نظرة متشائمة إلى مسألة خور عبدالله

خسارة العراق لجزء من سيادته ستكون حدثا مشؤوما لا أعتقد أن المنطقة في حاجة إلى مواجهة تداعياته.

ما يشهده العراق من خلاف بين شعبه وحكومته حول خور عبدالله وهو ممر مائي يربط البصرة بالخليج العربي حدث غير مسبوق في التاريخ.

في الوقت الذي تصر فيه الحكومة العراقية على التخلي عن ذلك الممر المائي تعلن قطاعات كثيرة من الشعب العراقي عن رفضها لتلك الصفقة المريبة والملغومة بالفساد.

كانت المحكمة الاتحادية قد قررت بطلان إتفاقية تخلي العراق عن الخور للكويت بسبب تعارضها مع الدستور. كان ذلك قرارا سياديا غير قابل للنقض. لذلك فقد جرت تصفية المحكمة من خلال دفع أعضائها من القضاة إلى الاستقالة وإحالة رئيسها على التفاعد.

أغضب قرار المحكمة رئيسي الجمهورية والحكومة فأقاموا دعوى من أجل نقضه. ما يعني أن الدولة العراقية منزعجة من قرار قانوني يمنعها من بيع جزء من أراضيها. تلك سابقة لم تحدث في التاريخ.

عادة ما تنصت الحكومات المنتخبة إلى رأي الشعب الذي انتخبها وبالأخص في المسائل السيادية. هل يمكن التخلي عن أرض أومياه عراقية من غير استفتاء شعبي؟ تلك ثغرة قانونية يمكن أن تسبب قلقا في التاريخ.

غير مرة طالب العراق باستعادة الكويت باعتبارها محافظة عراقية. وبغض النظر عن تعارض الواقع السياسي مع الحقيقة التاريخية فإن الكويت دولة معترف بها من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة التي هي عضوة فيها غير أن مسألة خور عبدالله لا تنبطق عليها تلك المعايير.

كان ذلك الخور عراقيا حتى بعد إقامة دولة الكويت. كان عراقيا قبل الكويت وظل كذلك بعدها. وحين نقول إن الخور يمكن أن يكون كويتيا فذلك ما يجعل القول يسيرا في أن تكون البصرة هي الأخرى كويتية. لمَ لا؟

الغريب أن الحكومة العراقية تكون حريصة على سيادة العراق من خلال أجوائه حين تخترقها الطائرات الإسرائيلية في طريقها إلى إيران لكنها لا تحرص على الحفاظ على جزء أصيل منه كما لو أنها تتبرع بشيء يعود إليها.

 وإذا ما عرفنا أن خور عبدالله هو الممر المائي الوحيد الذي يصل البر العراقي بالمياه الدولية فإن التنازل عنه سيؤدي إلى خنق العراق كليا. ذلك هدف سياسي لا تستفيد منه الكويت اقتصاديا. ولهذا يمكن النظر إلى هذه المسألة الشائكة من جهة بعدها السياسي فقط.

سبق للكويت أن ضمت أراض ومياها عراقية مستغلة قرارات دولية كان الغرض منها إذلال العراق بعد مغامرة احتلال الكويت. لم يكن للكويت أي حق تاريخي في تلك المياه أو الأراضي فهي مياه وأراضي عراقية خالصة. ومن الواضح أن الضرر الذي يلحق بالعراق من جراء اقتطاع أراضيه ومياهه لن يعود على الكويت بأي نفع يُذكر. فهل ينطوي السلوك الكويتي على شيء من الحكمة؟

على الرغم من مرور 35 سنة على واقعة الاحتلال فإن المؤسسة الرسمية الكويتية وضعت صدمة الاحتلال ضمن مقررات الحياة اليومية على الرغم من أن نسبة الكويتيين الذي لم يشهدوا الاحتلال هي الأكبر مقارنة بنسبة الذين عاشوا تلك المأساة.       

لم أطلع على وجهة النظر الكويتية التي تتعلق بتكريس عقدة الانتقام غير أن ما أنا متاكد منه أن تلك العقدة لابد أن تنتج ثقافة مأزومة لا تنفع الكويت كدولة وهي جارة أبدية للعراق ولا الكويتيين في علاقتهم بالعراقيين باعتبارهم أشقاء. تلك ملاحظة قد يرى البعض أنها تقع خارج السياق.

يمكن القول إن خور عبدالله هو اليوم مسألة عراقية بحتة في ظل إصرار الكويت على ما يمكن أن يؤدي إلى إفشال مشروع ميناء الفاو الكبير، فالعراقيون هم الأولى بالدفاع عن مصالحهم. وفي هذا يختلف مزاج الأحزاب الشيعية الحاكمة مع رأي مختلف قطاعات الشعب العراقي التي تصر على التمسك بالسيادة العراقية أكثر من السلطات الحاكمة وهو أمر في مختلف الغرابة.

للكويت أسبابها القانونية في المطالبة بانتقال السيادة على الخور من العراق إليها. هناك اتفاقية بين الطرفين وُقعت عام 2012 تنص على ذلك. حدث ذلك يوم كان نوري المالكي رئيسا للحكومة في العراق. اليوم يتصدر المالكي نفسه المشهد السياسي باعتباره على الأقل واحدا من زعماء التحالف الحاكم.

ولكن تبين أن الحكومة العراقية تصرفت بما لا تملك فالرأي الشعبي يقول إن السياسيين باعوا الخور كما لو أنه جزء من إرثهم الشخصي. المقابل المادي كانت جهات كويتية فضحته. هناك أموال هائلة ذهبت إلى حسابات العراقيين الذين وقعوا الاتفاقية المذكورة.     

ستكون خسارة العراق لجزء من سيادته حدثا مشؤوما لا أعتقد أن المنطقة في حاجة إلى مواجهة تداعياته.