يسري العزب .. محامي شعراء العامية

الشاعر المصري الراحل من أصحاب المواهب الأدبية في الشعر والمسرح الشعري والنقد الأدبي، بجانب دوره الناجح كإداري واعٍ بأبعاد الحركة الأدبية وما يدور فيها.


يسري العزب عرف عنه حرصه الشديد على السفر إلى كل محافظات مصر، ومشاركة أدبائها في الأمسيات والندوات واللقاءات الأدبية


كان يسعى وراء اكتشاف الأصوات الأدبية الواعدة، ومد يد العون لها، ورعايتها وتقديمها إلى الوسط الأدبي


إليه تعود فكرة تنظيم "مؤتمر أدباء مصر في الأقاليم"، الذي بدأ أولى فعالياته في عام 1984

يسري العزب، واحد من أشهر شعراء العامية في مصر، وتحقّق له ذلك بعد تمكنهِ الملموس من لغته العربية وأسرارها، و- أيضاً - قدرته على كتابة قصيدة شعر الفصحى.
وهو من أصحاب المواهب الأدبية في الشعر والمسرح الشعري والنقد الأدبي، بجانب دوره الناجح كإداري واعٍ بأبعاد الحركة الأدبية وما يدور فيها، ممّا حدا به لتكوين جماعة "الفجر" الأدبية التي قامت على رعاية شعراء العامية في مصر تحت رعايته وإشرافه، ومن خلالها تم اكتشاف العديد من الشعراء والزَّجالين.
وإليه تعود فكرة تنظيم "مؤتمر أدباء مصر في الأقاليم"، الذي بدأ أولى فعالياته في عام 1984. وهو ما أكده لنا الشاعر د. فوزى خضر عضو أمانة المؤتمر.
وقد عُرِف عن يسري العزب حرصه الشديد على السفر إلى كل محافظات مصر، ومشاركة أدبائها في الأمسيات والندوات واللقاءات الأدبية، وسعيه وراء اكتشاف الأصوات الواعدة، ومد يد العون لها، ورعايتها وتقديمها إلى الوسط الأدبي.
ولد محمد يسري عبدالعزيز العزب الشهير بـ يسري العزب فى عام 1947، بقرية ديمشلت التابعة لمحافظة الدقهلية، كان والده شاعراً كلاسيكياً يكتب قصيدة شعر الفصحى، بينما عمّه الشاعر د. محمد أحمد العزب من روّاد شعر التفعيلة رغم أزهريته، وقد تبوّأ منصب عميد كلية اللغة العربية.
وقد حصل يسري العزب على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة في 1969، وليسانس الآداب – قسم اللغة العربية من جامعة القاهرة في 1975، ثم نال الماجستير في الأدب العربي بإمتياز فى عام 1981 وتوجت رحلته العلمية بحصوله على الدكتوراه في الأدب الحديث بمرتبة الشرف الأولى في عام 1985.  

The departure of writers
اكتشاف العديد من الشعراء والزَّجالين

وجمع بين الإبداع الشعري وبين التدريس كأستاذ للأدب العربي بآداب بنها. ويؤكد ذلك قول د.أحمد شمس الدين الحجاجي عنه بقوله: "لقد امتلك يسري العزب قدرة تكاد تكون موهبة في آن يزاوج بين الأكاديمية النقدية وبين الإحتفاظ بالطبع الشعري وتغذيته بالحركة الحية مع الحياة والتفاعل المستمر مع الحركة الشعرية. ولقد استطاع يسري العزب أن يوفّق بين عمله الأكاديمي البحثي وبين الاستمرار الشعري في التعبير عن كل مشاعره بما يشغله من قضاياه الذاتية وقضايا أحبابه وقضايا وطنه الكبير والبحث المستمر داخل الذات الذات وخارجها عن دروب جديدة في ميدان الشعر".
وقد صدر له عدد وفير من الأعمال الأدبية الشعرية والمسرحية والنقدية ومنها: فوازير فلاحية ديوانه الأول بالعامية (1971). تغريبة عبرازق الهلالي مسرحية شعرية وفيها قدم صورة المصري في الغربة ومعاناته. ديوانه "شجرة مريم" في 1991 بالعامية. ديوانه خيال المآته 1993 بالعامية. ومسرحيته "غيطان الفقر"، ومسرحيته "داري على شمعتك"، ثم ديوانه بالعامية المصرية "ميلاد البحر" 1996، وفيه يعبّر عن نفسه وعن أحبابه في مودة آسرة وحُب شفيف.
وصدر له - أيضاً – مسرحية شعرية بعنوان "نخلتين في العلالي" والمسرحية الشعرية "الوعد سعد". بجانب كتابه "موال أدهم الشرقاوي – بلاغة النص" ضمن مكتبة الدراسات الشعبية – قصور الثقافة في 1996.
وهو من الشعراء والنقاد الذين لم ينالوا حقّهم من الجوائز الأدبية في حياته، فلم يحصل سوى على جائزة النقد الأدبي الأولى من المجلس الأعلى للثقافة في عام 1982، وكأس القباني في النقد الأدبي، بالرغم من وجوده الناشط الفاعل في كثير من المواقع الثقافية والأدبية ومنها: عضويته الدائمة وحتى رحيله في مجلس إدارة النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر ودوره المؤثر بها، وأيضاً عضويته ثم رئاسته لجميعة الأدباء بالقاهرة، وعضويته برابطة الزجالين وكتاب الأغاني ومشاركته الفعالة بالمؤتمرات الادبية في شتى أنحاء مصر.
ويحسب له دفاعه المخلص عن قضايا شعر العامية وشعرائه، ومطالبته بتخصيص ما يليق بهم من جوائز أدبية رفيعة، ونذكر له إبداعه في تقديم محاضرات شافية وافية في كيفية قراءة شعر العامية، وقد لُقِّبَ بمحامى شعراء العامية، و– أيضاً – حبيب أدباء الأقاليم لإتساع علاقاته بهم وعمق معرفته بهم ووفرة كتابته عنهم، ويُشهد له بالرأى النقدي الُمنصِف عمن يكتب عنهم، ومن هؤلاء الزجال السكندري الراحل كامل حسني، فقد أشاد بإبداعه وريادته، وكان ذلك في مؤتمر اليوم الواحد لفرع ثقافة الإسكندرية في عام 2009 بعنوان "كامل حسني... سكندرية الزجل".
وتتسم شخصية د. يسري العزب بسمات إنسانية جعلت منه شخصية مرغوبة من الجميع ومحبوبة من الكل، تتلخص في تواضعه وبساطته في المعاملات وصراحته الواضحة والصدق في العلاقات لما كان لإبداعه الشعري أثر بالغ في ذيوع اسمه في المحافل الشعرية، وحرص الشعراء في كل مكان على دعوته والإستماع إلى قصائده، فهو من أصحاب  الأداء الشعري المفوّه القوي الجذاب، فضلا عن تعبير قصائده عن الإنسان البسيط في مواجهة الحياة ومتطلباتها، بجانب اعتزازه كشاعر بقيمة المكان وشخوصه. 
ونذكر له قصيدته الشهيرة "ياسيدى جابر مدد" وقد كتبها فى الإسكندرية فى أحد المؤتمرات الأدبية، وألقيت في قصر التذوق بسيدى جابر في عام 1997، وفيها يذكر أسماء الشوارع والحواري والأولياء في الإسكندرية، ويقيم علاقة فيما بين الذاتي والعام والقديم والجديد، مع استخدام تقنية تعدّد الأصوات، واستدعاء الموروث في صياغة شعرية مُحكمة جذابة عالية التأثير ونتأمل قوله منها:

في اسكندرية البحر الأبيض
والنوارس طايرة فوق
وفي يوم خميس
في "سيدى جابر"
كنت ضيف في مؤتمر
الأشيا كانت عال .. ومعدن .. معتبر
وأنا كنت في المجمل عريس .. زى القمر
وفتح على ربنا والفاتحة خير
كل الفتوح... مالهاش مثيل
وكأننا في عيد الميلاد "وأنا كنت فارس منتصر"
إلى قوله: "وفي لحظة حسيت بالنكد .. من غير سبب .. هل النكد
راكب حصان ... فى عينيه كمد..
ناوي – أعوذ بالله – هدد
اتهد حيلى – بدون مؤاخذه – وارتميت
في بير كأنه مليان بزيت / نار من جهنم تحت منه بتتولد
حسيت – يا روح أمى كإنى بانجلد
فى "ميدان عرابى" وخلق يوووه مالهاش عدد
إلى قوله: "ياسيدي بشر" هاروح فطيس
ما تمد إيدك شدّني من دا الهويس
حشنى أنا في صحراء بعيدة عن البلد من غير سند
مافيش محطة في المدى / ألوذ إليها تشدنى
في يوم مفترج .. دا .. يوم خميس
كان البوليس واخد أجازة وفي "السويس"
إيه اللي جابه (اسكندرية) بدون معاد
هو الملك بعد ماغار لراس التين رجع
الأشيا كانت أشيتين
الهم دا ياربى – كان متواري فين
مش كنا زحناه عننا 

The departure of writers
من أشعاره

الجو طيب ولوجوه مستبشرة
البعض م ( الأنفوشى) راح (المندرة)
والبعض م الأزاريطة قام
ساق الهبل ع المسخرة فى (سموحة)
شفت الوادة مره
و(المرسى أبوالعباس) حزين م اللى جرى
(سيدى البوصيرى) بردته دابت
وسابت جسمه طقطق واتهرا
مش هم دول اللى قالوا لنا نشد الحزام
ونمشى قدام مش ورا .................."
ومن قصائده المعروفة "ميلاد البحر" وفيها يطرح تشكيلاً فنياً شعرياً، يرتكز فيه على مفردات المكان، وعلاقة الإنسان بها، وتأثير فيه، وتأمل قوله منها:
"إيدى اليمين، وأنتى، ونن العين
تايهين مابين بحرين
وانا في البحور جمعاً
غرقان في حبك حنين
بس الغرق طوعاً
لا غصبنى غاصب أعوم
ولا قلت يوم: سمعاً"
ويعبّر عن التردّد فى اتخاذ القرار، في سخرية وتهكّم، من خلال التضاد واستخدام المفارقة المدهشة وتأمل قوله:
أصعب ما في الدنيا اليومين دول القرار
الدم مابقاش كُرات بيضا وكرات حمرا
أصبح عديم اللون وماسخ بارد وبايخ.
وأسخن من بلاط المُدُن
كل الأمور اتسيِّبت
لا الليل بقى ضلمة ولا الشمس تعنى النهار
أصعب مافيها الانتظار للمحن
مع إننا بنعيش فى آخر زمن
ماشيين على السلخانة قطعان غنم"
ولا يفوتنا التنويه إلى أهمية دراسته في أزجال – زجال الشعب – محمود بيرم التونسي، والتى لفتت إليه الأنظار كناقد أول في شعر العامية والزجل، وقد أصبحت مرجعاً لكثير من النقاد وراغبي الكتابة عن إبداع بيرم التونسي.
وفي نهاية الثلاثاء الخامس من مايو 2020 الموافق الثاني عشر من شهر رمضان 1441هـ رحل عن دنيانا إلى جوار ربه الشاعر الدكتور  يسري العزب، بعد صراع مع المرض، عن عمر يناهر 73 عاماً، تاركاً لنا تجربة شعرية ثرية وقدراً جادًّا من الدراسات الأدبية الجلية، وعزاؤنا أن اسمه قد سُجل بحروف من نور في سجل مبدعي الشعر العربي ونقاده.