حميد لحمداني يزاوج بين التنظير والتطبيق في مشروعه النقدي

الدكتور بشكل أحد أعمدة النقد الأدبي العربي الحديث، إذ أعاد قراءة التراث الأدبي الكلاسيكي والمعاصر ضمن رؤية علمية ومنهجية متكاملة تمزج بين الأصالة والحداثة، مساهماً في تأسيس معرفة نقدية جديدة تُقارب الأدب بوصفه فعلاً معرفياً وفلسفياً.

يعدّ الناقد المغربي الفائز بجائزة العويس الثقافية في دورتها التاسعة عشرة (2024–2025)، الدكتور حميد لحمداني، واحداً من أبرز النقاد والمفكرين في المغرب العربي، حيث أسهمت كتاباته النقدية في إعادة قراءة الأدب العربي الكلاسيكي والمعاصر من خلال منهج نقدي واضح ومتكامل يجمع بين الدقة العلمية والرؤية الحداثية المتبصرة. لقد ساهمت أعماله في فتح آفاق جديدة لفهم النصوص الأدبية داخل سياقاتها التاريخية والاجتماعية والثقافية، مع التركيز على تحليل البنية النصية والأسلوبية، واستكشاف الأبعاد الجمالية والفكرية للنصوص، بوصف الأدب فعلاً معرفياً حياً لا مجرد شكل لغوي.

يُعرف لحمداني بقدرته على تقديم رؤى نقدية مبتكرة تساهم في تطوير البحث الأدبي العربي وتساعد على فهم الأدب ضمن التغيرات الثقافية والاجتماعية الحديثة. وفوزه بجائزة العويس الثقافية في فرع الدراسات الأدبية والنقد يمثل اعترافاً بمكانته كناقد موسوعي قادر على الجمع بين الأصالة والحداثة، وتقديم مقاربات نقدية معمّقة تثري النقاش الأدبي والفكري في العالم العربي، وتضيف إلى المكتبة النقدية العربية مراجع تأسيسية أصبحت معروفة على نطاق واسع في الجامعات والمراكز الثقافية.

وفي شهادته التي ضمّها كتاب الفائزين والصادر عن المؤسسة تحت عنوان "تطواف في النقد والفكر.. شهادة إبداعية" يضعنا لحمداني في قلب مشروعه النقدي كاشفاً عن بعض من أبرز ملامحه المعرفية، يقول "يبدو لي أنه من الصعب أن يصل المتحدث عن إنجازاته النقدية والفكرية عامةً إلى نتيجة موضوعية وبالغة النزاهة، فمهما بذل من جهد في هذا الاتجاه سيكون الدافع الذاتي جانحاً نحو تزيين صورة العطاء النقدي والفكري الذي مارسه في حياته العلمية، لذا عليه أن يجد مخرجاً يقاوم فيه هيمنة الميل الذاتي المشبع بما يقارب أحكام القيمة، وفي الوقت ذاته عليه أن يتسلح قدر الإمكان باللغة التحليلية والإقناعية والإحالات المرجعية ذات القيمة المعرفية العالية. هذا في نظري هو المسلك الآمن الذي سيخفف من المنظور الذاتي القيمي لدينا، ولا أقول بإمكانية تغييبه تماماً، في هذه المبادرة التي نتحدث فيها عما نتميز به في جهدنا النقدي والفكري عامة. ونشير إلى أن صياغة الشهادة عن الكتابة النقدية والفكرية لا تنفصل عن حصيلة سيرتنا الذاتية العلمية التي وسعنا الكلام فيها بصيغة مقال مطول يرسم معالم كل المراحل التي مرت بها تجربتنا المعرفية، بكل تخصصاتها التنظيرية والتطبيقية. لذا فما نقوم به الآن بخصوص تكوين شهادة عن الكتابة في المجال النقدي والفكري يستدعي انتقاء العناصر الأساسية من سيرتنا العلمية، شريطة أن تكون مركزة على كل ما له علاقة بالمناهج النقدية وأنواعها والمستويات الاستيعابية التي خبرناها في هذا المجال وفي مجالات أخرى كالتنظير الأدبي والتطبيقات التحليلية للنصوص، وما تبلغ إليه الدراسات الأدبية من مدلولات أو تأويلات تتجاوز المعطيات النصية إلى ما هو خارج عن النصوص، كل هذا يقتضي أيضاً طرح أسئلة تتعلق بما مدى إمكانية بلوغ الحقائق في استخلاص المعاني، أم أن المسألة عند معاينة النصوص الأدبية تبقى في حدود التأويلات ذات المعاني الاحتمالية والنسبية لا غير؟)

هذه البداية تمثل مدخلاً دقيقاً لرؤية لحمداني النقدية التي تتعامل مع الأدب بوصفه فضاءً معرفياً يتحرك بين البحث والشك والتأويل. ويتابع موضحاً المنهج الذي قام عليه مشروعه النقدي، فيقول حول مناهج النقد الأدبي:
(كان من أهدافنا الأساسية في محاضراتنا الأكاديمية وكذلك في كتبنا المنشورة، فيما يتعلق بتخصص النقد الأدبي، أن نركز على الجانبين: النظري والتطبيقي. في الجانب النظري تتجلى المناهج النقدية بتعدد اختلافاتها وأهدافها، علماً بأن الحديث عنها مرتبط دائماً بمعارف أخرى اجتماعية وتاريخية ونفسية ونفسانية وفلسفية، ويمكن أن نضيف إلى ذلك علاقتها بالعلوم البلاغية واللغوية واللسانية والمنطقية. هذا ما يجعل البحث في المناهج معقداً وكذلك الأمر في التطبيقات، فعند تحليل الأدب تتباين وتتراوح النتائج بين ضمان المردوديات أو مجانبتها. كانت لدينا قناعة راسخة أثناء الكتابة عن النقد الأدبي أو تلقينه للطلبة بالجامعة، بأن تبليغ مضامين المناهج النقدية يحتاج دائماً إلى إيصال الأفكار والمبادئ والخلفيات النظرية بأقصى درجة من التبسيط والوضوح وتجنب الخطاب المعقد والمتعالي، حتى وإن كانت خلفيات المناهج فلسفية أو سوسيولوجية أو نفسية أو نفسانية، لأن اختيار التبليغ المعقد يعطل تطور المعرفة في هذا المجال. ولقد حاولنا قدر الإمكان أن نسير في اتجاه تبسيط عرض المعارف النقدية في كتابنا المنشور منذ سنة 2018 بعنوان "الفكر النقدي الأدبي المعاصر مناهج ونظريات ومواقف"، علماً بأنه لقي اهتماماً من القارئ في المغرب والعالم العربي، إلى حد أننا بلغنا حتى الآن طبعته الرابعة).

ويضيف مؤكداً دوره في بناء معرفة منهجية حديثة في الحقل النقدي:
(ويشير إلى أن هذا الكتاب تناول بالتعريف والتحليل أغلب المناهج والنظريات النقدية مع الاحتفاظ بالعلاقة التي تربطها بمعطياتها الأصلية، علماً بأن أغلب المناهج تم وصلها بالغرب، باستثناء المنهج الشكلاني فمصادره التنظيرية من روسيا، وقد بلغتنا عن طريق ترجمتها إلى اللغة الفرنسية، ونختصر القول بالإشارة إلى أن هذا الكتاب يشتمل على معظم المناهج والنظريات النقدية المتصلة بفهم الأدب وإدراك أبعاده التخييلية والرمزية، علماً أننا فضلنا أن نجعل كل منهج يتراءى ضمنياً من خلال أنسب أصوله المعرفية التي أشرنا إلى أنها متصلة بعلم التاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة...).

ثم ينتقل لحمداني إلى مرحلة تأسيس اهتمامه بـ نقد النقد، وهو فرع معرفي دقيق يتطلب امتلاك قدرة واسعة على تحليل آراء النقاد أنفسهم، فيقول إن غاية طموحة كانت إلى حد واسع النطاق عندما اخترنا في التسجيل للحصول على دكتوراه الدولة موضوعاً تحت العنوان التالي: "النقد الروائي العربي بين النظرية والتطبيق"، وهو موضوع يُدرج في نطاق ما يسمى "نقد النقد الأدبي"... أنت ستتعامل في اختيارك هذا الموضوع مع العارفين بالنقد، فهل تأهلت لتكون بمنزلة عارف العارفين؟... وكان لا بد أن ألجأ إلى المراجع الغربية لأن صيغة نقد النقد ظلت تطن في خاطري لأيام...).

وفي سياق كشف جانب من الممارسة التطبيقية، يذكر بداياته البحثية " بداية انشغاله بالبحوث العلمية الأكاديمية يرجع إلى ما قبل ثلاث سنوات من التحاقي سنة 1980 بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمدينة فاس المغرب. وكنت قبل ذلك قد سجلت أطروحة دبلوم الدراسات العليا وهي مطابقة للماجستير في موضوع "الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي.. دراسة بنيوية تكوينيـــة"وناقشتها سنة 1982 . وكان شغفي المعرفي الأساسي هو أن أتجاوز إلى حد ما في دراستي النظرية والتطبيقية للأعمال الروائية، ما كان غالباً في ممارسات النقد الروائي من الميل إلى تقديم التلخيصات المضمونية للنصوص مع الاتجاه أحياناً إلى تكثيف أحكام القيمة وغياب الكلام أيضاً في عدد من الدراسات المغربية والعربية عن المنهج أو المناهج التي تقود الباحث إلى المعرفة بالنصوص الروائية تفاديا لسيادة أحكام القيمة بشأنها. إن اعتمادي على المنهج البنيوي التكويني للوسيان غولدمان على الخصوص في دراسة نماذج متعددة من الرواية المغربية اعتمد على المبادئ الرئيسة التالية : أولا محتويات النتاجات الأدبية ليست انعكاساً حرفياً لما يجري في الواقع وإنما هي في الغالب معبرة عن طموحات مستقبلية تتجاوز الواقع. ثانيا إن المضامين الظاهرة للأعمال الروائية قد لا تعبر عن مدلولاتها العميقة، وهذا ما يدعو إلى ضرورة استخدام التحليل البنيوي لبلوغ ما خفي من الدلالات العميقة، مع الاحتفاظ في نفس الوقت بالرؤية الاجتماعية التي تعتبر الروايات والنصوص الأدبية على العموم متصلة بالمعطيات السوسيو ثقافية في أي مجتمع كان. لكن الرواية باعتبارها إبداعاً، قد تتجاوز، ببنيتها ومدلولاتها التخيلية رؤى العالم السائدة، وهذا سر توجهها في مسار إبداعي ومعرفي أرقى، يؤكد أيضاً أن الوعي الجماعي ليس حقيقة ثابتة بل يتغير بفعل تغير السلوك والوعي البشريين. والإبداع الأدبي بما فيه الرواية هو أحد عوامل هذا التغيير، لأنه قد يكون مسؤولاً ، عند قراءته ، عن التأثير على قرائه بقناعات مغايرة لما كانوا يعتقدونـــه ســـابقاً".

ثم يوضح الأسس النظرية التي تبنّاها مؤكدا إن اعتماده على المنهج البنيوي التكويني للوسيان غولدمان.. يقوم على أن محتويات النتاجات الأدبية ليست انعكاساً حرفياً لما يجري في الواقع، وإنما هي في الغالب معبرة عن طموحات مستقبلية تتجاوز الواقع... الرواية باعتبارها إبداعاً قد تتجاوز ببنيتها ومدلولاتها التخيلية رؤى العالم السائدة... والإبداع الأدبي... قد يكون مسؤولاً عند قراءته عن التأثير على قرائه بقناعات مغايرة...".

ثم يستمر الحديث في جانب تنظيره للسرد، موضحا "هو جهد إبستيمولوجي، إنه مثيل لنقد النقد، فهما معاً يشتغلان على معرفة كيف نعرف الأدب أو النقد... هذا ما قمنا به في كتابنا "نحو نظرية منفتحة للقصة القصيرة جداً"... وقد مكننا الخوض في هذا المسار من إعادة النظر فيه بمنظور شمولي قصد صياغة جديدة تراعي ما هو مكتسب وتضيف ما تبين لنا".

أما اهتمامه بقضايا المرأة فيوضحه " أن اهتمامه بالمرأة وقضاياها وإبداعاتها ظل قائمـــاً سواء من الجانب السوسيولوجي ومستوى فعالياتها في العلاقات المدنية وأدوارها الأسرية، أم في ارتباطها بالتعبير عن أحوالها ومشاعرها في الإبداع الأدبي، وخاصة في المجال السردي، وقد قربني الحضور في ندوات كمشارك بدراسات حول المرأة وما تعبر عنه في كتاباتها بشتى أنواعها ، أقول قربني ذلك من قضايا ذاتية وغيرية متصلة بقضية المرأة. وأذكر أن أول اهتمامي بالمرأة بدأ بتأليف کتاب حولها بعنوان "كتابة المرأة من المونولوج إلى الحوار" ويهمني أن أشير هنا باختصار إلى الجانب المتعلق بكتابة المرأة وتأثير الظرف القاسي الذي قد كان دائماً من المحتمل أن تعيشه في الواقع، وما يكون له من تأثير على كتابتها الأدبية وينتج عنه أحياناً أن تُحاور المرأة ذاتها أكثر من أن تحاور المجتمع أو الرجل بالتحديد، وهذا ما كان يجعل كتابتها مونولوجية أي ذاتية أكثر منها حوارية بمعنى تميل إلى الغيرية. رأيت في هذا الصدد أن تغير الظرف القاسي الذي قد تواجهه المرأة في الوسط الاجتماعي سيؤدي حتماً إلى تغير حاسم، من هيمنة الحوار الذاتي إلى فتح حوارها المريح مع الآخر، وهذا ما يُحْدِثُ التوازن المرغوب في شخصيتها ، ولم لا ستصبحأيضاً نداً في الحوار مع الرجولة. وفيما يخصص الكتابة المتأثرة بالحوار الذاتي للمرأة، فإنها تميل إلى الشعرية حتى وأن كان إبداعها نثراً ، وهذا أمر طبيعي، لأن الميل الشعري هو القادر بامتياز على إطفاء حرائق الحوار الذاتي المتوتر".

بهذا المسار الفكري والعلمي الممنهج، وبقدرة على الربط بين النظرية والتطبيق، وعلى إنتاج المعرفة النقدية بدقة ووعي، يستحق الدكتور حميد لحمداني موقعه بين كبار النقاد العرب، ويأتي فوزه بجائزة العويس تتويجاً طبيعياً لتجربة نقدية راسخة، أثّرت وأثرت، وما تزال تثري المشهد الثقافي العربي.