ما الذي يخبئه مقتدى الصدر لأتباعه؟
دأب الزعيم الشيعي مقتدى الصدر على دعوة أتباعه إلى عدم المشاركة في الانتخابات المقبلة بعد أن صار مؤكدا أن تياره لن يشارك فيها بما يعني حرمانهم من حقهم الانتخابي.
أما السبب المعلن الذي يدعو الصدر إلى القيام بذلك فيكمن حسب زعمه في محاربة الكتل والأحزاب الفاسدة التي ستفوز حتما بأغلبية مقاعد مجلس النواب في ظل غياب المنافسة وتخلي الملايين الرافضة لوجود تلك الكتل والأحزاب عن أصواتها.
تلك معادلة غريبة من نوعها. فهي تقوم على محاربة الفاسدين من خلال دعم استمرارهم في الحكم. أما الشعب الذي دمر الفساد أسباب عيشه الكريم فإنه يقف متفرجا بعد أن قيده السيد بتعليماته.
ولكن سيُقال على سبيل الجدل ألا يملك أتباع الصدر القدرة على مخالفة تعليماته في ذلك الأمر المصيري ليعبروا عن موقفهم المناهض للفساد؟
في ذلك ينبغي الانتباه إلى مسألتين. الأولى تتعلق بعملية غسل الأدمغة التي أدت إلى تتويج أصحاب العمائم سادة على الفقراء المحرومين من التعليم الحر وسبل العيش الكريم، والثانية تكمن في أن الصدر يتزعم ميليشيا كبيرة، يعيش أفرادها بين الناس وهم قادرون على اكتشاف المخالفين لأوامر السيد وقتلهم في ظل غياب الدولة الكلي عن المناطق التي تهيمن عليها تلك الميليشيا.
ولكن لمَ يلعب السيد مقتدى لعبته تلك؟ لمصلحة مَن؟ وهل مفاجآته المكشوفة لا تزال مقنعة لأتباعه وبالأخص أولئك الذي يتبعونه جهلا وتخلفا باعتباره الابن اليتيم لمَن كانوا يعتبرونه مرجعية دينية حقيقية لهم وهو محمد صادق الصدر؟
الصدر بالنسبة إلى خصومه هو شخصية غير سوية غير أنهم وجدوا فيه ما ينفع وبالأخص أن إيران التي تدعمهم لا تراه عدوا، على الرغم من أن أتباعه كانوا قد هتفوا غير مرة في مسيراتهم العبثية “إيران برا برا”.
إيران لم تغضب من الصدر ولا مرة واحدة. ولو كانت غاضبة منه لقطعت عنه حصته في الميزانية العراقية. من غير مخصصاته المالية التي هي حق الشعب العراقي لن يتمكن السيد من إدامة عجلة الميليشيا التي هي عينه ودرعه وقوته. ينفق السيد على تلك الميليشيا أموال الدولة العراقية أما استثماراته داخل وخارج العراق فلا أحد يمسها.
تعرف إيران ذلك. كما أن الولايات المتحدة هي الأخرى تعرف. ولكنهما لم ولن تقطعا عنه الأموال لأنه الرجل الأهم في العراق. فما من أحد بإمكانه أن يبقي أتباع إيران في السلطة مثل مقتدى الصدر، وما من أحد بإمكانه أن يحمي الفاسدين ويقوي سلطة الفساد مثله.
كل زعماء الميليشيات والأحزاب الذين يستقتلون من أجل خدمة إيران لن يحظوا بالتقدير الذي حظي به الصدر من قبل خامنئي. كما أن الجمهورية الإسلامية كانت مستعدة لاستقباله في أي وقت يشاء. إنه ابنها المدلل.
نسف الصدر المعادلات السياسية التقليدية التي شكلت العمود الفقري للنظام السياسي الذي أقامه الأميركان في العراق ورعته إيران من أجل أن تضمن مصالحها. غير أن دوره كان مرسوما بطريقة متقنة.
هل كان الأميركان يفكرون في أن يأمنوا شره؟ في المقابل كان الإيرانيون أكثر حنكة في الاستفادة من توجهاته الطائفية التي وجدت طريقها سالكة إلى ملايين العراقيين.
ليس مقتدى هو الأسوأ بين زعماء الواقع السياسي العراقي ولكنه الأكثر فائدة لاستقرار النظام. بل هو صمام أمان ذلك النظام.
ما فعله مقتدى الصدر نهاية عام 2022 حين تخلى عن حقه الانتخابي مسلما السلطة للأحزاب المهزومة في الانتخابات لم يحدث في تاريخ الديمقراطية حول العالم. فالرجل باع أصوات ناخبيه لخصومه. خذل أنصاره حين حول انتصارهم إلى هزيمة. هُزم أعداء الفساد وانتصر الفاسدون.
كان واضحا يومها أن الصدر لا يقول الحقيقة كلها على الرغم من أنه لم يشعر يوما بالحاجة إلى أن يقولها. فهو يعرف أن هناك ستارا أميركيا إيرانيا يحميه كما أن مهمته لن تُستهلك ما دام العراق في متاهته.
لن يفاجئ الصدر أتباعه أكثر مما فعله في السنوات الماضية. علينا أن نتذكر دائما أن الذين ولدوا عام 2003 وبعده هم اليوم شباب. جيل وجد أمامه الحياة مضطربة وكل القيم مختلة في ظل تعليم تديره قوى جاهلة. ذلك الجيل الذي عبر جزء منه عن احتجاجه على تدني مستويات المعيشة والخدمات في تشرين عام 2019 وكادت احتجاجاته تُسقط النظام هو نفسه الذي استطاع زعماء الميليشيات، وفي مقدمتهم الصدر، تطويعه لخدمة استمرارهم في الحكم من خلال تفرغه لإحياء الشعائر الطائفية وتنظيم المسيرات الجنائزية بكل طقوسها التي تؤكد غياب العقل.
لا يحتاج الصدر اليوم إلى الإجابة على سؤال من نوع كيف يمكن للمعارض أن يقود القوة المسلحة التي تحافظ على بقاء النظام وتمنع سقوطه؟