ومضات الذاكرة والغياب في نصوص 'بديل دائم' لطارق عودة
يقدّم طارق عودة في "بديل دائم" نصوصًا قصيرة، تشكّل لوحة فسيفسائية من التأملات الإنسانية، والمواقف العابرة التي تترك أثرًا عميقًا، حيث تمزج النصوص بين الفلسفي واليومي، بين ما هو وجداني وما هو نقد اجتماعي لاذع، وتتوزع موضوعاتها على مساحات من العزلة والحنين والموت والخسارات الصغيرة والبحث عن المعنى، وغيرها. نصوص الكتاب محمّلة بالدلالة والصورة، وتتحوّل التفاصيل البسيطة إلى إشارات رمزية عن العلاقات الإنسانية وزوال الأشياء وتحوّلات الرُّوح.
وتتناول هذه المقالة باقة من النصوص بالتحليل:
"لماذا؟": "لماذا تكتب كل هذا؟ أكتبُ لأتأكدَ أنني مازلْتُ قادرًا على القيام بشيءٍ ما، أختبرُ صلابتي أُعيد صياغتها، أراها من جديد، أترنَّمُ بها، أُدندِنُها، أيًّا كانت التعابير أو الكلمات إنَّها طريقةُ حياة". هذا النص اعتراف بجدوى الكتابة كفعل مقاومة للخذلان الداخلي، وكاختبار لقدرة الذات على الاستمرار في العطاء، حيث يضع الكاتب الكتابة في خانة "طريقة حياة"، لا كترفٍ أو هواية، بل كضرورة وجودية لإعادة صياغة الذات ومواجهة الفراغ.
"احتمالات": "هل ركلتَ يومًا صخرةً؟ تبوّلتَ عليها؟ شتمتها؟ نظرتَ إليها شزرًا، وضعْتَ حوائِجَكَ فوقَها؟ أَدَرْتَ لها ظَهْرَكَ؟ حين تعبت بماذا فكرت؟ جلست عليها، أليسَ كذلك؟" يعرض النص سلسلة من التفاعلات الممكنة مع "صخرة"؛ الركل، الشتيمة، إدارة الظهر، أو الجلوس عليها، في إشارة مجازية لطريقة تعامل الإنسان مع العقبات، حيث تكشف النهاية أنّ الاستقرار على الجلوس قد يكون الحل الأبسط والأكثر عملية. وتنزع الفكرة إلى فلسفة التكيّف بدل المواجهة الدائمة، وتلمّح إلى أنّ اختيار السلوك قد يكون أهم من حجم التحدي نفسه.
"زاد الوقت": "وحينَ نَفدت أحزانُهُ، اجترَّها من جديدٍ فهيَ زادُ الوقتِ وسلوتُهُ، وهي ما يُحسن صحبته". تلتقط هذه الومضة فكرة اجترار الأحزان كمؤن للوقت، وكرفيق صامت في مواجهة الوحدة، حيث تتحوّل المشاعر السلبية إلى مورد يُعاش معه، في رؤية شبه تصالحية مع الألم بكافة ألوانه ومسبباته.
"فارق": "وجودُكَ يُحدثُ فارقًا. كيف؟ يُربكني!". في هذا النص القصير تجسيد شعوري للفارق الذي يحدثه وجود الآخر، حتى وإن كان مربكًا. ويختصر النص معضلة العلاقات الإنسانية؛ أن تكون سببًا في اضطراب أحدهم، هو في حد ذاته شكل من أشكال التأثير.
"لحظة حانية": "إنَّ نصيبَكَ منها محتومٌ اقضمْهُ برفقٍ ولا تستعجلْ؛ فهي أيضًا لا تحبُّ النهايةَ النّزقة؛ تأنسُ بك رفيقًا وحيدًا؛ كما كنتَ أيضًا لها مبتدأَ بلا مُنتهى أو مُنحنى، دغدغ ألفةَ اللحظةِ الحانيةِ، واعرفْ، لها قدرتها على الإحاطة بك وحيدًا ...". إنّها صورة شاعرية للحظة إنسانية دافئة، تُشبَّه بالرفيق الحنون الذي يحيط بك ويؤنسك دون استعجال للنهاية. ويحتفي النص بالتَّأني والرفق في عيش اللحظة، ويدعو إلى تذوقها بعمق بدلًا من استهلاكها على عجل، حيث يتجلى هنا حضور الزمن كحاضن للعاطفة، لا كعدّاد لها.
"لو": "لو عَلِمَ أولئك الذين ذبحونا، أنّنا بفضلِهم أصبحنا في عالمٍ لا نرى فيه بشاعتَهم، ولا تطالنا فيه ترهاتهم، لَحسدونا وتمنّوا لنا الحياة". إنّه نص حادّ وقصير، ينطوي على مفارقة أخلاقية وسياسية؛ لو أدرك الجلاد أنّ ضحاياه وجدوا في موتهم الخلاص من حضوره وبشاعته، لتمنّى هو نفسه ذلك المصير. وتمزج فكرة النص السخرية السوداء بالتحرر الروحي.
"في الصباح": "في الصّباحِ وأنتَ ترتدي ملابسَكَ وتتأنَّق؛ لترتديَ حنينَكَ وأشواقك معك،لا تتركْها وراءَك كمبذلٍ تضعُه في سلّةِ الغسيل، فلرُبَّما تحتاجُها حين تعودُ في المساء". وهي دعوة شاعرية لاصطحاب الحنين والأشواق كجزء من اللباس اليومي، لا لتركها خلفك. والنص هنا يُحمّل العاطفة قيمة عملية، كأداة لمواجهة اليوم والعودة بأمان إلى الذات.
"نعيم الموتى": "جارانِ لسنواتٍ، يتبادلانِ النّظرَ والصمتَ الحارق، انتقاهما الموتُ كموجةٍ خفيفةِ تُداعِبُ رملَ الشاطئ، الآن يمرحانِ تحتَ الأرض بجذلٍ، بعد أن حالَ كلُّ ما فوق الأرضِ بينَ لقائِهما..". يصور هذا النص مشهدًا غريبًا يجمع جارين لم يجمعهما في الحياة سوى نظرات صامتة، حتى جاء الموت ليوحّدهما "تحت الأرض"، حيث يحضر الموت كوسيط مصالحة، أو كفضاء حرية أخير.
"طرقات": "الطُّرُقاتُ التي يرتادُها العشّاقُ معًا، تصبحُ جزءًا مِنَ المحبّةِ، وكأنَّها أدعيةُ الأمّهاتِ الموصولة بالسَّماء، وهكذا يصبح للطّريقِ معنى ومغزى، وجميلُ الذكر والأثر". فالطرقات التي يسلكها العشاق تتحوّل إلى جزء من العلاقة، مشبّعة بالدعاء والألفة. يوحي النص هنا بأنّ المكان يكتسب معنى بقدر ما يُحمَّل من العاطفة، فيصبح الطريق ذاكرة مشتركة.
"اختيار": "الذَّهابُ لا يساوي الإياب. الذهابُ أحيانًا نجاةٌ. الإيابُ أحيانَا نجاةٌ. لكن لا نجاةَ في اجتماعِهِما. وعليكَ أن تختارَ بِما سَتنجو". هذا النص تأمل فلسفي في حتميّة اتخاذ القرار بين الذهاب والإياب، وكلاهما قد يكون نجاة أو هلاكًا، ويضع النص القارئ أمام معادلة أنّ الخطر يكمن في الجمع بين الخيارين، لا في أحدهما منفردًا.
"خيبة": "خيبةٌ تلدُ أُخرى. حينَها تنتهي صلاحيّةُ الفَهْم، تعتادُ الصَّفعةُ ارتجافَ الخدِ فتعشقُها أكثر". تلتقط هذه الومضة لحظة الانكسار البشري حين تتبدّد التوقعات، وهي ومضة مقتضبة مُحمّلة بالشعور المجرّد من الزينة، وكأنها تترك فراغًا قصدًا ليملأه القارئ بتجربته الخاصة مع الخيبة.
"في يوم": "يومًا ما ظننتُكَ أحبَبْتَني، وبعدَها توالتِ الأيّامُ، دونما ظنون". يلتقط هذا النص ومضة زمنية محددة تحمل حدثًا أو شعورًا عابرين، لكنه يضفي عليها طابعًا رمزيًا يُوحي بالتحول أو الاكتشاف. و"اليوم" هنا ليس وحدة زمنية، وإنّما سياق مشحون بالمعنى، قد يكون بداية أو نهاية أو انكسارًا. يفتح هذا النص باب التأويل أمام القارئ، بحيث يمكن لكل قارئ أن يسقط عليه تجربته الخاصة.
وبعد، فإنَّ "بديل دائم" للكاتب الأردني طارق عودة، الصادر في عمّان، عام 2025، هو الثالث بعد كتابيه "في انتظار الضوء"، و"تدريب على الغياب"، وهو مثلهما كتاب نصوص يمتح من الواقع المعاش، والتجارب الحياتية، والتأملات الفكرية والوجودية. نصوص تُشرّحُ، وتنتقد، وتسخر، وتدين، وتصفع أحيانًا. وفي المقابل، قد تمرح، وتهدهد، وتربت برفق. كما هو منتظر من كاتب مشتبك مع واقعه ومجتمعه.
إنَّ "بديل دائم"، عمل يحتفي بفن الومضة، ويثبت أنّ القليل قد يحمل أحيانًا أثقل المعاني. وفي الكتاب، يجد كل قارئ ذاته من خلال نصوص لامست حياته، أو تجارب مرّ بها، أو تأملات شغلته ذات يوم، كما أنّها نصوص قابلة لتعدد التأويل والقراءات.