وليد الزامل يقرأ 'نبض الرؤى في العمران والتخطيط المستدام'

رئيس وحدة أبحاث الإسكان السعودي يقدم رؤية نقدية وشاملة للتخطيط العمراني تكشف تداخله العضوي مع العدالة الاجتماعية والبيئة والاقتصاد، داعيًا إلى تخطيط يراعي الإنسان لا الخرائط، ويرسّخ أُسس مدينة إنسانية نابضة.

في عالم يموج بالتحولات المناخية، والضغوط السكانية، والتفاوتات الاقتصادية، لا تعود المدن مجرد تجمعات عمرانية، بل تصبح كائنًا حيًا يعكس حالة المجتمع، ونبض رؤاه، ومسار مستقبله. وفي هذا الإطار، يطل كتاب الباحث السعودي رئيس وحدة أبحاث الإسكان السعودي د.وليد الزامل الموسوم بـ "نبض الرؤى في العمران والتخطيط المستدام"، كمساهمة فكرية علمية حادة ومضيئة، تضع التخطيط العمراني في قلب قضايا التنمية، وتعيد بناء مفاهيمه على أسس شمولية تمزج بين الاجتماعي، والبيئي، والثقافي، والاقتصادي.

الكتاب الصادر عن دار الأدهم يضم بين دفتيه تسعة فصول، يجمع مقالات منشورة على مدى ثلاث سنوات، نشرت في صحيفة "مكة"، ويُعد امتدادًا لمشروع المؤلف في إعادة تأصيل الفكر التخطيطي، ويعكس ـ على حد قوله ـ "خلاصة لحصيلة علمية تراكمية"، حاول فيها أن يُقدم صورة بانورامية عن المدينة بوصفها مجالًا للعدالة لا للمضاربة، وللمعنى لا للخرائط. ومن ثم فهو لا يُقرأ كمجموعة مقالات، بل كنص مركّب يربط بين الساخر والجاد، وبين العلمي والحسي، وبين التقني والروحي.

ولعل أبرز ما يميز رؤية الزامل، هو تأكيده منذ البداية على أن كتابه لا يهدف إلى التنظير المجرد، بل إلى "نشر الوعي المجتمعي في مجال التخطيط العمراني ومحاولة استجلاء المفاهيم والنظريات ذات العلاقة بالتنمية العمرانية بحيث تساعد صانعي القرار"، مشددًا في مواضع كثيرة على أن دور المخطط ليس إنتاج رسومات إنشائية، بل توظيف الفرص والموارد المتاحة لتحسين أساليب المعيشة، والصحة العامة، وخلق فرص أفضل للتعليم والعمل.

في نقده للمقاربات التقليدية، يهاجم الزامل بشدة اختزال التخطيط في البعد الفيزيقي للمدينة، مؤكدًا أن ذلك يؤدي إلى تخطيط "ورقي" مفصول عن الواقع الاجتماعي، إذ يقول "يلاحظ القارئ الحصيف أن الكتاب يخرج من المنظور الضيق الذي يحاول البعض اختزاله في البعد الفيزيقي للمدينة؛ ليلقي الضوء على المفهوم الشمولي للتخطيط العمراني وعلاقته بالسياق الاجتماعي والاقتصادي والبيئي، بما في ذلك قضايا العدالة الاجتماعية والمصلحة العامة والمشاركة المجتمعية".

وانطلاقًا من هذا الفهم الشمولي، يتناول الكتاب بتوسع مسألة العدالة الاجتماعية في المدن، ويعتبرها حجر الزاوية في أي نموذج تخطيطي ناجح. ففي مواضع متعددة، يُشدّد الزامل على أن العدالة لا تعني بالضرورة التماثل أو التساوي المكاني، بل تعني الوصول العادل إلى الموارد. ويرى أن "العدالة الاجتماعية في المدن لا تقتضي بالضرورة أن يعيش الفقراء والأغنياء في مكان واحد؛ بل تمكين الفقراء والأقليات من الوصول إلى الموارد والخدمات وأنظمة الرعاية الاجتماعية"

وينتقد الزامل ضد السوق العقارية الجامحة، التي يوضح أنها أفسدت العمران، وجعلت الأرض سلعة خاضعة للعرض والطلب بدلًا من أن تكون وعاءً للمعيشة والتنمية، مشيرًا إلى أن "احتكار الأرض هو تعطيل للتنمية العمرانية"، وأن "من يشترون الأراضي ثم يتداولونها دون نية للبناء إنما يكدسون الثروة من دون إنتاج حقيقي"

وإذا كانت بعض السياسات العمرانية قد ساهمت في إنتاج ما يُعرف بالعشوائيات، فإن المؤلف يعيد تأطير مفهوم العشوائية من خلال رؤية إنسانية غير نمطية. ويلفت "نخفق أحيانا في فهمنا للمناطق العشوائية، حيث يتم تصنيفها كمناطق مُهملة لا تتوافق مع التشريعات العمرانية الحديثة. يبادر العديد من المختصين بمعالجة المناطق العشوائية من خلال إزالتها ثم بناء مناطق استيطان جديدة أو تعويض ساكنيها بقيمة أنقاض البناء ليبحثوا عن سكن جديد، وليضيفوا عبئا بعد ذلك على سوق الإسكان الرسمي؛ بل ويساهموا في رفع أسعار العقارات والإيجارات في المدينة. تأتي المناطق العشوائية كردة فعل نتيجة ضعف السياسات الإسكانية وبرامج الدعم التي تتوافق مع حدود القدرة الاقتصادية لمحدودي الدخل، وهو ما يحفز من إنشاء سوق إسكاني رديف أو غير رسمي. وغالبا ما تفشل مشاريع إعادة التوطين للمستوطنات العشوائية لأنها لا تأخذ في عين الاعتبار الفرص الاقتصادية وظروف المعيشة للسكان. بكل سذاجة تعمل هذه الحلول على تدمير النسيج الاجتماعي والاقتصادي للسكان دون تقديم بديل مناسب لهم ليقوموا لاحقا بتأسيس مناطق عشوائية جديدة خارج حدود المدن وتستمر دورة حياة العشوائيات.

ويؤكد أن "العشوائيات ليست كلها عشوائية.. إنها أحيانًا نتيجة لتخطيط الناس بأنفسهم للعيش، في ظل غياب الدولة أو فشل السياسات". ويستشهد بحي دهارافي في مومباي كمثال حي على اقتصاد غير رسمي نشيط يخلق فرص عمل تفوق ما تنتجه أحياء رسمية كاملة، يقول "زرت سابقا حي دهارافي في مومباي والذي يعد أشهر حي عشوائي في العالم، وهو مستوطنة شديدة التنوع الديني والعرقي ويقدر عدد سكانها بحوالي مليون نسمة. يوجد في حي دهارافي حوالي 15 ألف مصنع مكون من غرفة واحدة. يعتمد السكان على اقتصاد غير رسمي، حيث يتم استخدام الطابق الأرضي للشركات الصغيرة والمتاجر خلال النهار. وفي الليل يستخدم بعض العمال الطوابق العليا من المتاجر للنوم مع أفراد الأسرة. كما يستخدم بعض السكان المطبخ كمنطقة استحمام، وتحتوي معظم الغرف على موقد غاز للطهي. ولا يوجد لدى معظم السكان بنية تحتية للصرف الصحي أو مياه نظيفة، حيث يتعين عليهم شراء المياه من بائعي المياه المتجولين. يعيش سكان الحي على اقتصاد غير رسمي نابض بالحياة، حيث يعمل العديد منهم في صناعات الجلود والمنسوجات والفخار. ويقدر إجمالي حجم الناتج السنوي للحي بأكثر من مليار دولار أمريكي من إعادة تدوير النفايات والتي يقدر حجمها بما يعادل حوالي 80% من نفايات مومباي الجافة. وهناك العديد من الأنشطة الاقتصادية التي يمارسها السكان، بما في ذلك مبيعات المواد الغذائية والصناعات الخفيفة والمنتجات المنزلية. يتم جمع وفرز النفايات الصلبة مثل بطاريات السيارات وأجزاء الكمبيوتر والمصابيح والأكياس البلاستيكية والورق وصناديق الكرتون والأسلاك. وعلاوة على ذلك، يوجد في داهارافي مصانع وورش عمل لإعادة تدوير علب المشروبات المستعملة والصابون. لقد ساهم هذا الحي العشوائي في توظيف أكثر من 250 ألف شخص، وأسس نظاما اقتصاديا واجتماعيا، ولكن بلا إطار تشريعي. وفي المقابل لم تساهم بعض الأحياء الرسمية حتى في توظيف شخص واحد. باختصار، إنها عشوائيات ولكن ليست عشوائيات!!

ومن القضايا المثارة كذلك، النقد الذكي الذي يوجهه المؤلف لما يُعرف بـ"التصميم الاستهلاكي"، خصوصًا في مشروعات الإسكان الحديثة، حيث يصف بعض الوحدات السكنية بأنها "علب سردين": ويوضح "في الحقيقة، بدأ العديد من المستثمرين في مجال العقارات السكنية الاتجاه نحو ترشيد مساحات المسكن بشكل مبالغ فيه لتبدو كعلب السردين. الترويج لهذا الفكر أمر مسلم به باعتباره نموذج لمساكن المستقبل وإذا سألتهم عن الأسباب استحضروا المثل الشهير "مد رجليك على قد لحافك". وهكذا، أضحى هذا الاتجاه وكأنه مفتاح لحل مشكلة إسكان يتم التعامل معها باعتبارها وحدة سكنية تكبر أو تصغر مساحتها حسب قدرة الأسرة على الدفع. المفاجأة أن علب السردين هذه -عفوا أقصد الوحدات السكنية- تروج بأسعار فلكية من ذوات الستة أصفار!.

لكن المؤلف لا يكتفي بالنقد، بل يطرح مفاهيم بديلة مثل "الإسكان التنموي"، ويعيد تعريفه بأنه ليس مجرد بناء وحدات للأسر الأشد حاجة، بل هو مشروع لتمكين الإنسان والمكان معًا"القضية ليست متمثلة في توفير مسكن "رخيص الثمن" للأسر الأشد حاجة؛ بل بتنمية الإنسان والمكان. وفقا لذلك، فالإسكان التنموي يمكن النظر له من جهتين، الأولى متعلقة بالإنسان ونعني بها أن يكون الإسكان أداة لتنمية الأسر الأشد حاجة، والثانية متعلقة بالمكان ونعني بها أن يكون الإسكان أداة لتنمية المدن. يساعد هذا المفهوم الجامع للإسكان التنموي على فهم منظومة الدعم السكني بوصفها ليست مجرد منظومة قائمة على توفير الوحدات السكنية؛ بل تمكين المجتمع والارتقاء بالبيئة واقتصاديات السكان وهي محاور الاستدامة.

ويضع للإسكان التنموي ثلاثة أبعاد متكاملة "البعد البيئي لضمان جودة المسكن والمواءمة مع المحيط، والبعد الاجتماعي لضمان المشاركة المجتمعية، والبعد الاقتصادي لدعم الأسر وتحفيز الجمعيات التعاونية".

وفي سخرية فكرية، ينتقد بعض ممارسات التصميم السكني، كما في قصته عن صديقه الذي أنفق مبالغ طائلة على بناء بيت العمر، ثم أحاطه بـ"ساتر حديدي" بارتفاع ثلاثة أمتار، ليحجب الشمس والهواء وكل ما أضفاه التصميم من جمال، فيسأله ساخرًا "لماذا لم تبنِ صندوقًا إسمنتيًا رخيصًا وتغلفه بالساتر؟ لقد كلفت على نفسك دون أن تحتفظ بجمال التصميم أو روح المعمار".

وعلى صعيد البيئة والتغير المناخي، يرفض الزامل الخطاب البيئي المزدوج الذي تفرضه بعض القوى الكبرى على الدول النامية. فيقول بوضوح "الدول الصناعية مسؤولة بشكل أكبر عن تغير المناخ.. لكن المنظمات الدولية تمارس نفاقًا بيئيًا حين تركز فقط على الدول العربية والنامية للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة".

ويُطالب بتخطيط بيئي يقوم على العدالة المناخية والتوازن بين الإنتاج والاستدامة، مؤكدًا أن "مفهوم الاستدامة لا يعني تعظيم الإنتاج بأي ثمن، بل حفظ حقوق الأجيال القادمة، وتوفير بيئات معيشية متكاملة".

أما عن المشهد الحضري، فيتناوله المؤلف بوصفه لغة بصرية تعكس هوية المدينة وروحها، لافتا إلى أن "المشهد الحضري ليس فقط ما نراه من مبانٍ وطرقات، بل ما نشعر به من انطباعات، وما تعكسه المدينة من ذوق عام، وتفاعل إنساني، وتكوين بصري يعبر عن الهوية والذاكرة".

كما لا يغفل الزامل الجانب الفلسفي، حيث يتوقف عند فكرة "التخطيط والعشوائية والصدفة الكونية"، في تساؤل جذري عن ماهية التنظيم في الكون، وهل نحن نعيش وفق خطة أم بفعل الفوضى؟ ويؤكد "التخطيط المستدام يؤدي إلى الازدهار الاقتصادي وحماية حقوق الأجيال القادمة. وفي المقابل، قد يساهم التخطيط الذي يميل لخدمة الاقتصاد المحض في تدمير النظام البيئي وظهور الكوارث".

ويذهب في مواضع عديدة إلى أن التخطيط، في جوهره، هو "موقف أخلاقي وروحي"، وليس مجرد أدوات تقنية، ويدعو إلى مدينة "تتصل بالخالق عبر منارات تدعو للخير"، مشيرًا إلى أن المدينة "لا تُبنى بل تتجلى".

ولا يُخفي الزامل استياءه من بعض المؤتمرات العمرانية التي تحولت إلى فعاليات استعراضية لا تقدم جديدًا، ويقول ساخر "بعض المؤتمرات العمرانية أقرب إلى حفلات مندي ومثلوثة منها إلى مداولات علمية"، مؤكدًا أن بعض المخططين "تحولوا إلى متفرجين أو مروّجين، وانقطعوا عن نبض المجتمع".

ومما يختم به كتابه الزامل دعوته إلى تخطيط تشاركي شمولي، حيث يرى فيه الأمل لصناعة مدن إنسانية عصرية، ويؤكد أن "المدينة كالإنسان تتكون من الروح، والنفس، والجسد، إذ لا يمكننا تحسين الجانب الجسدي للإنسان بمعزل عن الجانب النفسي والروحي. ولكي تتحقق أهداف الأنسنة، علينا أن نبدأ بوضع برامج تترجم أهداف "أنسنة المدن" بما في ذلك البرامج الاقتصادية، والاجتماعية، والبيئية. ولعلي ألخص بعض هذه المقترحات على النحو التالي:

أولا: البعد الثقافي في أنسنة المدن، ويشمل دعم كل المبادرات الثقافية في المدينة التي تزيد من ارتباط السكان بالمدينة وتعزز الانتماء، بما في ذلك الهوية البصرية للمدن، ودعم الفعاليات الوطنية، والأنشطة الثقافية.

ثانيا: البعد الإجرائي في أنسنة المدن، ونعني به تلمس احتياجات المواطن في المدينة خلال تسهيل الإجراءات الحكومية وتقديم التعليم المميز، وأنظمة الرعاية الصحية، ودعم حقوق المعاقين، وبرامج دعم كبار السن، وتشجيع المشاركة المجتمعية في صناعة القرار البلدي، وتطوير قوانين لنبذ العنصرية.

ثالثا: البعد الجسدي في أنسنة المدن، وتتضمن تأهيل البيئة العمرانية بشكل يدعم التوزان الطبيعي، وزيادة المساحات الخضراء، والحفاظ على الصحة العامة، بما في ذلك تنويع بدائل النقل وتعزيز بيئة المشاة، والحفاظ على الحياة الفطرية.

ويخلص إلى "إن مشروع أنسنة المدن هو مشروع جبار بدأه سمو الأمير عبدالعزيز بن عياف، منذ أن كان أمينا لمدينة الرياض، وتبنته الرؤية الوطنية 2030 كتوجه استراتيجي للمدن السعودية. ولا شك أن استمرار هذه الجائزة كفيل بتشجيع العلماء والباحثين في ترسيخ مبادئ وبرامج أكثر شمولية، لتلامس كل الجوانب في أنسنة المدن.