باحث مصري: الوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين، تُمثل أيقونة أبدعها فنان موهوب

قيمة إيجابية

تُعد قضية الوحدة الوطنية واحدة من بين القضايا البارزة التي شهدها المجتمع المصري في تلك الفترة، وتناولتها الصحف على مختلف اتجاهاتها وتعدد انتماءاتها، بل هي قضية مستمرة إلى اليوم، يتكرر الحديث عنها بين الحين والآخر، ما يؤكد أهميتها، ويأتي تناولها تاريخيًا من منطلق أهمية استدعاء حوادث التاريخ ودروسه والاستفادة من الخبرة التاريخية المشتركة بين مكونات الجماعة الوطنية المصرية، بما يحقق التواصل بين الأجيال من أبناء الوطن.

وهذا الكتاب \"وحدتنا الوطنية بين الثورتين\" للباحث د. رامي عطا صديق والصادر عن دار العربي للنشر يضم دراستين في تاريخ الصحافة المصرية وموقفها من قضية الوحدة الوطنية، خلال الفترة الممتدة من نهايات القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين.

يتناول د. رامي في الدراسة الأولى موقف الصحافة المصرية من قضية الوحدة الوطنية بين سنتي 1881 و1919، مؤكدا أنها فترة خصبة وغنية في تاريخ مصر الحديث، حيث إنها شهدت بداية الاحتلال البريطاني لمصر عقب فشل الثورة العرابية التي اندلعت سنة 1881 واستمرت حتى العام التالي، 1882.

كما شهدت تلك الفترة أيضًا بزوغ الحركة الوطنية المصرية المُطالبة بالجلاء والمنادية بالاستقلال، تلك الحركة التي سطعت حينًا وخفتت حينًا آخر لكنها وصلت إلى قمة ذروتها في سنة 1919، مع اندلاع الثورة الشعبية التي فجرها المصريون على اختلاف اهتماماتهم وتنوع أعمارهم ومجالات عملهم، ضد قوات الاحتلال الإنجليزي، طلبًا للجلاء وتحقيقًا للاستقلال، وكانت الوحدة الوطنية أحد أبرز مشاهد الثورة ومعالمها.

وكشف في تلك الدراسة عن عمق قيمة الوحدة الوطنية بين المواطنين المسلمين والمواطنين الأقباط (ونقصد بهم المصريين المسيحيين)، وبالأخص في فترات الاتحاد القومي والتماسك المجتمعي حول أهداف وقيم مشتركة، عبرت عنها مجموعة من الصحف الوطنية بمقالات كثيرة وكتابات أدبية متنوعة شملت القصة وقصائد الشعر والزجل، وفي المقابل شهدت بعض الفترات اضطراب تلك الوحدة وتوترها، لا سيما وأن سلطات الاحتلال البريطاني كانت قد اتبعت سياستها الشهيرة \"فرق تسد- Divide And Rule\" بين المصريين وبعضهم بعضًا.

لكن، وعلى الرغم من ذلك، فقد ظلت الوحدة الوطنية مبدأً أصيلًا وقيمة مقدسة بين المصريين، اهتم الكثيرون من المثقفين والمفكرين والكُتّاب بالدعوة إليها وتدعيمها في كتاباتهم ومحاضراتهم وفي كل نشاط عام قاموا به ومارسوه.

أما الدراسة الثانية فتناول فيها د. رامي موقف المواطنين الأقباط من قضية الحفاظ على اللغة العربية، وقال \"هي القضية التي برزت بوضوح في نهايات القرن التاسع عشر، وحتى الربع الأول من القرن العشرين وربما بعد ذلك أيضًا، من خلال تناول موقف بعض الصحف التي أصدرها المواطنون الأقباط من قضية الحفاظ على اللغة العربية، عبر كتابات صحفية متنوعة كتبها مواطنون مصريون، مسلمون ومسيحيون، حيث برزت قضية الحفاظ على اللغة العربية كواحدة من بين أبرز القضايا الثقافية والاجتماعية على وجه العموم، وقضايا التعليم على وجه الخصوص، حين كانت مصر واقعة تحت براثن الاحتلال البريطاني، الذي عمل على إضعاف اللغة العربية لصالح اللغة الإنجليزية من جانب، ومن جانب آخر رغبة من قوات الاحتلال في خدمة مصالح السلطة البريطانية في مصر.

واستعان د. رامي بصحف (الوطن – مصر – المفتاح – المحيط - رعمسيس)، وهي مجموعة من أبرز الصحف العامة والثقافية في تلك الفترة التي أصدرها بعض المثقفين والكُتّاب من المواطنين الأقباط، كما استعانت الدراسة أيضًا بعدد من الصحف الدينية (المسيحية) وغيرها من الصحف ذات الاهتمام الخاص بالثقافة القبطية التي أصدروها آنذاك مثل (التوفيق - عين شمس - الفتى القبطي \"الإيمان\" – الكرمة - الشمس).

وتوصل رامي في تلك الدراسة إلى اهتمام عدد من المثقفين الأقباط، بالإضافة إلى عدد من المثقفين المسلمين، بمسألة الحفاظ على اللغة العربية، من خلال كتابات عدة في بعض هذه الصحف خلال الفترة محل الدراسة والبحث، حيث تنوعت خطابات الكتابات الصحفية بدورها بين ثلاثة اتجاهات/ خطابات أساسية. الخطاب الأول يدعو للحفاظ على اللغة العربية والاهتمام بها وحفظها، بينما يدعو الخطاب الثاني إلى إحياء اللغة القبطية وإعادة استخدامها، أما الخطاب الثالث - وكان الأكثر تواجدًا وانتشارًا على صفحات الصحف محل الدراسة - فكان يدعو إلى العناية بحفظ اللغة العربية مع الاهتمام بإحياء اللغة القبطية في الوقت ذاته، وكان لكل فريق أسبابه ومبرراته.

ورأى د. رامي أن الوحدة الوطنية بين المواطنين المصريين، من مسلمين ومسيحيين، تُمثل أيقونة مصرية جميلة أبدعها فنان موهوب، فهي قيمة إيجابية، ضمنت وحدها وعبر التاريخ العريق وطنًا واحدًا ومجتمعًا متماسكًا يسعى أبناؤه من أجل البناء لا الهدم، من منطلق الإيمان بأننا نعيش في وطن واحد ويجمعنا مصير مشترك، نعاني فيه همومًا مشتركة ونواجه مشكلات واحدة نعمل على مواجهتها وتجاوزها إلى آفاق أوسع وآمال أكثر رحابة، عبر العيش المشترك والعمل الجماعي، الإيجابي والبناء. وإذا كانت الوحدة الوطنية بين المصريين قيمة إيجابية، فهي أيضًا علاقة مقدسة، وهي يجب أن تظل كذلك، لا يمسها أحد بسوء، من أجل تحقيق الخير العام وصالح هذا المجتمع الذي يضمنا جميعًا وننتمي إليه، نعيش فيه المعنى الحقيقي للسلام الاجتماعي باعتباره ركنًا أساسيًا من أركان نهضة المجتمعات الحديثة وعامل رئيس من عوامل تطورها.

وأكد أن الداعين إلى الوحدة الوطنية على أرض مصر الطيبة.. مصريون أولًا وأخيرًا، مصريون دائمًا وأبدًا، مصريون قبل كل شيء، يعشقون تراب هذا الوطن، يساهمون في بنائه، كما يشاركون في حمايته والدفاع عنه، لا يبخلون عليه بشيء، يقدمون له كل ما هو غالي وثمين، يؤمنون على الدوام بوحدة مكونات الجماعة الوطنية المصرية، وهم يعتزون دومًا بالانتماء إلى الوطن الحبيب مصر، ذلك الوطن الذي قال عنه البابا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية (1971-2012): \"إن مصر ليست وطنًا نعيش فيه، لكنه وطن يعيش فينا\"، وهو الشعار الذي صار يتردد في كل بيت من بيوت الوطن، ولعلها الحقيقة التي سبق وأن أكدها المجاهد الكبير مكرم عبيد (1889-1961) بقوله: \"ها كم وطنيتنا، نحن في الوطن والوطن فينا شعارًا وشعورًا\"، وهي أيضًا الدعوة الرائدة التي دعا إليها العالم الجليل الشيخ رفاعة الطهطاوي (1801-1873) حين قال: \"ليكن الوطن محلًا للسعادة المشتركة بيننا، نبنيه معًا بالحرية والفكر والمصنع\".

ولفت أن الذاكرة الجمعية للمواطنين المصريين تضم عددًا من رواد الإصلاح والتنوير الذين عرفتهم مصر في تاريخها الحديث والمعاصر، هؤلاء كان لهم دور واضح وقاموا بجهد بارز في تأكيد قيمة الوحدة الوطنية، فإن كثيرين من رواد الثقافة والفكر والفن قد آمنوا بالوحدة المصرية وحملوا على عاتقهم مهمة التنوير والنهضة والإصلاح والمساهمة في بناء هذا الوطن وتحديثه.

وقال رامي إن مشاهد الوحدة الوطنية بين المصريين تنوعت في التاريخ المعاصر، ففي ثورة 25 يناير 2011، اشتركوا معًا في رفض الظلم والاستبداد، واتحدت رغبتهم من أجل تأسيس دولة ديمقراطية جديدة تقوم على دعائم المواطنة التي ترتكز على المشاركة والمساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات دون تفرقة أو تمييز، لأي سبب كان، دولة قوية قوامها الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتسامح وقبول الآخر والعيش المشترك والتعاون البناء واحترام القوانين وتطبيقها على الجميع. دولة جديدة ناهضة تؤمن بحرية الرأي والتعبير والإبداع، تهتم بالتعليم والبحث العلمي وتُقدّر العُلماء من أبنائها، دولة تتواصل مع إنجازات الماضي وتنقطع عن لحظات الضعف والانكسار، حتى تعود ثانية لتتبوأ مكانتها محليًا وإقليميًا ودوليًا، وتستكمل مسيرتها الثقافية وتواصل منجزاتها الحضارية، في داخل مصر وفي إطار محيطها العربي والدولي أيضًا.

وذكر د. رامي أن المصريين ثاروا ونزلوا إلى الشوارع والميادين في العديد من المدن والمحافظات، وإن كان ميدان التحرير هو مركز الثورة، وطلبوا من حسني مبارك (1981-2011) ونظامه الرحيل وترك الحكم دون عودة. هتافات مشتركة جمعت الكل على قلب واحد: \"عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية\".. \"مسلم ومسيحي إيد واحدة\".. مواطنون مسيحيون يحمون المواطنين المسلمين أثناء صلاة الجمعة في ميدان التحرير، ومواطنون مسلمون يحمون المواطنين المسيحيين أثناء الصلاة والتراتيل صباح يوم الأحد في الميدان.. حتى أن ميدان التحرير بدا وكأنه \"مصر صغيرة\" تبحث عن إشراقة أمل وفجر يوم جديد وشمس دائمة لا تغيب.

وأوضح أن الأحداث تعاقبت بين مد وجذر، وصعود تيارات سياسية متنوعة، بعضها مارس السياسة على أرضية مدنية وبعضها الآخر على أرضية دينية، وبعد ثورة 25 يناير 2011 بنحو سنتين ونصف، في 30 يونيو 2013 على وجه التحديد خرج المصريون معًا، من مسلمين ومسيحيين، انتفاضًا ضد حكم \"جماعة الإخوان المسلمين\"، وهو الحكم الذي استمر لنحو عام، تلك الجماعة التي أسسها حسن البنا بمدينة الإسماعيلية سنة 1928 كجماعة دينية ما لبثت أن انتشرت وتحولت للعمل السياسي، ولكنها أصبحت جماعة \"محظورة\" ابتداء من سنة 1954، ثم صارت جماعة \"محظوظة\" - بتعبير البعض - بعد ثورة يناير 2011، حيث مثلت تيارًا مجتمعيًا خلط ما هو ديني بما هو سياسي، عادت بشكل رسمي مع ثورة 25 يناير، وسيطرت على مجلس الشعب (الهيئة التشريعية) برلمان 2011 واستطاعت الوصول إلى الحكم في الانتخابات الرئاسية التي أُجريت سنة 2012، وجاء محمد مرسي رئيسًا للبلاد (2012-2013)، إلا أن الممارسات السياسية لجماعة \"الإخوان المسلمين\"، بزعامة مرشدهم وبعد تولي ممثلهم الحكم، قد عبرت عن رغبة جامحة في الانفراد بحكم مصر، عبر \"أخونة\" قطاعات الدولة، والسير بالبلاد في اتجاه واحد لا يعرف التعددية ولا يدرك التنوع، وغيرهما من صفات كثيرة ميزت مصر والمصريين عبر قرون طويلة، فاصطدموا بكثيرين، واستخدموا سياسة التهديد والوعيد والاستبعاد لكل من هو مختلف ولا ينتمي إليهم، حتى اكتسب ذلك التيار- أثناء وجوده في الحكم - رفضًا واسعًا من أغلب فئات وقطاعات الشعب المصري. فكانت ثورة 30 يونيو وبداية عهد جديد، تولى فيه المستشار عدلي منصور رئاسة البلاد بشكل مؤقت (2013-2014)، وخرج للنور دستور 2014، ثم أُجريت الانتخابات الرئاسية وجاء المشير عبدالفتاح السيسي رئيسًا للبلاد (يونيو 2014).

ونبه د. رامي إلى أن هناك تحديات كثيرة ومشكلات كبيرة لا يزال يواجهها المصريون سويًا أملًا في تحسين الحاضر وبناء مستقبل أفضل، ومن هذه المشكلات مثلًا مشكلات الفقر والجهل والأمية والغلاء وارتفاع الأسعار والهجرة غير الشرعية وهجرة العقول الواعدة، بالإضافة إلى مواجهة مشكلة التطرف والعنف والإرهاب، ولعلها المشكلة الأبرز في الوقت الحالي، حيث باتت تطل علينا بين الحين والآخر بوجه قبيح يسعى إلى هزيمة الدولة المصرية والعودة بها خلفًا إلى الوراء وتعطيل كل خطوة تستهدف التنمية والإصلاح. كما أن المجتمع المصري مازال يُعاني، بين الحين والآخر، هنا أو هناك، من وقوع بعض المشكلات والتوترات بين المواطنين المسلمين والمواطنين الأقباط، وهي مشكلات/ توترات بعضها بخلفية دينية وبعضها الآخر له خلفية سياسية – اقتصادية – اجتماعية؛ الأمر الذي يتطلب استراتيجية مجتمعية متكاملة، تربوية وتعليمية ودينية وثقافية وإعلامية وتشريعية، تُسهم فيها مختلف مؤسسات الدولة على المستويين الرسمي والمدني، بهدف تدعيم مبدأ المواطنة وتعزيز قيمة الحوار، وغيرها من قِيَم المحبة والتسامح وقبول الآخر والوحدة الوطنيَّة والعيش المشترك والتعاون البنَّاء.

ومن جانبٍ آخر، نبذ العنف ورفض التعصُّب ومواجهة الإرهاب، في إطارٍ من التعاون والتنسيق. إنها دعوةٌ لكل فئات المجتمع على وجه العموم، والجماعة الصحفيَّة والإعلاميَّة منها على وجه الخصوص، من أجل الالتزام بالدور التنويري للصحافة والإعلام، حتى يعلو بينهم صوتُ العقلاء والحكماء من أبناء هذا الوطن، والإيمان بالصحافة والإعلام كرسالةٍ إنسانيَّةٍ ساميةٍ تشارك في عملية النهوض بالمجتمع، تعمل من أجل البناء لا الهدم.