جريمة تكشف هشاشة العدالة والإنسان في 'بيت السهم'
يعد الروائي البريطاني إيه إي دبليو ماسون أحد أبرز الأسماء في الأدب الإنجليزي مطلع القرن العشرين، جمع في أعماله بين الحسّ الروائي والميل إلى المغامرة والاستقصاء النفسي، وكان قبل كل شيء كاتبًا متمكنًا من أدوات السرد، يعرف كيف ينسج الحكاية ببراعة ويصنع منها شبكة دقيقة من العلاقات الإنسانية واللغزية.
وُلد ماسون عام 1865، واشتُهر عالميًا بروايته الخالدة "الريشات الأربع" التي مثّلت إحدى كلاسيكيات الأدب البريطاني في موضوع الشجاعة والضمير، غير أن روايته "بيت السهم" التي صدرت عام 1924 وترجمها أخيرا عبد الفتاح عبد الله أحمد، كشفت جانبًا آخر من موهبة ماسون، حيث اتجه فيها إلى الرواية البوليسية ذات الطابع النفسي، مقدّمًا شخصية المفتش الفرنسي هانو الذي أصبح لاحقًا أحد النماذج التأسيسية لشخصيات المحققين في الأدب الأوروبي، قبل أن تهيمن أسماء مثل بوارو وماربل في أعمال أجاثا كريستي.
تبدأ الأحداث في مكتب المحاماة هاسلت آند فروبيشر الواقع في راسل سكوير بإنجلترا، حين يتلقى الشريك الأكبر السيد هاسلت خطابًا غريبًا من رجل روسي يُدعى بوريس وابرسكي يقيم في مدينة ديجون الفرنسية. يطلب وابرسكي مبلغًا ماليًّا كبيرًا من الشركة باعتباره مستحقًّا له من ثروة أخته المتوفاة السيدة ماري جين هارلو، وهي سيدة إنجليزية كانت متزوجة من فرنسي يُدعى سايمون هارلو وتعيش في فيلتها المسماة بيت السهم. كان واضحًا من نبرة الرسالة أن الرجل يطالب بنصيبه بوقاحة، وأنه يتحدث بنغمة تهديد مبطّنة، وكأن المال حقٌّ له لا يمكن إنكاره. ومع الأيام تتوالى رسائل أخرى أشدّ حدّة، حتى تصل إلى مستوى الابتزاز العلني، فيدرك السيد هاسلت أن وراء هذه المطالب شيئًا غامضًا لا يتعلق فقط بالميراث بل بخفايا عائلية غير معلنة.
وفي أثناء ذلك، تصل الأخبار من فرنسا أن السيدة هارلو توفيت في ظروف مريبة، وقد قدّم بوريس وابرسكي بلاغًا رسميًّا ضد ابنة أختها بيتي هارلو، متهمًا إياها بقتل خالتها بالسم ليلة السابع والعشرين من أبريل. تهتزّ الشركة لهذا النبأ، ويهرع الشريك الأصغر جيم فروبيشر ـ الشاب الهادئ النزيه ـ للسفر إلى فرنسا للتحقق من الأمر، بخاصة بعد أن تصله برقية استغاثة من الفتاة تقول فيها "من فضلكم، أرسلوا من يساعدني فورًا، إنهم يعتقدون أنني مذنبة".
هذه البرقية القصيرة التي تحمل توقيع "بيتي هارلو" تكون بمثابة صرخة الفزع الأولى في الرواية، إذ تنقل القارئ من لندن إلى ديجون، ومن عالم الأوراق القانونية إلى قلب المأساة. يصل جيم فروبيشر إلى باريس، وهناك يقابل المحقق الفرنسي الشهير هانو من قسم المباحث الجنائية في ليون، وهو رجل في منتصف العمر، ذكي، ساخر، متقلب المزاج، يجمع بين حدة الملاحظة وخفة الظل، وقد سبقت شهرته حضوره. يطلب فروبيشر من هانو مساعدته في التحقيق والدفاع عن الفتاة التي يعتقد ببراءتها، فيوافق الأخير بطريقة توحي بالثقة والفضول معًا، معلنًا أنه يعرف مدينة ديجون وما يحيط بها من أسرار أفضل من أيٍّ من رجال الشرطة المحليين. ومنذ لحظة لقائهما، تتأسس ثنائية المحقق والمساعد، فهانو بعقله اللامع، وفروبيشر بنزاهته الإنكليزية، يشكلان توازنًا بين المنطق الفرنسي المائل إلى الحدس والعقل الإنجليزي المتشبث بالقانون.
ينتقل الاثنان إلى بيت السهم، ذلك القصر العتيق الكامن وسط الكروم، والذي يفرض حضوره كأنّه أحد شخوص الرواية لا مجرد مكان. هناك، يكتشفان جوًّا مشحونًا بالريبة: خدم يتحدثون بنصف كلمات، وجدران تحتفظ بالأسرار، وغرفة مغلقة وجدت فيها السيدة هارلو جثة هامدة. على الطاولة قرب الجثة كان ثمة سهم صغير ـ لا يتجاوز طوله بضع بوصات ـ يلمع على نحو غامض، كأنما وضع عمدًا ليشير إلى شيء. لم يكن السهم أداة قتل، بل رمزًا، أو توقيعًا لشخص يعرف معنى الرمز تمامًا. وهنا يبدأ هانو في تفكيك خيوط القضية على طريقته الخاصة، فيسأل عن كل شيء: عن الأدوية التي كانت تتناولها الضحية، وعن الخدم، وعن الزائرين، وعن العلاقات العائلية، وعن المراسلات الغامضة التي سبقت الوفاة بأسابيع.
تتكشّف الوقائع تدريجيًّا حيث يتضح أن بوريس وابرسكي لم يكن مجرد قريب طامع، بل رجل غارق في الديون، حاول استغلال وصية قديمة لصالحه، وعندما فشل لجأ إلى التهديد والتشهير، ثم إلى تلفيق التهمة ضد بيتي كي يبتزها ويظفر بالميراث وحده. ومع ذلك، يبقى شيء غير مريح في الصورة، فبعض التفاصيل الصغيرة لا تنسجم: بصمات على زجاجة دواء لا تعود للفتاة، آثار غريبة في الحديقة، ومفتاح مفقود من خزانة مغلقة بإحكام. ومع كل اكتشاف، يعيد هانو ترتيب القطع كمن يحلّ لغزًا رياضيًّا لا يقبل الخطأ.
شخصية هانو في الرواية تنتمي إلى تقليد المحقق الفيلسوف الذي يرى في الجريمة صورة عن اضطراب النفس البشرية، فهو لا يعتمد على الدليل المادي وحده، بل على ما يسميه "المنطق النفسي". حين يتحدث إلى بيتي لا يسألها مباشرة عن ذنبها، بل عن أحلامها، وعن خوفها من العيش في بيتٍ تُوفيت صاحبته فجأة، وعن إحساسها بالخطر. وهنا تتجلى إنسانية هانو، إذ ينظر إلى المشتبه فيها كروحٍ محطمة، لا كقاتلة محتملة. وفي المقابل، تكشف بيتي عن وجهٍ معقّد من البراءة الممزوجة بالذعر، فهي لا تدافع عن نفسها بوضوح، بل تبدو كأنها تخشى شيئًا أكبر من التهمة نفسها، كأنها تحمل سرًّا يخنقها. ومن خلال هذه الشخصية يرسم ماسون صورة الفتاة الأوروبية التي وجدت نفسها في قلب صراعٍ اجتماعيٍّ لا يرحم، بين التقاليد، والمال، والاتهام الجاهز.
أما جيم فروبيشر فكان نموذجًا للضمير الأخلاقي، رجلًا يسعى إلى الحقيقة لا إلى المجد. وجوده في الرواية يضفي عليها بعدًا إنسانيًّا، لأنه ليس محققًا محترفًا بل إنسان يواجه الشر لأول مرة وجهًا لوجه. يرافق هانو بخطواتٍ مترددة، لكنه يتعلم من دهائه كيف يرى خلف القناع. ومع توالي الأحداث، يتحول من مراقبٍ إلى مشاركٍ، ومن رجل قانونٍ إلى منقذٍ، إذ يدرك أن الدفاع عن بيتي هو دفاع عن فكرة العدالة نفسها، تلك التي تهتز حين تُبنى الاتهامات على الظنّ.
يبقى في المقابل بوريس وابرسكي تجسيدًا للطمع والانتقام، رجلًا انحدر من مرتبة الأرستقراطي المفلس إلى المقامر الحقود، يبيع كل شيء مقابل المال، حتى كرامته. وفي خصومته مع بيتي يبرز وجه آخر من الصراع الأوروبي بعد الحرب، حيث تتصادم القيم القديمة مع عالمٍ ماديٍّ جديدٍ لا يعترف بالرحمة. إنه ليس شريرا بالمعنى الميلودرامي، بل مريض بالأنانية، يرى في الآخرين أدوات لمصالحه، وفي العدالة وسيلة للمساومة.
كل هذا يجري في فضاء سرديٍّ يجعل من مدينة ديجون أكثر من مجرد مسرح للأحداث؛ فهي مدينة تتنفس الغموض، تختلط فيها رائحة النبيذ برائحة الموت، وتنعكس في شوارعها المبللة أضواء الشكّ. أما بيت السهم نفسه، فهو رمزٌ مزدوج: بيت الجريمة وبيت الحقيقة. إنه المكان الذي يجمع بين الماضي والحاضر، وبين الخطيئة والعقاب. فالسهم الذي أعطى الرواية اسمها ليس مجرد أداة رمزية، بل هو إشارة إلى العدالة الخفية التي تُصيب من يستحقها، كما لو أن القدر نفسه أطلقه من قوسٍ لا تُرى.
ينجح هانو في النهاية، عبر سلسلة من الملاحظات الدقيقة والتجارب العلمية في كشف الحقيقة: لم تقتل بيتي خالتها، بل كانت مدام هارلو قد توفيت بتأثير جرعة زائدة من دواء تناولته خطأ، وأن وابرسكي حاول استغلال هذه الوفاة لإلصاق التهمة بالفتاة. حين تظهر الأدلة المادية وتنكشف الأكاذيب، يتهاوى البناء الذي شيده الطامع الروسي، ويقف هانو أمام الحضور في مشهدٍ هادئ يقول فيه عبارته الدالة "الحق لا يحتاج إلى صخب، إنه يضيء كالسهم حين يبلغ هدفه". تنجو بيتي، لكن الرواية لا تنتهي بانتصار مبهج، بل بتأملٍ مرٍّ في معنى البراءة حين تُداس، وفي العدالة حين تأتي متأخرة.
وأخيرا إن قوة الرواية تكمن في استخدام ماسون الجريمة كذريعة لكشف العلاقات الإنسانية الملتبسة، حيث يُظهر كيف يمكن للشك أن يدمّر النفوس كما يدمّر السمّ الأجساد..
مقتطف من الرواية
حتى هذه اللحظة، كانت هناك شكوك تتربَّص في ذهن جيم فروبيشر بأن هذه الفتاة قاسية بعض الشيء في تعامُلها مع بوريس وابرسكي. كان مُتطفِّلًا ومُبذِّرًا، ولم يكُن له أيُّ حق حقيقي عليها، هذا صحيح. من ناحية أخرى، لم يكُن لديه أي مصدر رزق، وكانت السيدة هارلو، التي ورثت بيتي ثروتها منها، راضية بتحمُّله ودعمه. أما الآن، فقد تبدَّدَت الشكوك وزالت هذه النقيصة الصغيرة عن الفتاة بصراحتها.
قالت بيتي: "إذَن فقد انتهى كلُّ شيء"، وهي تسلم الرسائل مرَّة أخرى إلى جيم مع تنهيدة تنم عن الارتياح. ثم ابتسمت بأسًى وأردفت: "لكنني كنت خائفة حقًّا لفترة قصيرة. فقد استدعاني قاضي التحقيق واستجوبني كما تعلم. أوه! لم أخشَ الأسئلة، بل كنت خائفة منه، من الرجل. لا شك أن من واجبه أن يبدو صارمًا، لكنني لم يسعني إلا أن أفكِّر أنه إذا كان شخصٌ ما يبدو بهذه الصرامة الرهيبة، فلا بد أن سبب ذلك أنه لا يملك أي ذكاء ويريدك ألا تعرف. والأشخاص الذين لا يملكون ذكاءً دائمًا ما يُمثِّلون خطرًا، صحيح؟".
وافقها جيم قائلًا "نعم، لم يكُن ذلك مشجعًا".
وأضافت "ثم منعني من استخدام السيارة، وكأنه يتوقَّع أن أهرب. وفوق كل ذلك، عندما غادرت من دار القضاء، قابلت أصدقاء لي بالخارج وقد أعطوني قائمة طويلة بأشخاص أُدينوا وثبتت براءتهم بعد فوات الأوان".
حملق بها جيم.
وهتف"يا لهم من أوغاد!".
ردَّت بيتي بحكمة: "لا بأس، لدينا جميعًا أصدقاء مثل هؤلاء. لكن أصدقائي كانوا مقززين للغاية. ذلك لأنهم ناقشوا بالفعل ـ كشيء من الصواب بالطبع ـ سببَ وجوب أن أستعين بأفضل محامٍ، وما إذا كان يمكن تحويل التهمة إلى جريمة قتل بحق الأم؛ بما أن السيدة هارلو قد تبنَّتني. وفي هذه الحال، لن أنال أي عفو، وسأذهب إلى المقصلة بقدمَين حافيتَين وبحجاب أسود على رأسي.» ولما رأت الرعب والاستنكار في وجه جيم فروبيشر، مدَّت يدها إليه.
"نعم. غالبًا ما تنطوي الكراهية في الأقاليم على فجاجة بعض الشيء، رغم أنني.." ثم رفعت قدمها النحيلة حيث كانت ترتدي حذاءً لامعًا وتأملتها بمرح وغرابة، ثم أكملت: "رغم أنني لا أتخيَّل أنني سيُقلقني كثيرًا في ظِل هذه الظروف ما إذا كنت أرتدي أفضل أحذيتي وجواربي أم لا".
صاح جيم: "لم أسمع أبدًا باقتراح بغيض كهذا".
تابعت بيتي: "يمكنك أن تتخيَّل، على أي حال، أنني عُدتُ إلى المنزل مُرتعِشةً بعض الشيء، وكذلك سبب إرسالي تلك البرقية المذعورة. كنت سأتراجع عنها عندما استعدتُ هدوئي. لكن كان الوقت قد فات. كانت البرقية قد... ".
ثم سكتت فجأة بعد أن علَت نبرتها علوًّا طفيفًا وشهقت شهيقًا حادًّا.
وسألت بصوت مختلف: "مَن هذا؟" كانت تتحدَّث بهدوء وببطء، مع تقدير هزلي لأسباب خوفها. والآن، كانت تطرح سؤالها بسرعة، وكان القلق هو الغالب على صوتها. وكرَّرَت: "مَن هذا؟".
كان ثَمَّ رجلٌ كبير الجسم، قويُّ البنية، يتجوَّل بخطوات ثقيلة أمام البوابة الحديدية الكبيرة، وكان قد اندفع فجأة إلى الفناء. قبل جزء من الثانية، كان شخصًا يتسكَّع على الطريق، والآن كان يختفي بالفعل تحت المروحة الزجاجية الكبيرة في القاعة.
قال جيم: "إنه هانو".. وقد نهضت بيتي على قدمَيها كما لو أن نابضًا تحرَّر بداخلها، فوقفت تتمايل.
طمأنها جيم فروبيشر: "ليس هناك ما يُخيفك من هانو. لقد أريته هاتَين الرسالتَين من وابرسكي. إنه حليفك من البداية وحتى النهاية. اسمعي. هذا ما قاله لي أمس في باريس".
سألت بيتي فجأةً: "أمس، في باريس؟".
قال جيم: "نعم، لقد زرت هانو في مقر الشرطة الجنائية. وكانت هذه كلماته. لقد حفظتها حتى أستطيع أن أكرِّرها على مسامعك كما نطقها تمامًا: "يمكن لموكلتك الصغيرة أن تضع رأسها الجميل على وسادتها وهي واثقة من أنه لن يُرتكب أي ظلم بحقِّها".