'الحمام الزاجل في كتارا': موسوعة تستكشف أسرار طائر النبالة ورموز العمارة التراثية
يأتي كتاب "الحمام الزاجل في كتارا"، الصادر عن المؤسسة العامة للحي الثقافي "كتارا" عملاً موسوعياً بحق، لا يقتصر على سرد المعلومات، بل ينسج خيوطاً متينة تربط بين التوثيق التاريخي العريق والدراسة العلمية الدقيقة والتحليل المعماري الفني، ليغدو تجسيداً حياً لحرص "كتارا" على المحافظة على الموروث الشعبي العريق وإحياء التراث العربي الأصيل، مقدماً وثيقة معرفية تؤصل العلاقة بين البيئة القطرية والمحيط الحضاري الأوسع. وقد أُعد هذا الإصدار ليقدم رؤية شاملة وعميقة حول الأهمية التاريخية والثقافية والبيولوجية لطائر الحمام، وبخاصة الحمام الزاجل الذي ظل عبر العصور رمزاً متسامياً للسلام والاتصال السريع والحنين الأبدي إلى الأوطان.
ويؤكد القائمون على المشروع أن هذا الكتاب يأتي احتفاءً بالطائر الذي لا يزال يحلق ويعشش فوق الأبراج التي تزين مداخل الحي الثقافي، وهي أبراج أصبحت بجماليتها المعمارية وقيمتها التراثية من أبرز علامات كتارا البصرية والرمزية، كما يمثل هذا الاهتمام جزءاً لا يتجزأ من بناء الهوية الثقافية القطرية والعربية وترسيخ حضورها الحيوي في المشهد المعرفي العالمي.
يشير الكتاب في تقديمه إلى الارتباط الوثيق والتاريخ الطويل للعرب مع الحمام الزاجل، فهم من أوائل الأمم التي عرفت أهميته واهتمت بأنسابه ووضعت الكتب والدراسات في تربيته، وقد استُخدم قديماً للبريد والمراسلات والاتصال بين أطراف الدولة الإسلامية الواسعة، خاصة في النواحي العسكرية والتجارية، لسرعته وكفاءته في قطع آلاف الأميال، وقام الأجداد ببناء سلسلة من الأبراج لاستقباله كانت بمثابة مراكز للبريد. ويفتتح الكتاب تأكيده على عمق الصلة التي نشأت بين العرب والحمام الزاجل، إذ كانوا من أوائل الأمم التي أدركت أهميته الإستراتيجية وحرصوا على دراسة أنسابه وطرق تربيته بعناية فائقة، تاركين مؤلفات عديدة في علوم رعايته تشهد على مكانته الحضارية، ولعب الحمام الزاجل دوراً حيوياً لا يمكن إغفاله في الدولة الإسلامية عبر العصور، إذ استخدمته الجيوش والمؤسسات التجارية لنقل البريد والمراسلات بين أطراف البلاد الشاسعة بفضل قدرته الفائقة على الطيران لمسافات طويلة وقطع آلاف الأميال بدقة لا تخطئها الغريزة وبسرعة تفوق وسائل النقل المتاحة آنذاك، ومن أجل توفير بنية تحتية للبريد قام الأجداد ببناء سلسلة متكاملة من الأبراج التي خصصت لاستقباله، فكانت تمثل مراكز البريد المعتمدة آنذاك وتتصل في ما بينها لتشكل شبكة اتصال متقدمة وموثوقة، وقد عرف العصر العباسي ذروة هذا الاستخدام وبلغت قيمة الطيور المتميزة مبالغ طائلة تعكس دورها الاستراتيجي في الحفاظ على أمن الدولة وتجارتها، ثم ازدهرت هذه المنظومة مرة أخرى في العهد المملوكي مؤكدة أن الحمام الزاجل لم يكن مجرد طائر بل سفير صامت يحمل مصائر الممالك.
ويمتاز الكتاب بشمولية معالجته الموسوعية، فقد شارك في فكرته وإعداده علي يوسف الكواري، وأشرف على إنجازه وشارك في تقديمه كل من عبدالرحمن بن صالح الخليفي ود. خالد بن إبراهيم السليطي ود. نادية بنت عبدالرحمن المضاحكة، وقُدّم بأسلوب يجمع بين التاريخ والعلوم الطبيعية وعلم العمارة.
ويتمثل هذا الاتساع في تقسيم مادته إلى فصلين رئيسيين يتناولان مختلف الجوانب المرتبطة بالحمام عموماً والحمام الزاجل خصوصاً، حيث يبدأ الفصل الأول الذي يقدم مقدمة تاريخية ممتدة تعود إلى وجود الحمام على الأرض منذ عشرين مليون سنة مع إبراز أهميته الدينية والاجتماعية والاقتصادية، ثم يتدرج في تناول الجوانب العلمية والعملية فيعرض تصنيفه وأنواعه مثل الحمام الأصلي المعروف بحمام الصخور والحمام البري والحمام المستأنس، ويبين الأغراض التي يُربّى من أجلها كالسباقات والزينة وإنتاج اللحم، قبل أن ينتقل إلى البيولوجيا والتربية فيشرح مراحل النمو والتكاثر وخصائص الجنس والتغذية، ويقدم عرضاً مفصلاً لعلم الجينات والفسيولوجيا والتشريح بما يشمل الهيكل العظمي والأجهزة الحيوية المختلفة من هضمي وعصبي ودوري وتنفسـي وتناسلي، كما يخصص مساحة لأمراض الحمام الفيروسية والبكتيرية والفطرية والطفيلية وللمساكن وطرق العناية بها.
ومع الانتقال إلى الفصل الثاني يتسع التركيز ليشمل الجانب التاريخي والرياضي والمعماري المتعلق بالحمام الزاجل، حيث يتتبع تاريخه وأصوله ودوره في نقل البريد منذ العصر العباسي حين بلغ ثمن الطائر الواحد مبالغ كبيرة، ويتناول مواصفاته الدقيقة من حيث الشكل الخارجي والألوان وتفاصيل الأجنحة والعيون، ويتوقف عند أساليب تدريبه وتمارينه وأدوات سباقات الزاجل، ثم ينفتح على البعد المعماري عبر دراسة أبراج الحمام في كتارا من حيث موقعها الجغرافي وأبعادها الهندسية وشكلها العام وطريقة بنائها وتحليل القيم الشكلية والجمالية التي تعكسها واجهات هذه الأبراج التراثية وتبرز من خلالها صلة المكان بذاكرته الثقافية.
ويولي الكتاب أهمية قصوى لبيان المكانة التي حظي بها الحمام الزاجل عبر العصور، وهي مكانة متجاوزة لوظيفته البيولوجية المجرّدة؛ فقد ظلّ الطائر يحمل أبعاداً دينية واجتماعية واقتصادية عميقة. دينياً ورمزياً، يبرز الحمام كرمز عالمي خالد للسلام والحب وارتباطه بالبشارة والأمل، وتؤكد الإشارة إلى وجوده على الأرض منذ عشرين مليون سنة مكانته ككائن عريق يحمل دلالات الألفة والثبات في التراث الإنساني. اجتماعياً، مثّل الحمام الزاجل شرياناً حيوياً للتواصل، لا يقتصر دوره على نقل رسائل الملوك والأخبار العسكرية فحسب، بل كان جسراً يربط أطراف المجتمع ببعضها، ناقلاً المراسلات الشخصية بين الأهالي والأحبة ومجسداً في رحلات عودته الدائمة أسمى معاني الحنين إلى الأوطان والوفاء للمنبع، وقد أسهم في بناء شبكات اجتماعية واسعة عبر المدن والقلاع. أما اقتصادياً، فقد ارتقى الحمام الزاجل إلى مرتبة سلعة استراتيجية عالية القيمة، إذ كانت سرعته ودقته في نقل المعلومات عن التجارة والأسواق والأمن تمنحه قيمة مالية ضخمة، خاصة في العصور العباسية والمملوكية حيث بلغ ثمن الطائر الواحد أرقاماً هائلة تعكس دوره في حركة السوق وسلامة القوافل. ولا يزال هذا البعد الاقتصادي قائماً في العصر الحديث، حيث يشار إلى دور الحمام في رياضة سباقات السرعة التي أصبحت صناعة تتطلب سلالات مدربة بأثمان مرتفعة، إضافة إلى دوره في إنتاج اللحوم.
ويسلط الكتاب الضوء على الجوانب البيولوجية المدهشة لهذا الطائر، ومنها التكوين المخصص للطيران الذي يتجلى في الوصف التفصيلي للتركيب الفسيولوجي والتشريحي والهيكل العظمي وخفة العظام ومرونتها بما يظهر كفاءة تصميم طبيعية مثالية للطيران المتواصل، وتحليل وظائف الجهاز الهضمي والعصبي والدوري مع التركيز على الجهاز التنفسي المزدوج وكفاءة الأيض التي تمكنه من التحليق لمسافات شاسعة، إضافة إلى تناول علم الجينات والوراثة لفهم آليات تكوين السلالات والتحكم في الصفات المرغوبة، ثم الانتقال إلى الجوانب الصحية بتحديد أهم أمراض الحمام الفيروسية والبكتيرية والفطرية والطفيلية والإشارة إلى ضرورة العناية بمسكنه الذي يجب أن تتوفر فيه المواصفات المثالية لضمان استمرار صحة الطيور وسلامتها بما يعكس حس المسؤولية تجاه هذا الكائن.
وبعد هذا المدخل العلمي الشامل ينتقل العمل إلى عالم الحمام الزاجل تحديداً فيعيد رسم تاريخه ويسلط الضوء على سباقات الزاجل الحديثة، ويتناول طرق التدريب والتمارين اللازمة لإعداده لسباقات السرعة مع عرض الأدوات والمعدات المستخدمة في هذه الرياضة التي ما زالت تحافظ على حضورها التنافسي حتى اليوم، ويتوج بحثه بمحاولة تفسير آلية اهتداء الحمام الزاجل إلى موطنه، وهي قدرة ظلت لغزاً علمياً محيراً، فيعرض النظريات العلمية التي تناولت هذه القدرة المذهلة سواء اعتماد الطائر على غريزته القوية وإدراكه للعلامات الأرضية أثناء طيرانه أو اعتماده على حاسة سادسة متطورة تمكّنه من استشعار الحقل المغناطيسي للأرض بما يشبه "البوصلة الداخلية الطبيعية" التي لا تخطئ اتجاهها، وهي النظرية التي تثير الكثير من التأمل في آيات الإبداع في الطبيعة.
ويأخذ الكتاب القارئ إلى قلب البيئة القطرية عبر دراسة أبراج الحمام في حي كتارا الثقافي، وهي أبراج تمثل التماس الحي بين الماضي والحاضر، فيتوقف عند موقعها الجغرافي ويقدم وصفاً لأبعادها الهندسية وشكلها العام وطريقة بنائها التقليدية المتقنة التي تحاكي التراث المعماري الخليجي، ويحلل الجماليات الكامنة في واجهاتها وكيف أصبحت هذه الأبراج فضاءات معمارية متفردة ومعلماً بصرياً بارزاً يتلاقى فيه عبق الماضي بالحاضر الزاهر ويشكل رمزاً قوياً لهوية المكان الثقافية.
وبهذا كله يقدم كتاب "الحمام الزاجل في كتارا" عملاً مرجعياً متكاملاً يتنقل بين التاريخ والتراث والعلوم والعمارة بانسيابية آسرة، ليعرض الحمام الزاجل ليس فقط بوصفه رمزاً تراثياً عزيزاً، بل باعتباره موضوعاً علمياً ومعرفياً عميقاً يستحق الدراسة والتأمل، ونافذة واسعة تربط القارئ العربي بتاريخ الطائر النبيل وعلومه ورمزيته وجمال حضوره المستمر في فضاء كتارا الثقافي.

