العلاج اللازم لها. ينطلق المؤلف من همٍّ كردي لازمَه منذ الصغر، متتبعاً لثورة الزعيم الكردي الراحل الملا مصطفى البارزاني ونشاطات الحركة السياسية الكردية. ويؤكد حواس محمود على أن كتابه هذا هو نتاج قراءات فكرية وفلسفية وثقافية عديدة، وقد كتبه محللاً ومُبدياً لوجهة نظره في سبل تطوير هذه الحركة، وحرص على أن يكون "فكرياً مستقلاً بعيداً عن التحزب أو الانحياز إلى أحد الأطراف السياسية سابقاً أو لاحقاً". ويوضح المؤلف أن بعض مقالات الكتاب كانت قد نُشرت سابقاً بأسماء مستعارة، منها اسم "كوران شيخو" في الصحف الكردية التي كانت توزع سراً، وتم إعادة نشرها هنا باسمه الصريح.

ينطلق الكتاب والصادر في طبعته الأولى عام 2024 عن دار الزمان للطباعة والنشر والتوزيع، من ملاحظة أساسية مفادها أن الحرب السورية أثرت تأثيراً كبيراً على الوضع السياسي الكردي، وأن الحركة السياسية الكردية لا تزال متأخرة كثيراً عن القيام بواجباتها تجاه الشعب الكردي. ويصف حواس أداء الحركة السياسية الكردية بجميع أحزابها بأنه "الأقرب إلى الفشل إن لم نسميه فشلاً شاملاً"، وأن الشعب الكردي يعيش ظروفاً معيشية وسياسية صعبة جداً. ويشير تحديداً إلى تعثر الحوار الكردي- الكردي رغم الوساطات الدولية، بسبب أن الأطراف المتحاورة "لا تملك زمام قراراتها لأنها تابعة لقوى ومراكز خارجية".

يُشكّل الباب الأول من الكتاب، وعنوانه "في الفكر والسياسة"، المحور التشخيصي الذي يسعى فيه المؤلف إلى استكشاف أسباب "غياب منظومة فكرية موحدة" لدى الكرد. ويقرر الكاتب أن كل شعب مضطهد يحتاج إلى منظومة فكرية تتكون بالاستناد إلى جملة من الظروف والعوامل التاريخية، والثقافية، والاجتماعية، والسيكولوجية، والاقتصادية، وتتكون عبر عملية التفاعل والتجادل بين الوعي والواقع. أما بخصوص الكرد، فيرى المؤلف أن الفكر غائب بسبب سيطرة "الأيديولوجيات" و"سطوة السياسي بالمعنى اليومي المحدود"، إضافة إلى "حالة التجزئة" التي يعاني منها الشعب الكردي، وظروف المرحلة الانتقالية المتمثلة في عدم تقرير مصيره حتى الآن، مما أفقده حالة الاستقرار اللازمة لتكون ملامح فكر كردي معاصر.

ويرى حواس محمود أن مظاهر غياب الفكر الكردي المعاصر تتمثل في عدة نقاط أساسية:

أولا التشتت الحزبي والولاءات الخارجية: الأيديولوجيات السياسية هي الأدوات المؤسساتية المتمثلة في الأحزاب الكردية. هذه الأحزاب، رغم تنوعها الشكلي واختلافاتها الأيديولوجية المصطنعة والنابعة من انتماءات وولاءات لأحزاب كردستانية أخرى، تتماثل مضمونياً في "غياب فكر متماسك في منظومته". وحدثت الكثير من الانقسامات والتشرذمات بالاستناد إلى الولاءات الكردستانية الخارجية، وفي غياب الاختلاف الفكري الحقيقي.

ثانيا التشتت القطيعي: يصف المؤلف حالة التشتت الحزبي وتبعية بعض الناس لها بـ "التشتت القطيعي"، حيث يتبع المريدون والأنصار القائد في ولائهم المطلق الذي يشبه "الولاء العشائري".

ثالثا ضعف الدور الثقافي للمثقف: غياب دور المثقفين الذين تركوا صفوف الأحزاب وبدأوا العمل بجهود فردية. وما يؤخذ على نتاجهم هو "قلة الاهتمامات الفكرية والتاريخية والتحليلية والنقدية والاستراتيجية"، وهو ما يفتقده الكرد بشدة لمعالجة أزماتهم.

رابعا العاطفية واللامبالاة الجماهيرية: تسود حالة من اللامبالاة تجاه الأحزاب والمثقفين، وتغلب "العاطفية المطلقة"، وتغيب "الأجواء العقلانية". ويصف المؤلف الحوار بأنه يتسم بالانفعال والصراخ، ويتمسك فيه كل طرف بمسلمات ومقولات محفوظة دون هدوء، مما يهدد المجتمع الكردي بـ"الانقسام الاجتماعي".

ويقسم حواس أسباب غياب الفكر إلى قسمين: الظرف الاجتماعي - التاريخي والظرف السياسي والثقافي. فمن الناحية الاجتماعية - التاريخية، يرى أن الأوهام والخرافات والرومانسيات لا تزال تسيطر على عقلية الإنسان الشرقي. وهناك نقص في الوعي القومي، والتأثر بالفكر العشائري، والتبعية للزعامات الفردية، وضعف الموروث الكتابي، وغياب العقل الجمعي المؤسساتي الفاعل. كما يرى أن الوعي القومي الكردي لم يتبلور كانعكاس للضرورات الاقتصادية والاجتماعية، بل كان "محاكاة للطموحات القومية للشعوب الأخرى" و"رد فعل" على السيطرة السياسية.

أما الأسباب السياسية والثقافية، فتتمثل في "سطوة السياسي على الثقافي"، وتشتت الشعارات، وتناقض المقولات، وارتباك البرامج، مما أثر كثيراً في غياب فكر كردي استراتيجي. ويرى أن النمط السياسي الحالي أقرب إلى "إبداء وجهة نظر منه إلى منظومة فكرية متناسقة". وينتقد المؤلف التنظيمات السياسية لعدم استفادتها من جهود المثقفين في مؤسسات ملحقة متخصصة في الدراسات التاريخية والفكرية. كما يشير إلى أن المنح الدراسية للطلبة الكرد ركزت على العلوم العادية (كالطب والهندسة) وغابت عنها "الدراسات الفكرية – التاريخية– الفلسفية – الأدبية– التراثية". ويؤكد أن التراث الكردي لم يُجمع ويدرَس ويُوظَّف لخدمة الحاضر والمعاصر، على الرغم من أن المجتمع لا يزال تسوده قيم القبيلة والعشيرة والدين والخرافة، وثقافته تتعرض للسرقة والتحريف.

الكتاب ينطلق من ملاحظة أساسية مفادها أن الحرب السورية أثرت تأثيرا كبيرا على الوضع السياسي الكردي

يُقدم حواس في ختام الفصل الأول ما يسميه "أسس بناء فكر قومي معاصر"، كـ"محاولة أولية" لمواجهة ما آلت إليه الحالة الكردية من "فوضى سياسية" (قد تكون قريبة من الطوباوية قياساً بالوضع الراهن). وتتكون هذه الأسس من عشر نقاط جوهرية: أولا بناء المؤسسات الثقافية والفكرية: يجب تأسيس مؤسسات عمادها المثقفون الكرد "المستقلون" والشخصيات المتنورة لدراسة الواقع الكردي (السياسي، الاجتماعي، الاقتصادي)، على أن تكون مخرجاتها مراجع أكاديمية لكل سياسي وتنظيم حزبي. ثانيا التركيز على العقلانية: الدعوة للانتقال من "العاطفية والشفافية الشعورية" والموجات الوجدانية إلى "العقلانية" وضبط الأنفس، وتشجيع الجماهير على قراءة الكتب الفكرية للباحثين والمحللين الكرد. ثالثا نبذ عبادة الشخص: التأكيد على عدم عبادة الشخص، وخاصة "الزعيم"، وضرورة توظيف الخاص في خدمة العام، والقائد في خدمة الحزب، والحزب في خدمة الشعب، والشعب في خدمة القضية القومية المشروعة. رابعا التأكيد على حوار الهدوء والمحبة: نبذ الحوارات الانفعالية الصارخة، والتأكيد على أجواء "الهدوء والمحبة"، واعتبار الاختلاف مسألة عادية، والتركيز على مصالح "الكل الكردستاني". خامسا الجزء في خدمة الكل: تصحيح المقولات الخاطئة التي تقول بوجوب خدمة الكل الكردستاني للجزء الكردستاني. والصحيح هو أن "يوظف الجزء في خدمة الكل"، وأن تكون خطوة كردستان (كالعراق أو تركيا) خطوة باتجاه كردستان عموماً. سادسا عدم الاعتماد على الأنظمة الغاصبة: عدم استخدام الأكراد كورقة بيد الأنظمة الإقليمية أو الدولية، وتطبيق مبدأ "عدم الاعتماد على أنظمة الكيانات الغاضبة لكردستان"، وهو شرط أساسي لفكر كردي معاصر. سابعا تأسيس مرجعية عليا: تأسيس مرجعية عليا في كل جزء من كردستان ومرجعية عليا عامة لكردستان تتشكل من المثقفين والشخصيات المتنورة، وتكون وظيفتها التنوير ووضع الأسس اللازمة للتعامل القومي. ثامنا تسخير النظرية لخدمة الممارسة: تسخير كافة الجهود النظرية لخدمة العملية الممارسية، بمعنى أن ننقد القول النظري الذي تكون ممارسته غير صائبة، مشيراً إلى أن هذا هو "ضعف في الفكر الكردي" والقضية الكردية. تاسعا التكتيك في خدمة الاستراتيجية: يجب أن يخدم التكتيك الاستراتيجية وليس العكس. ويحذر من اعتماد الأحزاب الكردستانية على "الأنظمة الغاصبة لكردستان"، مما يؤدي إلى الإضرار بالقضية القومية. عاشرا الاستفادة من الثورة المعلوماتية: تطوير الإعلام الكردي والدبلوماسية، والاستفادة من الثورة المعلوماتية والتكنولوجية، وتخصيص كوادر متقدمة في المهجر وظيفتهم الاتصال بالمنظمات الديمقراطية وأصحاب القرار لخدمة القضية الكردية.

الكرد وغياب النقد: التربّع في وحل الأزمة

يتعمق حواس في الفصل الثاني من الباب الأول المعنون بـ"الكرد وغياب النقد"، في تحليل جوانب الأزمة، مؤكداً أن المشهد السياسي الكردي مضطرب ومحفوف بالإشكالات. ويرى أن هذه القضايا تستعصي على الفهم بسبب غياب المختصين المحايدين، وعلى المعالجة بسبب إحجام "السياسيين" عن تقبل النقد الموضوعي وتفهمه، بل إنهم ينظرون إليه بروح الانزعاج وقد يصل الأمر إلى "درجة معاقبة الناقد" بأساليب متعددة.

يناقش حواس مسألة إلقاء اللوم على الأنظمة الاستبدادية فقط في تشتت الكرد، معتبراً أن الكرد "ليسوا على صواب وحق" في ذلك، ففيهم من الخلل والارتباك والضعف السياسي الكثير. ويشير إلى أنه رغم تشدق الأحزاب الكردية بالديمقراطية، فإنهم "لا زالوا يرتعبون من النقد". ويتجلى ذلك في عدم وجود المثقف الكردي الجاد في "مكاتب استشارية" يستفيد منه السياسيون، بل يلجأ السياسي إلى "شراء ذمة المثقف" أو "تهميشه وعزله وحتى محاربته".

كما ينتقد حواس ممارسة النقد لغايات شخصية وليس للبناء، مشيراً إلى وجود أقلام تكتب النقد "لغاية في نفس يعقوب". ويحذر من ظواهر سلبية كـ"الاغتيال السياسي والعنف والعنف المضاد" وغياب عنصر الوعي، وانتشار "التجارة القومية"، أي التجارة بآلام الشعب عبر شعارات وطروحات مكتسبة من حقبة الاستبداد التي بررت العجز. ويرى أن معظم ما يُنشر هو "نفاق أو هوبرة واستعراضية أو أنانية"، ونادر ما ينشر بألم ووجع للوصول للحقيقة الكردية المرة.

وفي الأبواب اللاحقة وملاحق الكتاب يستعرض حواس بعد ذلك قضايا مفصلة ضمن الباب الأول (كالعمل التنويري بين التشرذم وغياب الإرادة، والكردي التائه بين الأنانية والطموحات، والحركة الكردية وعقلية التبرير والتخوين، والقضية الكردية: عوامل الإخفاق ومقومات النهوض). ويخصص الباب الثاني لمناقشة دور "المثقفون الكرد في خضم المشهد السياسي"، حيث يتناول مواضيع مثل (المبادرة الثقافية الكردية)، و(مثقفون كرد لكنهم غارقون في وحل الأيديولوجيا)، و(المثقف الكردي وافتقاده لقوته الرمزية)، و(إشكالية المثقف الكردي والمؤسسة السياسية)، و(تسييس المثقف وتثقيف السياسي). ويتناول المؤلف في هذه الفصول أزمة المثقف الكردي، وتشتته، وعدم قدرته على تشكيل قوة فكرية رصينة ووازنة قادرة على التأثير في الرأي العام الكردي.

ويضم الباب الثالث، مجموعة "حوارات مع المؤلف" أجراها معه كل من حسين أحمد وماجد ع. محمد وسماح عادل. وتتناول هذه الحوارات آراء المؤلف في قضايا مثل دور الأدب الكردي، وأسباب غياب الكتابة الأكاديمية والتاريخية والبحثية الكردية (والتي يعزوها إلى غياب الجامعات والمؤسسات العلمية والبحثية)، وتأثير الغربة في الكتابة والإبداع.

ويختتم حواس الكتاب بـ"ملحق الكتاب"، الذي يضم مقالات متفرقة (منها واقع الفضائيات الكردية والحاجة إلى إعلام كردي متطور، والله يا أمة الكرد كم نحن بؤساء، والانتهازية كردياً)، حيث يطرح المؤلف أسئلة نقدية حول غياب المشاريع الاقتصادية والاستراتيجيات المستقبلية الكردية، وضعف "اللوبي الكردي القوي"، وغياب ممثلية كردية شاملة لأبناء جميع أجزاء كردستان في المحافل الدولية. ويؤكد المؤلف في هذه الملاحق أن جهود الكرد يجب أن تتجه نحو النهوض ومعالجة مكامن الخلل.

بهذا، يمثل كتاب "نحو تفكير كردي جديد" إطاراً نقدياً تحليلياً شاملاً، يقدم تشخيصاً عميقاً للواقع الكردي ومقترحات عملية لبناء فكر قومي معاصر، بعيداً عن الاستسلام للعاطفية أو التبعية السياسية.