الفنان العراقي الإسباني حنوش حنوش.. حين تصبح اللوحة قدرًا ومصيرًا

القارئ يخرج من الكتاب مدركًا أن تجربة حنوش ليست فقط قصة فنان مهاجر عاش بين العراق وإسبانيا، بل هي أيضًا قصة حضارة كاملة تعيش بين المنفى والذاكرة.

يقدّم الفنان العراقي– الإسباني حنوش حنوش في كتابه "من الفرات.. اللوحة نهاية ومصير" نصًّا فريدًا يصعب أن يُختزل في تصنيف جاهز، فهو ليس سيرة ذاتية خالصة، ولا دراسة فكرية مجردة، بل هو تضافر بين السيرة والجماليات والفلسفة والتاريخ، نص يمزج بين الذاكرة الشخصية والنظرية البصرية، ويحوّل مسار حياة إلى بيان وجودي عن معنى الفن ودوره في حياة الإنسان.

الكتاب الصادر عن دار ديوان المغرب للنشر هو في جوهره إعلان بأن اللوحة ليست مجرد سطح ملوَّن، بل هي قدر ومصير، تمامًا كما يقول العنوان، فالفنان لا يختار الرسم بقدر ما تفرض عليه اللوحة أن تكون طريقه الوحيدة نحو الخلاص.

يبدأ الكتاب بمقدمة للمستعرب والمترجم الإسباني فيديريكو آربوس يرى فيها أن حنوش يمضي في السنوات الأخيرة بين خيوط النور الرمزية للشاعر البغدادي عبدالوهاب البياتي وبين أشعة الضوء الحقيقية، ولكن لا يمكن القبض عليها لمواطن آخر شهير مولود في البصرة، الفيلسوف والفيزيائي والفلكي الحسن بن الهيثم، الذي أطلق عليه السولائيون اللاتين لقب بطليموس الثاني. ذلك الخيط من النور أو خيط دم الشاعر يملأه حنوش ببقع لونية كي يرسم الخطوط العريضة لمفهوم الثورة الدائمة، للإنسان أو الفنان الثوري الذي يمر عبر مختلف الثقافات، من أجل أن يرسم مفهوم الزمن التاريخي في خط حلزوني يتقدم ويتمثل نفسه ويذهب بحثًا عن علامة الحرية. أشعة الضوء تلك التي سيحاول ابن الهيثم أن يقبض عليها في مرآة كروية أو في قمرة مظلمة كي يثبت أن التصور البصري يقتضي عملية لا يمكن أن تُعزى ببساطة إلى أنشطة ملكة الإدراك الحسي، بل تقودنا إلى ميتافيزيقا ضوئية إلى إشراق التراتب الملائكي، نظرية يقوم حنوش بعد عشرة قرون بإعادة صياغتها عندما يؤكد أن الصور لا تأخذ هيئتها داخل العين وإنما في المخيلة.

أما الرسام وأستاذ الفن ألبرتو بالوميرا، فيقول في تقديمه: "لجوهر الأشياء مضمون ذاتي عن طريق نظرة سريعة، ولكن من خلال نظرة حساسة وبالغة الخصوصية قادرة على اختراق الحجب التي تغطيها فقط بالنسبة لأولئك الذين لا يهمهم سوى المظهر مقلدين الواقع كما هو. لهذا السبب فإن حنوش يبتعد عن التصوير الحرفي الفوتوغرافي كي يذهب أبعد من مظهرة الواقعي والواضح".

ويكشف حنوش أن كتابه عبارة عن دراسة صغيرة حول عمله كفنان تشكيلي ولد في مكان لا تشكّل الصورة فيه جزءًا من ثقافته الجوهرية. ويقول "مما لا شك فيه أن الثقافة الإسلامية ليست ثقافة صور كما هو الحال في الغرب، بل هي ثقافة الكتاب والكلمة. وعلى الرغم من عدم وجود حظر واضح لتمثيل الصورة في القرآن، فإن ثمة تحريمًا حازمًا للأصنام. إن الطبيعة المجردة والغامضة لا يمكن الكشف عنها إلا من خلال الكلمة. إن فكرة عدم محاكاة الخلق الإلهي إنما هي، في تقديري، على علاقة بالفكر الأفلاطوني: إذا استنسخت صورة كما هي فإنك تقوم بعمل محاكاة عن محاكاة، وعلى هذا فأنت تبتعد عن حقيقتها. يعتبر أفلاطون وجود الأصل في الألوهية أو في مكان غير أرضي أو على الأقل رياضي ويجوز على انسجام نموذجي".

ويوضح أن الكتاب "ينقسم إلى جزئين: الأول عبارة عن دراسة ذاتية عن طفولتي وتكويني كفنان، باحثًا عن ذلك الخيط الرهيف الذي يربط سوابقي الفنية مع الفن الغربي واستيعابي له.. والجزء الثاني عبارة عن دراسة تاريخية جمالية حاولت فيها أن أقدّم بحثًا أكاديميًا صارمًا، أحلل فيه موضوع تحريم الصورة في الإسلام من عدمه، والكتابة كتمثيل، وعلاقة جمالية الكلمة في الفكر الإسلامي والفلسفة اليونانية". منذ هذا التحديد ندرك أننا أمام نص متعدد الطبقات، يتراوح بين الاعتراف الشخصي والبحث الأكاديمي، بين الذات والموضوع، بين السيرة الفردية والأسئلة الكبرى التي تخص الحضارة الإسلامية والفكر الغربي معًا.

الكوفة هي البداية الأولى، هي الطفولة التي تصنع ذاكرة فنان عاش في بيت عربي تقليدي محاط بالنخيل، يصفه بقوله "المنزل الذي عشْنا به في الكوفة لم يكن يختلف عن بيوت العالم العربي والإسلامي: محكمة الإغلاق من الخارج، لا مدخل لها سوى باب وحيد بالواجهة، تعلوها نافذتان تطلّان على فناء داخلي تحفّه أعمدة، وحول الفناء نخلات تمدنا طوال العام بالبلح اللذيذ، وكانت لدينا شجرة تين وفرن طيني تعد فيه أمي أرغفة الخبز يوميًا، وتضيف التوابل والزيوت التي تمنح الأكلات التقليدية طعمًا لا يضاهى". هنا تتشكل صورة الأم بوصفها الحاضنة الأولى، فيكتب عنها: "أمي غمرتني بفيض حبها وحنانها.. كانت إنسانة رائعة، مجتهدة، كريمة إلى حد بعيد، وكنت الأصغر بين إخوتي الثلاثة، خجولًا شديد الانطواء، غارقًا في الأحلام، ولزلت على هذا الحال".

هذه الطفولة لم تكن منعزلة عن الاضطرابات الكبرى التي عاشها العراق منذ ولادته عام 1958، عام الثورة الجمهورية لعبدالكريم قاسم، وهو يعلّق "لم أعرف في حياتي سوى الاضطرابات السياسية، حظر التجوال، التهديدات والصراعات.. ومع ذلك كنت طفلاً سعيدًا نسبيًا، لأن أمي كانت تحميني بحنانها، وأخوالي شجعوني على الدراسة حتى حصل معظمهم على الشهادات الجامعية، بينما أنا كنت الوحيد الذي أظهر منذ نعومة أظفاره شغفًا كبيرًا بالرسم والألوان".

الكوفة بالنسبة إليه ليست مجرد مدينة الطفولة، بل هي جذر حضاري وثقافي، فهي منبع الخط الكوفي الذي سيعود لاحقًا ليتخذه موضوعًا لأطروحته الأكاديمية في مدريد. يقول "يُعتبر الخط الكوفي المنسوب إلى مدينة الكوفة أقدم أنواع الكتابة العربية، وحظي بمكانة متميزة لاستعماله في نسخ القرآن الكريم.. يتميز الخط الكوفي بخطوطه المستقيمة وزواياه الحادة، فضلًا عن تزيينه بالموتيفات والأشكال الزخرفية". بهذا المعنى كانت طفولته في الكوفة مشبعة منذ البداية بوعي بصري وجمالي سيظل حاضرًا في تجربته كلها، فالخط والزخرفة والمساجد بزخارفها أصبحت ذاكرة بصرية مهيمنة عليه، حتى وهو يعيش لاحقًا في مدريد.

لكن الكوفة لم تستطع أن تحتوي طموحه الفني، فكان لا بد من الرحيل إلى بغداد لدراسة الفنون الجميلة. يصف الانتقال بمرارة ودهشة في آن "حين عزمت على الرحيل إلى بغداد من أجل الدراسة، انتابني حزن شديد لاضطراري للتخلي عن العالم الرائع الذي أحببته.. كنت أستقر في حي ضيق بسيط، بشوارعه الصغيرة وبيوته المتواضعة، وظلاله التي تحمينا من حر الشمس، فإذا بي أغرق في مدينة شديدة الاختلاف، شوارع ضخمة تعج بالمباني الرائعة والتناقضات الكثيرة، حياة مليئة بالفوضى المرورية وحشود البشر".

إلا أن هذه المدينة، بكل تناقضاتها، كانت بوابة إلى عالم الحداثة الفنية، فقد درس هناك على يد كبار الأساتذة مثل شاكر حسن آل سعيد، الذي كان متصوفًا واسع الثقافة، وجواد سليم الذي ترك أثرًا عميقًا في كل جيل السبعينيات. يقول حنوش "كان أساتذتي فنانين كبارًا، يمارسون الرسم والنحت بجانب عملهم كمدرسين، وكان هذا أمرًا عظيمًا بالنسبة إلي، لأنه أتاح لي تعليمًا حرًا ومعاصرًا بعيدًا كل البعد عن الأكاديمية". لقد اكتشف في بغداد أن الفن ليس مجرد تقنيات، بل رؤية للحرية، وأنه قادر على أن يكون فعل مقاومة ضد القيود السياسية.

'من الفرات.. اللوحة نهاية ومصير'
وثيقة إنسانية – جمالية نادرة

لكن بغداد أيضًا كانت مدينة القمع. يروي كيف أن صعود صدام حسين جعل كل المثقفين والفنانين تحت المراقبة، حتى إنه اضطر لاحقًا إلى تغيير اسمه في مدريد خوفًا من جواسيس النظام، فيقول "كان صدام حسين يرسل جواسيس إلى العاصمة الإسبانية لمراقبة ما يقوم به المواطنون العراقيون.. ولأنني كنت قد غادرت العراق مخالفًا للنظام، فقد قررت أن أحذف الحرف الأخير من اسمي لتضليلهم، فأصبحت أوقّع أعمالي باسم حنوش حنوش". هنا يظهر الفن كخيار حياة في مواجهة السلطة، وكأن تغيير الاسم لم يكن فقط لإخفاء الهوية، بل لتوليد هوية جديدة داخل المنفى.

الوصول إلى مدريد كان لحظة ولادة ثانية. يصف تلك اللحظة بعبارات تمزج بين الحنين والعاطفة "حين سكنت في مدريد، شعرت باسترجاع تلك الحماية التي كانت والدتي توفرها لي، وأحسست بمدريد وكأنها أمي الثانية". في مدريد اكتشف الحرية للمرة الأولى بعد أن عاش في بلد محكوم بالقمع والحروب. وهناك التحق بجامعة كومبلوتنسي لدراسة الفنون الجميلة، وحصل لاحقًا على الليسانس ثم الدكتوراه عن أطروحته حول الخط في أعمال الواسطي. لكن الأهم أنه انفتح على الفن الإسباني الحديث والمعاصر، على بيكاسو وغريس وميرو وشاغال. يكتب "كنت أقف أمام اللوحات في متحف الملكة صوفيا لساعات طويلة.. وبدون مبالغة كنت أرتجف أمام بعض الأعمال، إذ كنت أعرفها من الصور فقط، أما أن أراها في الأصل فكان أشبه بالحلم".

غير أن حنوش لم يندمج اندماجًا أعمى في المدارس الإسبانية، بل ظل وفيًا لجذوره الشرقية، فيلفت "بذلت قصارى جهدي كي لا أنسخ ما تراه عيناي، محافظًا على هويتي كإنسان وُلد في موضع بعينه". وهذا هو جوهر تجربته: أن يكون رسامًا إسبانيًا في التقنية، لكنه عراقي في الدوافع الداخلية. إنه يعيش بين ثقافتين، لكنه لا يذوب في إحداهما على حساب الأخرى، بل يجعل منهما معًا مصدر ثراء وتوتر خلاق.

في القسم الثاني من الكتاب يتعمق حنوش في سؤال الصورة في الإسلام. ويوضح "مما لا شك فيه أن الثقافة الإسلامية ليست ثقافة صور كما هو الحال في الغرب، بل هي ثقافة كتاب وكلمة.. ومع ذلك فإن فكرة الصورة المجردة والغامضة يمكن الكشف عنها من خلال الكلمة". ثم يستدعي أفلاطون ليؤكد أن محاكاة الصورة مجرد محاكاة عن محاكاة، أي ابتعاد عن الأصل، لكنه يردف بأن ابن الهيثم قلب هذه الرؤية حين أثبت أن التصور البصري لا يحدث في العين فقط بل في المخيلة "حاول ابن الهيثم أن يقبض على أشعة الضوء في مرآة كروية أو في قمرة مظلمة ليثبت أن التصور البصري يقتضي عملية لا يمكن أن تُعزى ببساطة إلى أنشطة ملكة الإدراك الحسي، وإنما هيئتها داخل العين وإنما في المخيلة". هنا تصبح المخيلة هي الأصل، والصورة ليست انعكاسًا للطبيعة، بل خلق جديد يتم في الذهن.

هذا التصور يفسر لماذا ظل الفن الإسلامي وفيًا للخط والزخرفة بدلًا من محاكاة الطبيعة، وهو ما ألهم حنوش نفسه ليبني مشروعه التشكيلي على المزاوجة بين الحروفية العربية والتجريد الغربي، فاللوحة عنده ليست مرآة للطبيعة، بل هي بناء جديد، عالم مستقل يولد في المخيلة.

ويبرز في الكتاب التداخل بين الشعر والرسم. يعترف حنوش بتأثره الكبير بعبدالوهاب البياتي، خصوصًا بسلسلة "خيوط النور"، ويقول الناقد فيديريكو آربوس عن هذا التوازي "إذا قمنا بتغيير عبارة 'أكتب شعرًا' بـ'أرسم لوحات'، فإنني على يقين بأن حنوش سوف يقرّ في كل نقطة من هذا البيان المليء بالنوايا، بالأمل والحزين في الوقت نفسه". بهذا يصبح الرسم شعرًا بلغة أخرى، ويغدو الشعر لوحة بالكلمات، ويكون الفنان والشاعر شريكين في معركة واحدة ضد الموت والنسيان.

أقسى اللحظات التي يرويها حنوش هي فترة التسعينيات، حين لحظة دخول الأمريكان إلى بغداد، حين حاصر نفسه في مرسمه لسنوات لينجز سلسلة "بغداد". والتي اكتملت عام 2007، لوحة ضخمة متعددة الأجزاء تعكس بألم الرعب والموت "اللذين يسودان بلدي الأصلي". هذه السلسلة لم تكن مجرد تمرين فني، بل كانت صرخة وجودية في وجه الخراب، ومحاولة لاحتواء المأساة عبر اللون والخطوط.

لقد غدت لوحة "بغداد" ملحمة تشكيلية، أرادها أن تختزن رعب الحرب وذاكرة الموت والدمار، وأن تتحول إلى شهادة بصرية على جرح لا يندمل. بما تحمله من قتامة لونية وتشظيات وخطوط متكسرة، فهي أقرب إلى "غيرنيكا" بيكاسو في رمزيتها، لكنها تنبع من تجربة عراقية خالصة؛ تجربة فنان في المنفى يرى مدينته تُباد فيحوّل الألم إلى عمل فني يضاهي الملحمة. "بغداد" عند حنوش ليست مجرد تمثيل، بل صرخة جماعية باسم الذين قُطعت أصواتهم، وبديل رمزي عن النصب الغائب، وجدار من الألوان والخطوط يعيد للذاكرة قدرتها على الكلام.

على ضوء هذا يخرج القارئ من الكتاب مدركًا أن تجربة حنوش ليست فقط قصة فنان مهاجر عاش بين العراق وإسبانيا، بل هي أيضًا قصة حضارة كاملة تعيش بين المنفى والذاكرة، بين التراث والحداثة. الفرات، حيث الطفولة والجذور، يقود في النهاية إلى اللوحة بوصفها مصيرًا لا مفر منه، واللوحة بدورها تعود إلى الفرات كجذر أبدي. من هنا يكتسب العنوان معناه العميق: "من الفرات.. اللوحة نهاية ومصير".

إن هذا الكتاب وثيقة إنسانية – جمالية نادرة، نص يمزج بين الاعتراف الشخصي والبحث الفلسفي، بين الشعر والرسم، بين المنفى والذاكرة. هو كتاب عن الهويات الممزقة وعن الفن كخلاص، كتاب يذكّر القارئ بأن اللوحة ليست مجرد أداة تعبير، بل هي قدر، وأن الفنان في لحظات الخراب لا يجد سوى اللون والخط ليعيد صياغة العالم. في النهاية، كما يؤكد حنوش نفسه "الرسم بالنسبة لي كان ملاذي الصغير الذي يحول بيني وبين كل ما يسبب لي التعاسة".