نهاية مسيرة فوضوية لأسوء رئيس في تاريخ الولايات المتحدة

الرئيس الأميركي السابق ختم ولايته بسيل من الفضائح غير المسبوقة وإجراءات عزل استثنائية لمرتين وغادر البيت الأبيض والتأييد الشعبي له في أدنى مستوياته ومقطوعا عن قسم من معسكره بسبب أحداث الكابيتول المروعة.


تداعيات مسلسل إنهاء ترامب لمسيرته الفوضوية ستؤثر على مستقبل الحزب الجمهوري لعقود

واشنطن - أعلن تنصيب الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن الأربعاء نهاية مسيرة أسوأ رئيس في تاريخ الولايات المتحدة دونالد ترامب الذي فجر انقسامات داخلية غير معهودة ووضع بلاده بنهجه الصدامي على صفيح ساخن من التوترات الخارجية وداس على الأعراف والتعهدات الدولية التي دأبت عليها واشنطن طيلة عقود من الدبلوماسية الناجحة.

ختم ترامب ولايته بسيل من الفضائح وإجراءات "عزل" استثنائية لمرتين، وغادر السلطة والتأييد الشعبي له في أدنى مستوياته ومقطوعا عن قسم من معسكره الذي روعه مشهد اقتحام الكونغرس.

وقبيل مغادرته البيت الأبيض، قال "كانت أربع سنوات رائعة"، مضيفا سنعود بطريقة أو بأخرى"، لكن يبدو أنه من المستبعد أن يعود بشكل أو بآخر، بل إن الطريقة التي أنهى بها مسيرته الصاخبة والفوضوية، ستمتد تداعياتها على مستقبل حزبه الجمهوري الذي قد يواجه صعوبات في الحملات الانتخابية القادمة وعلى مدى سنوات بسبب الانطباع الذي خلفه ترامب في أذهان الناخبين الأميركيين وسيظل محفورا في أذهانهم لعقود.

كان رفض ترامب نقل السلطة بالشكل الكلاسيكي المعهود ونتحيه عن منصب الرئاسة الأميركية المشهد الأكثر إثارة واستثنائية في تاريخ الولايات المتحدة، حيث مثل اقتحام أنصاره في السادس من يناير/كانون الثاني لمبنى الكونغرس وسقوط خمسة قتلى بسبب أعمال العنف، حدثا صادما هز الديمقراطية في أعرق مواطنها وأحرج الطبقة السياسية وكل الأميركيين.

فقد سدّدت مشاهد اقتحام مبنى الكابيتول ضربة قاسية لصورة الولايات المتحدة كمنارة للديموقراطية وأثارت صدمة وذهولا للحلفاء.

وشهدت الأيام القليلة الماضية التي سبقت مراسم إعلان بايدن رئيسا للبلاد بصفة رسمية في وقت رفض فيه ترامب الاعتراف بهزيمته، تعزيزات أمنية وعسكرية في واشنطن وبقية الولايات أشبه بالاستعداد لحرب لتأمين تنصيب الرئيس.

سياسات ترامب الفوضوية انعكست سلبا على علاقة واشنطن مع بعض حلفائها
سياسات ترامب الفوضوية انعكست سلبا على علاقة واشنطن مع بعض حلفائها

رحل ترامب عن البيت الأبيض تاركا لخلفه إرثا ثقيلا ولغّم طريقه بقضايا شائكة سيسعى جاهدا لحلها وترقيع الثغرات التي تسبب بها الرئيس الديمقراطي "الطاغية" كما وصفه ألد خصومه في إيران.

ويتوقع مراقبون أن الإرث الذي خلفه ترامب من خلال قراراته المخالفة لدبلوماسية أسلافه وتداعياته لن تنتهي بهدوء وسهولة، فبايدن يحتاج فعلا مثلما وعد إلى تنفيذ سلسلة القرارات التي أعلن عنها للقطيعة مع عهد الرئيس الجمهوري "الفوضوي" وأبرزها إنهاء الانقسامات داخل المجتمع الأميركي والرجوع للتعهدات الدولية التي نقضها ترامب.

انسحابات بالجملة

باغت الرئيس الأميركي السابق خلال فترة ولايته العالم بانسحابات متتالية من ومنظمات عالمية ومعاهدات، من بينها اتفاق المناخ ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وانكفاؤه من منظمة الصحة العالمية في خضم صراعها مع وباء كوفيد-19 العام الماضي.

وكانت أحدث خطوة في هذه الانسحابات تتعلق بمنظمة الصحة التي يتهمها الرئيس الأميركي بمحاباة الصين وسوء إدارة أزمة كورونا، معمقا في ذلك الوقت توتر العلاقة بين بكين وواشنطن.

لم يكن الانسحاب الأميركي من منظمة الصحة أمرا جديدا آنذاك، فمنذ قدومه إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني عام 2017، أدار ترامب ظهره لأكثر من 12 معاهدة، في مراجعة ما يرى أنها "اتفاقيات سيئة" على حد قوله وإلغائها لأنها لا تخدم مصلحة بلاده اقتصاديا وسياسيا، بقدر ما تنفع الخصوم على حد قوله.

وسارع ترامب في مراجعة إرث الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، معتبرا أن الاتفاقيات التي أبرمها سلفه "كارثية" وأضرت كثيرا بالولايات المتحدة واستفاد منها الخصوم، مشيرا إلى أن الصين ما كانت لتقوى اقتصاديا لولا تساهل سابقيه بالبيت الأبيض.

ومنذ تربعه على العرش الأميركي أحدث الرئيس الديمقراطي نقلة نوعية في السياسة الأميركية، ونفذ انسحابات بالجملة من عدة اتفاقيات دولية، لعل أبرزها انسحابه عام 2018 من الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمه سلفه عام 2015 بمشاركة فرنسا وألمانيا وبريطانيا والصين وروسيا.

وفي مايو/أيار الماضي أعلن انسحاب بلاده من اتفاقية الأجواء المفتوحة بين دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) والأعضاء السابقين في حلف وارسو.

ترامب وضع بلاده خلال أربع سنوات على صفيح ساخن من التوترات المتناثرة
ترامب وضع بلاده خلال أربع سنوات على صفيح ساخن من التوترات المتناثرة

وانتقدت عدة دول أبرز روسيا القرار الذي وصفته بأنه "خطير"، بعد الانسحابات الأميركية المتتالية لإنهاء استثناءات على صلة بالبرنامج النووي المدني الإيراني ومعاهدة "الأجواء المفتوحة" العسكرية الروسية الغربية.

فقد أعلنت الولايات المتحدة حينها انتهاء العمل بالاستثناءات التي كانت تسمح بمشاريع مرتبطة بالبرنامج النووي المدني الإيراني على الرغم من عقوبات واشنطن، في آخر خطوة لفك الارتباط الأميركي بالاتفاق الدولي المبرم في 2015.

وأثار القرار استياء الاتحاد الأوروبي، حيث قالت فرنسا وألمانيا وبريطانيا إنها "تأسف" لقرار واشنطن إنهاء العمل باستثناءات أساسية لمشاريع في القطاع النووي المدني الإيراني تشكل "ضمانات" للطبيعة "السلمية" لبرنامج طهران.

وتسببت قرارات ترامب في تفاقم الأزمة بين واشنطن وطهران التي كثفت خروقاتها بترفيع تخصيب اليورانيوم وهو ما يثير مخاوف المجتمع الدولي من انهيار الاتفاق النووي.

كما أعلن ترامب عام 2019 انسحاب بلاده من مجلس حقوق الإنسان، بسبب ما اعتبره انحيازا ضد إسرائيل، فضلا عن تراجعه عن معاهدة الصداقة بين أميركا وإيران التي أبرمت في عهد حكم الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي.

كما سحب بلاده من معاهدة القوى النووية متوسطة المدى مع وروسيا وأيضا من المعاهدة الدولية لتجارة الأسلحة التقليدية، وخرج من اتفاقية التبادل الحر عبر المحيط الهادي.

وفي سنة 2017 نقض معاهدة باريس للمناخ التي تهدف لاحتواء الاحترار العالمي لأقل من 2 درجات والسعي لحده في 1.5 درجة، بحجة أنها تعاقب بلاده ولا تفرض قيودا صارمة على الصين.

 إدارة ترامب انسحبت أيضا من منظمة اليونسكو بذريعة تزايد ديونها وما زعمه بتحيّزها ضد إسرائيل، كما قررت التوقف الكلي عن تمويل وكالة 'أونروا' لإغاثة الفلسطينيين وتشغيلهم.

انعكست سياسة ترامب التي تعتمد على مبدأ الثنائية لا التعددية والانسحابات العديدة من منظمات عالمية واتفاقيات، سلبا على بعض حلفاء واشنطن.

وبعد صعود بايدن عبر أغلب قادة العالم عن ترحيبهم بالإدارة الجديدة، فيما أكد بعضهم أن العمل مع الرئيس الديمقراطي الجديد سيكون أفضل وأكثر نجاعة من التعامل مع ترامب.