مواقف ومشاعر 'شهود من أهلها' من جائحة كورونا

مجموعة تتضمن ستين نصا متنوعا لمبدعين من الأردن وفلسطين ومصر وتونس والمغرب وسوريا ولبنان وعُمان والكويت والجزائر وموريتانيا تتناول موضوعات كثيرة مكتوبة من وحي الجائحة أو خلالها.


تفاوت مواقف ومشاعر الكتاب حيال جائحة كورونا والعزلة المفروضة على الجميع

شهد العالم مارس 2020 وضعًا غير مسبوق في تاريخ البشرية، عندما فُرض الحظر الكلي بسبب جائحة كورونا التي اجتاحت العالم دون هوادة، واختفى الجميع خلف جدران بيوتهم، نهبًا للهلع والخوف والقلق، مما أدى إلى تغييرات جذرية في حياة الناس وسلوكياتهم وبرنامجهم اليومي، وخيم عليهم الذعر من الغامض الآتي، فلا أحد يستطيع التكهن بعودة الحياة إلى طبيعتها من جديد دون قيود.
في بدايات الحظر، لمعت فكرة في ذهن القاص جعفر العقيلي لدعوة المبدعين لتسجيل شهاداتهم، تمثلًا لمقولات ديستوفسكي: "يزداد الإغواء في العزلة"، و"يولد الإبداع بجرح ثم يتناثر بعدها في الوجود"، فكانت هذه الدعوة حتى "نثبت أن العزلة مساحة للتفكير والإبداع".
 فتلقف الفكرة وترجمها إعدادًا وتحريرًا سامر حيدر المجالي وسجود ضيفالله العناسوة، فصدرت هذه المجموعة "شهود من أهلها.. أحاديث الجائحة" تتضمن ستين نصًا متنوعًا لمبدعين من الأردن وفلسطين ومصر وتونس والمغرب وسوريا ولبنان وعُمان والكويت والجزائر وموريتانيا. 
تفاوتت مواقف ومشاعر المشاركين حيال جائحة كورونا والعزلة المفروضة على الجميع، وتستعرض هذه المقالة بعضها:
التمرد والتحدي 
التمرد والتحدي لا يعني رفض الإجراءات وتجاوزها، بل عدم الاستسلام لآثار العزلة القاسية، وضرورة التمرد على الخوف ورفع المعنويات لنستطيع الاستمرار والحياة بحياة. 
في نص بعنوان "نص كوروني" لسامر حيدر المجالي، يقول: "خرجت من البيت خارقًا حظر التجول، هكذا ببساطة انبعثت فيّ قوة متمردة استجابت لما اجتاحني من بدائية. أردتُ مغازلة الخطر، مثلما كان يفعل جدي الصياد حين يقفز من شجرة إلى شجرة سعيًا وراء طريدة يضمن بها عشاءه. وقلت لنفسي إن السكون العظيم يحتاج إلى مخاطرة عظيمة، لا بد من عٍوَض، فالضد يظهر حسنه الضد، وبلادة الكنبات الوثيرة، يجب أن يقابلها مستوى معقول من "الآكشن"..
وتتحدى سلمى في "قهوة ناعمة" لدلندا الزغيدي، كورونا وقيوده: "لعنت هاجس كورونا الذي سكنها ونغّص عيشها وقالت: "هل سيخلد الإنسان يومًا؟ تبًا لخلود جسد سكنه هاجس الخوف من الفناء، ما قيمة هذا الجسد إن لم يكن وعاءً للفرح؟ لن أدعك أيها الفيروس الخبيث تعبث بانفتاح روحي، خذ جسدي إن استطعت، ولكن لن أمنحك روحي". انسابت الحروف، وسارت سلمى في دروب الحياة.
ويعلن حسين دعسة في "حكاية حب" بأنه لن يخاف، وسيكمل مسيرة الحب: "لن أخاف من تلك الـــ"كورونا" بعد عامي هذا، فالحضن النسيم كالبلسم الحارق، يعطر طريقي فقد هاج اليمام، هاج وماج وتلون.. وتابع تلك الرقصات الجادة على هدير بوسطة سفيرتنا إلى النجوم، ومواكب الحب التي غنتها عيون القلب".
وتبحث براءة محمد الأيوبي عن الأمل فثمة "بقعة ضوء" تنير طريقها، تقول: "ورغم سواد ومرض وعزلة.. ما زلت أتقصى أخبار انفراج قريب.. 
في كل يوم، أطل من نافذتي، وأتسلل مع شعاع الشمس إلى حيث تغفو السكينة.. أصافحها أهدهد لها، وأنثر فوقها ابتساماتي.. في انتظار بقعة نور تنبجس على حين رجاء، فيزهر الكون صفاء وراحة وعافية من جديد...".
فرصة وتوظيف
تحويل المحنة إلى منحة، والقيود إلى أساور، موقف إيجابي منتج على الدوام مهما ادلهمت الظلمات، يقول رمزي الغزوي في "أجنحتي الكورونية" معتبرًا العزلة فرصة ذهبية: "وُجدت في هذا الحجر لأعيد تموضعي. عدت إلى صومعة نفسي التي لم أتركها يومًا، ولم أكف عن صداقتها. ولكنني أعود إليها بكل وجداني الآن، ربما لأن حياتنا اللاهثة لم تعطنا فرصة أن نكتشف أنفسنا كما ينبغي. أو لأننا نتغير وعلينا أن نلاحق التغير ونجاريه. فلا يكفي أن تقول في يوم إنك تعرف نفسك".
واستثمرت شريفة التوبي الأزمة في "ليست مزحة" لنشر الفرح في قلوب الأخرين، تقول: "نرتدي القفاز والكمامة كلما خرجنا، أصبحنا نقرأ العيون لنعرف حال الإنسان الذي نقابله عن بعد، وربما لأول مرة أكتشف جمال عيون الفتاة التي تعمل في قسم المحاسبة في أحد محلات الأغذية وهي ترتدي الكمامة، رغم أني كنت أراها من قبل، لكن البثور التي تملأ وجهها كانت تغطي جمال عينيها، ولأني لا أطيق أن أخبئ شعوري بالجمال، أخبرتها أن عينيها جميلتان، فضحكت شاكرة وقالت: "هذا من حسنات كورونا يا عزيزتي".
يجد حسن عبادي في الأزمة، فرصة لتذكير العالم بما يحدث في غزة، ففي نصه "فكر في كورونا وفي غيرك" يستذكر قصيدة محمود درويش "فكر بغيرك"، ويقول: "الآن مع زيارة العمة كورونا الكونية، مُنع التجول العالمي، الحصار والعزل البيتي لأكثر من ثلاثة مليارات شخص حول العالم، في آن واحد. بإمكاننا أن نستوعب معنى الحصار على غزة وأهلها لسنين مضت، ونفكر بحالهم، بإمكاننا أن نفكر في عزلة أسرانا لسنين طويلة مضت، ونذوّت معاناتهم اليومية كل تلك السنين (ولا مين شاف ولا مين دِري)!".
الخوف والرعب
نشرت أخبار كورونا الخوف، وضاعف الحظر الكلي حالة الرعب والذعر. في "العطس في زمن كورونا" يصور مجدي دعيبس مشهدًا للذعر الجماعي: "وبينما هو ينتظر وقفت سيدة وراءه. حاول أن يمد يده إلى جيبه ليبحث عن منديل لكن نوبة العطاس داهمته. حاول أن يعتذر ويقول إن سبب العطاس هو حساسية من العطر الذي تضعه السيدة التي تقف خلفه. لكنه عندما فتح عينيه بعد انتهاء نوبة العطاس لم يجد أحدًا ليعتذر له. انتفضوا من حوله كأن صاعقة ما قد بعثرتهم... . لوح عدد منهم بأيديهم تعبيرًا عن الاستياء والغضب، نظروا إليه بقرف واشمئزاز".
ينبه محمد بوحوش في "الشاعر يتحسس العالم بأنفه" لخطورة النظرة تجاه الآخر، يقول: "يخرج الشاعر أحيانًا من ضيقه وسجنه مبللًا بالأمل ليتنفس هواء مغشوشًا، هواء بطعم شبح كورونا. يرى الآخر من حوله بمثابة كائن مفخخ، فيتحاشاه، ومع ذلك يظل يقول: "الآخر ليس الجحيم. الأخر هو أيضًا أنا. الأخر هو أيضًا يلهو أو يبكي في داخله، أو يُقلّم الحزن والجزع والخوف بلفتة حذرة أو ضحكة باردة".
في "رسالة من زمن الوباء" تخاطب غادة فاروق شريك حياتها البعيد، تصف له حالتها: "ليتك كنت هنا لتشاركني جنوني.. نغافل الوباء ونعيد بضحكاتنا الحياة إلى الشارع الذي هجره عابروه، ونمحو الخوف من الطرقات..أنت لست هنا، وأنا وحيدة لا يوجد معي سوى تلك الفتاة الخائفة تنظر في وجهي في المرآة ولا تجيد المواساة".
تعبر نجوى الروح الهمامي في نصها "قطط خائفة" عن حالة الرعب التي اجتاحت العالم، تقول: "فجأة توقف العالم عن الدوران. أصبحت "لو سمحت أوقف الكرة الأرضية أريد أن أنزل" أمنية قابلة للتحقق. الكرة واقفة يا صديقي، ولا أحد عنده رغبة في النزول. الجميع يرجوها كي تعود إلى دورانها، دورانها الذي يجعلك تدخل في غيبوبة الفوضى المحمومة".
 ولن يتوقف الأمر، بل ستتفاقم العزلة وآثارها: "سنزداد عزلة ونتكور كقطط تنشد العطف خلف الباب، ربما أصبحنا عناكب مُعلقة في أسقف بيوتنا، أو أشباحًا تسكن شقوق الجدران وفتحات التكييف. أنتم لا تعرفون معنى الانقطاع عن العالم. ليس في الأمر رومانسية، تتحولون إلى مخلوقات عاجزة عن الفهم".
تحذر هبةالله أحمد في نصها "مطعم الكوارنتينا" من خطورة ما يحدث على الصعيد النفسي والعلاقات الإنسانية: "أتعلم يا صديقي، أحس الكون يزفر ويزفر ويزفر دون شهيق، لا يدع لنفسه فرصة لالتقاط الأنفاس، يسيطر عليه افتقار الحميمية، الرغبة البدائية في البقاء أضعفت أمامها باقي الرغبات، فوبيا التلامس أفقدت الكون نكهة الفصول الأربعة. ننسل من قميص الوقت خوفًا من النهاية، ولا نعلم أننا على الحافة منها بفقد بهجتنا".
الحزن
يؤنسن زهير العبداللات البلاونة في نصه "ربيع حزين في زمن كورونا" الزهور التي افتقدت محبيها، يقول: "وإني أرى الحزن أيضًا ينتاب أزهار السوسن والنرجس، فلا عبير يميزها ولا أنيس يؤنسها، ولا زائر يواسيها. وأزهار الأقحوان البيضاء والدحنون الأحمر ما عادت تتجرأ على قطفها الصبايا كعادتهن، لصنع تيجان تلف رؤوسهن وسلاسل تزين أعناقهن».
وتصف عزيزة الطائي "في العزلة مأوى وحياة" مشهد الحياة الحزينة المقفرة: "نظرت من نافذتي إلى فسحة الحياة، لعل ذاتي تشعر بالانعتاق من عزلة هي أقرب إلى العقاب للنجاة من الابتلاء، أقرب إلى الإقامة الجبرية لمحاربة الفيروس COVID-19. رأيتُ الفضاء فسيحًا ساكنًا، رطبًا مبللًا، حزينًا دامعًا خاليًا من روح الحياة، انتابني إحساس كأنني أتطلع إلى أرض تيماء، يضل فيها عابرها، أو يهلك دون أخلاء.
وتكمل رجاء نمر الظاهر في نص "في زمن كورونا"، تصوير المشهد: 
"في زمن كورونا
اشتاقت الدار للصغار،
لطلة الجيران والنّوار،
لضجة الحي في الصباح،
لصوت "حي على الفلاح".
الاكتئاب
أصيب الكثيرون بحالة من الاكتئاب والقلق والتوتر، يقول سميح مسعود في "أيام لا تنسى" مصورًا هذه المعاناة: "أيام الحجر الإلزامي في عمان تمر ببطء شديد، تشعرني بأنني ليست كما كنت بالأمس، إنها تعزلني بحزم وسط أمواج ضباب تلفعني. أحاول أن أخلق أثرًا لها على أوراقي، ها أنا أكتب عنها بكلمات متشابكة، تغمر بعضها بعضًا في سطور متمايلة. قلمي لا يستطيع تشكيلها لما أعانيه من رجفة في يدي، في ظل أجواء مفعمة بالتوجس من الجائحة الشريرة التي تنشر الموت بشراسة في العالم أجمع".
وتصف أفراح الهندال في نص "سجن هنا.. محجر هناك" أثر العزلة النفسي، تقول: "تحاول إقامة علاقة مع الجدران الستة المحيطة بك، تعرف يقينًا أن هذا المتصدع فوقك ليس سقفًا، تخط عليه ما تشاء من شعر وذكريات وخطوط متراصة تنقذ ذاكرتك المترنحة بثقل الزمن، تبوح له بقائمة الممنوعات الطويلة، أنت في زنزانة انفرادية، قلبك في محجر صحي، العالم سجين الوباء، والكل يتساقط!".
وفي تصوير فني متدفق، تقول سماح نضال الخفش في نصها "الحصة الأولى" معبرة عن حالة الاكتئاب عندما تتكشف ستائر النفس: "وكلما أسدل الليل ستاره كانت تتكشف لي ستائري، ينتابني ضيق النّفس، واختناق الغريق، وقلق الغريب، وأرق الطاعن في السن، وثقل الحُبلى في شهرها التاسع، وعطش الصائم في آب، وشحوب الخائف، وهزال الفقير، وشعور المسجون ظلمًا. وتضيق علي جدران بيتي حتى كأنها تنطبق على صدري".
أما نوزاد جعدان، فيؤكد في نصه "خُلد المدينة" أن الاكتئاب قيدٌ كبَّل الجميع:
 لا كلاب في المدينة تسلينا بنباحها في المساء
ولا هررة تقتحم علينا عزلتنا بموائها
لو أطلنا الإمعان في هراء العزلة..
ولا نساء يثرثرن أمام الفناء
فيغزلن قميصاَ يسع كمّ الحياة..
هنا الكل مكبل بالاكتئاب 
وبعد هذا جانب مما حفلت به "شهود من أهلها.. أحاديث الجائحة، عمّان: دار الآن ناشرون، 2021، 258 صفحة، التي تناولت موضوعات كثيرة، كتبت من وحي الجائحة أو خلالها، في شهادة على الحدث الذي زلزل الأرض، وما زال، وعلى الرغم من انفراج الأفق، إلا أن الخطر ما زال يكشر أنيابه، ولا أحد يستطيع التنبؤ بالخلاص القريب.