'لا كرامة لمستطيل' .. هاني الصلوي عالقا بين اليمن وتونس والقاهرة

يزعمن أن قصائدك رديئة

يقدم الشاعر اليمني هاني الصلوي في مجموعته الشعرية الأخيرة المعنونة بـ \"لا كرامة لمستطيل\"، إلى جانب عنوان فرعي \"ذلك الغيورة\" تجربة مهمة في سياق تجربته، كونها كتبت في ظروف حرجة وجد فيها الشاعر نفسه مضطرا للبقاء في تونس التي يزورها ربما للمرة الأولى بسبب وقوع الحرب في بلاده اليمن، ورفض السماح له بالعودة إلى القاهرة مقر إقامته، فكان أن مزج في التجربة بين عوالم مختلفة في تجلياتها وعلاقته الإنسانية بها.

كتبت نصوص المجموعة كما ورد في الصفحة الرابعة في تونس بعد مارس/آذار 2015 حتى آخر أغسطس/آب من العام نفسه، وهي الفترة التي قضاها الشاعر عالقــًا هناك غير قادر على العودة للقاهرة مقر إقامته إثر نشوب الحرب في بلده اليمن والانقلاب على الشرعية. باستثناء نصه \"مسكينة أنت يا بلجيكا\" المكتوب في مدينة أنتويرب الفلومانية البلجيكية، ونصه \"العدوى\"، أما إهداء المجموعة الموضوع تحت عنوان بديَّة \"من مشفى العربي ـ عزوز النصي\" فجاء هو الآخر مختلفــًا يقول فيه:

إذا كان لا بد من البلاد فـ \" تعز\".

وإن كان لا بد من الأصدقاء، فالباي الجلاصي وعائلته السماوية

وإن كان لا بد من المتصوفة ِالنابهين فلا بد من ميمونة التي تعرف ربي ويعرفها جيدًا.

وإن كان لا بد من الورود فنسري زغـوان فقط

نسري زغـوان فقط.

العنوان الفرعي للمجموعة الصادرة عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر جاء ليؤكد على طريقة الشاعر في العنونة التي تميز إنتاجه والتي تقوم على الغرابة في العنونة والإثارة واستغلال أقصى إمكانيات السياق اللغوي داخل النص وخارجه. وضمت ثلاثة وعشرين نصًا موزعة على مئتين وثلاثين صفحة من القطع المتوسط، وفي قصائد متوسطة الحجم عدا ثلاث قصائد طويلة هي \"برق ملعون الطلعة\" والتي تجاوزت الخمس وثلاثين صفحة، و\"يضرب في اللغة\" خمس وعشرون صفحة، بينما توزعت قصيدة \"مسكينة أنت يا بلجيكا\" على خمس عشرة صفحة.

تلت الإهداء مقدمة كاشفة عن الكثير من الهموم شكلت الهاجس الجوهري في المجموعة، وقد وسمها بـ \"شهادة زور غير مأجورة\" ونسبها للشاهد، يقول: \"في السابع والعشرين من مارس المسالم عند العرب \"إله الحرب غربا وشمالا\" خلفت القاهرة و\"جابر ابن حيان\" و\"الشيخ معروف\" و\"هدى شعراوي\" سالكا جناحا من الألمنيوم، مادة أبي المقدسة، صوب إفريقية المفرقة. قبل أن تغدو تونس التي تؤنس وتؤم دون غيرها، خلفت تلك الجهات والأسماء والشوارع، فكانت الحرب تلقي قنابلها على أحلام أطفال اليمن بصنعائها، وتهامتها الممتدة في السمرة والحب وبتعزها وصلوها.. كانت الحرب في رأس العجلة موجهة صوب حرب في الداخل الرطب الواهن الحزن والجباه والرضا والاستفزاز..\"

ومضى الشاعر قائلا أيضا \"كانت مائة وثلاثين يوما بين \"على درغوث\" و\"المختار عطية\" ومن خلال \"نهج ابن خلدون\"، بين قمرت، و\"الحبيب بورقيبة\"، بين الهوارية، وزغوان، وفوشانه، مع روزا وأوزيريس، وإيزيس قبالة زمبرا وزمبريتا.

ابتدرني \"غاربالدي\" يسأل في لهفة عن رفيقه \"ألكسندر ديماس الأب\" وفرسان حفيده الثلاثة حيث لا رابع إلا في قوائم السجل المدني.

لما كان عليّ أن أبقى مائة وثلاثين يوما.. كانت هذه الـ \"لا كرامة لمستطيل\".

ليبدأ المجموعة بنص في غاية القصر والالتباس والشعرية:

\"يتركنك وحيدًا

بين أوراقك،

ثم يزعمن أن قصائدك رديئة\".

وتتميز نصوص المجموعة عن نصوص الصلوي السابقة من جانب، وعن ما صدر في السنوات الأخيرة من مجاميع قصيدة النثر أو قبل ذلك، في كونها شاقة طريقها الخاص بين نتاجات الشاعر ونتاجات معاصريه من الشعراء، خائضة في مناطق شائكة على المستويات كافة: الحياتية واللغوية والشعرية ومستويات التجريب، والمغامرات المفتوحة. إنها \"مجموعة شعرية\" يمكن للقارئ أن يقول عنها، سواء كان مطلعـًا على المنجز الفكري والتنظيري للشاعر أم اطلع على سياقه الشعري فحسب: إننا بإزاء شاعر يتقدم كل لحظة في آفاق جديدة، ويجترح كل لحظة أكوانــًأ أوسع. بينما سيجد الناقد في المجموعة وما قبلها مثالًا مائزًا لا يتكرر على تحولات الشعر الحديث وتقلباته وإدهاشاته، فحسب بعض المهتمين. هو حالة في فريدة الشعر الحديث.

مفردات اليمن بتفاصيلها الخاصة تحضر بقوة داخل المجموعة، وذلك جنبا إلى جنب مفردات تونس، وإن كانت تخيم على الأولى آلام ما جرى ويجري من أحداث تركت آثارها على مواطن الطفولة والشباب، فيما تفتح في الأخرى تجليات الوجود الإنساني لأجواء تونس شوارعها ومقاهيها وشعرائها وكتابها.

وتركيزًأ على المجموعة يقول الشاعر والناقد والبحاثة علوان الجيلاني: في مجموعته \"لا كرامة لمستطيل\" سيبدو هاني الصلوي مبدعاً كونياً، من جهة اشتباكه الواسع مع تجارب شعرية من مختلف أصقاع العالم، ومن جهة التمثلات والتضمينات العابرة للثقافات، أما على مستوى الاشتغال الشعري كتقنيات ومرتادات شكلية، فإن اللعبة الفنية ستبدو متعددة المناحي، حيث تختلف الجملة على مستوى التكنيك وعلى مستوى المعجم بين نص ملحمي مثل \"برق ملعونة الطلعة\" وهو ذروة إبداعية مدهشة، ونص \"لا تمت في الصباح الباكر\" الذي يجب أن يقرأ في إطار كونه واحداً من أهم وأجمل النصوص التي عرفتها القصيدة الحديثة.

المفاجآت لا تتوقف على الشكل، ولاعلى الاستفادة من معطيات النص الجديد الذي تعد الريادة فيه والتنظير له بصمة مميزة للصلوي في مشهد ما بعد مطلع الألفية، المفاجآت تتمثل أيضاً في اجتراح لغة هادمة للأنساق السائدة، لغة تتآزر مع أفكار جديدة ومبتكرة نجدها في نصوص مثل \"كان الحزن إلها قديما\"، و\"برق ملعون الطلعة\"، و\"الهامش على المفاتيح\"، و\"يضرب في اللغة\".

إنه إبداع يجمع بين لذتين لذة النص بوصفه لغة، ثم بوصف اللغة لعبة تعبيرية، ولذة الفكرة بوصفها رافعة استثنائية للعبور بالنص إلى مستوى تخلّقه المختلف، وبوصفها أيضاً شريكا يتواطأ بخفاءاته وتجلياته، في تشييد جماليات النص بمجمله.

ثمة أيضاً التشذير، وتعمد الإرباك الذي سنشعر به كجزء من حلاوة النصوص وامتلائها بالشعر، خاصة تلك اللحظات التي تندفع فيها العواطف أو يرتفع فيها الاحساس بالروح الانسانية الكونية كضرب من الرغبة في مقاومة المآزق الوجودية كمأزق الحرب\".

في قصيدة \"برق ملعون الطلقة: \"تنكر\": يقول الصلوي:

ليست فازةً يا ابنتي ولا مشهداً مفتعلاً: أحرق الشبزي أطراف ثيابه ولم ننج. عمامته ولم تعد بيوتنا لهندامها وألفتها، زنانيره ولم تقفل المقابر بطونها، أصابعه ولم يعد الأطفال من القصف، جسده ولم ترجع الحياة من المذبح.... لم يترك الهلع للشبان أرجلا، للأمهات أثداء. للمغيرين فرصة ًللتراجعِ أو الصوم.... \"ولم تأتي قبلي\".

\"لم تأتي بعدي\":

تقدمتِ في نص ماردٍ وبلادٍ لا أرض أتكيء عليها. بعمومة ناضجة ونهدين يأكل تفاحهما الوجهة. لم تتسلق عصا آب غير ظهرينا: لسعتِ الشتاءَ في زمهريره، الإبهام في سبابته، الطين في خيالاته قلتِ: النور فسقطت العصفورة في حجرك. السحابة فغارت أحلامك. الزاوية فبرز السطح سهلاً ممتداً. التميمة فأنكفأ السحرة في المحاريب. قلتُ: الله فخرجت صلاة الضحى تتمشى في الليلِ. قلت: الخيزرانة فتمايل المستحيل في الطرق واخضرت المنامات في طوابير الخبز البلدي... و\"لم تأتي قبلي\".