هل يكرهنا الغرب حقا؟

الغرب الذي يئن تحت ضربات ينفذها إسلاميون صغار لا تُعرف هوياتهم بشكل محدد هو نفسه الغرب الذي كان قد خصص ميزانيات ضخمة من أجل ايواء الجماعات الإسلامية والانفاق عليها لعقود من أجل أن تكون رأس حربته في الفوضى.


سياسيون غربيون من درجات مختلفة يتصرفون كما لو انهم أعضاء في جماعة الاخوان


الاسلام السياسي يسعى الى فصل البشر عن الحياة المعاصرة والذهاب بهم إلى الماضي


الغرب الذي يعلن الحرب على الارهاب هو نفسه مَن يدعم وقوع السلطة السياسية في أيدي الإسلاميين

ربما كانت الدوائر السياسية في العالم العربي على علم بالعلاقة المتينة التي تربط بين المخابرات الغربية وحركات ما صار يُسمى في ما بعد بـ"الإسلام السياسي" وهي تسمية غربية.

غير أن تلك الدوائر لم تفعل شيئا للحد من تلك العلاقة وتفكيك عناصرها وفهم المخططات التي تقف على أرضيتها. كان ذلك خطأً قاتلا سيدفع العالم العربي ثمنه الباهظ في المستقبل. وهو ما بدا شديد الوضوح أثناء أحداث الربيع العربي الذي تبين أن أطرافا غربية عديدة كانت قد خططت أن يكون ربيعا اخوانيا، نسبة إلى جماعة الإخوان المسلمين.

في تلك المرحلة الحرجة صارت الحقائق الخفية في متناول عامة الناس بسبب حالة الاستضعاف التي مر بها العالم العربي بطريقة غير مسبوقة فصارت الدول الغربية من خلال مؤسساتها الاعلامية تتسابق في الدفاع عن الثورات المغدورة وعن التنظيمات المتشددة وتتستر على تحركاتها ومصادر تمويلها. حتى أن صحيفة "واشنطن بوست" يمكن اعتبارها الناطق الرسمي باللغة الانكليزية باسم جماعة التنظيم العالمي للإخوان المسلمين.

ومن اللافت فعلا أن سياسيين غربيين من درجات مختلفة يتصرفون كما لو انهم أعضاء في الجماعة التي هي المدرسة التي تتلمذ فيها معظم الارهابيين. والأدهى من ذلك أن مبعوثي الأمم المتحدة إلى الدول العربية التي تشهد نزاعات عسكرية مثل العراق وليبيا واليمن يتميزون بحرصهم على ارضاء التنظيمات الدينية المسلحة والميليشيات التي تدين بالولاء للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين.

شيء يمكن أن يكون موقع استغراب بالنسبة لمَن يتابع الأحداث بسريرة طيبة. فالغرب الذي يعلن الحرب على الارهاب ويخصص أموالا طائلة من أجل تلك الحرب هو نفسه مَن يدعم فكرة أن تقع السلطة السياسية في أيدي الإسلاميين الذين سيكون أول أهدافهم سحق الجهات المتنورة التي تؤمن بمبادئ الغرب العقلانية.

اما شعار حرية التعبير فهو أكبر كذبة اخترعها الغرب ليدافع من خلالها عن التضليل الذي تمارسه التنظيمات الإسلامية في حق المجتمع لتنحرف به عن طريق العقل والحداثة والحياة السوية.

لقد قدمت جماعة الإخوان المسلمين في مصر عرضا مسرحيا مصغرا لما يمكن أن ترتكبه من عنف في حق المجتمع في سنة واحدة من حكمها. تلك عينة يمكن الأخذ بها والحكم من خلالها.

ما يحدث في العراق ليس بعيدا عن ذلك. من الصادم أن ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في العراق لا تحرص على الذهاب إلى النجف بين حين وآخر لمقابلة السيستاني وهو رجل دين يقلده شيعة العراق حسب بل أنها أيضا تلتقي زعماء الميليشيات كلما شعرت بالحاجة إلى ذلك لتثبت أن الأمم المتحدة تؤيد قيام دولة دينية في العراق.

لقد تم تهديم سوريا على أيدي أفراد الجماعات الدينية المسلحة التي حظيت بالتمويل والرعاية والتدريب في ظل صمت غربي كان من الصعب اخفاؤه. وإذا ما كان تنظيم داعش قد تمت برمجته لصالح المشروع التوسعي الإيراني فإن المبرمج كان غربيا.

الغرب الذي يئن تحت ضربات ينفذها إسلاميون صغار لا تُعرف هوياتهم بشكل محدد هو نفسه الغرب كان قد الذي خصص ميزانيات ضخمة من أجل ايواء الجماعات الإسلامية والانفاق عليها لعقود من أجل أن تكون رأس حربته في الفوضى التي يتم من خلالها انهاء نظام الدولة في العالم العربي ليعود كل شيء إلى سابق عهده. ولايات وقبائل وطوائف وحشودا بشرية هائمة.

لا يتعلق الأمر بالإسلام ولكنه الوسيلة الأنسب لفصل البشر عن الحياة المعاصرة والذهاب بهم إلى الماضي. 

الغرب ليس بريئا في دفاعه عن تسلل الإسلاميين إلى ثورات الربيع العربي التي لا تزال محل استفهام. وليس صحيحا أن الغرب يدعم حكومة عبدالفتاح السيسي في مصر كما أن الغرب هو السبب في استمرار الفوضى في ليببا بسبب استمراره بدعم حكومة طرابلس التي هي حكومة ميليشيات إسلامية والغرب أيضا هو المسؤول عن تعثر التجربة الديمقراطية في تونس لأنه يدعم الغنوشي وحركة النهضة. فهل علينا أن نصدق أن ماكرون كان جادا في تعرية حزب الله الذي دمر لبنان؟

لست هنا قادرا على فهم تلك العلاقة الغريبة التي تجمع بين الغرب والحركات الأصولية. فهل يكره الغرب من خلال مؤسساته السياسية العرب حقا؟ ذلك ما أحاول أن لا أصدقه. الإسلاميون يشيعون شيئا من ذلك القبيل لكي يوسعوا الهوة التي تفصل بين الناس العاديين والرغبة في التحديث التي هي اختراع غربي. 

وفي كل الأحوال فإن العالم العربي يدفع ثمن كسل النظام السياسي العربي في فهم تلك الظاهرة المريبة.