خطط ترامب: توجهات سياسية كارثية
ظهرت خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لغزة في سياق حرب غزة خلال العام الحالي، وأخذت بُعداً أكبر بعد صدور قرار مجلس الأمن 2803. وهي خطة أميركية تحاول الولايات المتحدة أن تضفي عليها طابع التعدديّة، رغم أن إدارتها الانتقالية في غزة ذات الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية ستكون بقيادة الولايات المتحدة وبالتعاون مع دول أخرى. وتلعب واشنطن الدور المركزي في صياغة أطرها المتعددة، بما فيها الأمنية، وتتحكم باتجاهاتها. في حين برزت خطة ترامب لأوكرانيا في ظل الحرب الروسية–الأوكرانية التي اندلعت عام 2022، وتُطرح في إطار صفقة، وإن لم تُعتمد رسمياً كخطة غزة. وتأتي الخطة ضمن إطار ثنائي بين البلدين المتجاورين، مع حضور واشنطن لوضع ترتيبات وقف الحرب وتنظيم الأوضاع بعدها، تماماً كما يبدو الهدف من خطة غزة، مع استبعاد التدخل المتعدد من قبل الدول الأوروبية التي دعمت أوكرانيا في الحرب، وهو ما شكّل أحد أبرز الاعتراضات الغربية على الخطة الأميركية في أوكرانيا.
وفي إطار ثالث، تبدو الخطة الأميركية الخاصة بفنزويلا مختلفة عن سياق خطتَي ترامب لغزة وأوكرانيا، إذ تعكس حقبة مهمة من تدهور العلاقة الأميركية مع فنزويلا، التي دشّنها ترامب في ولايته الأولى ويعيد صياغتها حالياً. وتُعد خطة ترامب المعلنة خلال العام الحالي خطة أحادية الجانب تعكس سياسة الولايات المتحدة تجاه فنزويلا، وتعتمد على الضغط الاقتصادي والعقوبات القصوى وخنق نظام الرئيس نيكولاس مادورو بغرض استعادة الهيمنة الأميركية على قطاع النفط الفنزويلي وتقويض نفوذ القوى المناهضة للولايات المتحدة في البلاد، وخصوصاً النفوذ الصيني.
تكشف الخطط الأميركية للمناطق الثلاث عن بُعد اقتصادي استغلالي واضح، يشكّل محوراً حاسماً في المقاربات الترامبية. ففي غزة، تربط خطة ترامب لما بعد الحرب تشكيل بيئة استثمارية–إعمارية من خلال مشاريع ورؤى أميركية وبشركات تنفيذية أميركية ودولية، على أن يكون التمويل عربياً ودولياً وليس أميركياً. وفي أوكرانيا، تركز الخطة على تمويل الإعمار بـ100 مليار من الأصول الروسية المجمّدة، إضافة إلى 100 مليار من أوروبا، مقابل مكاسب تعود للولايات المتحدة من أرباح الإعمار كتعويضات عن الضمانات الأمنية التي قدمتها خلال الحرب. كما تشير الخطة إلى إنشاء كيان استثماري أميركي–روسي لمشاريع مشتركة يتيح للولايات المتحدة العمل داخل أوكرانيا. وفي فنزويلا، يبدو هدف الخطة مباشراً، إذ تمتلك البلاد أكبر احتياطي نفطي في العالم وكانت واشنطن المستقبِل الأول لنفطها. وتسعى الولايات المتحدة عبر سياسة الضغط القصوى الموضحة في خطة ترامب إلى قطع تدفق النفط الفنزويلي، خصوصاً نحو خصمها العالمي الأول، الصين، وإعادة السيطرة على قطاع النفط الفنزويلي وفتحه أمام الشركات الأميركية. ولذا تركز الخطة إما على إسقاط النظام في فنزويلا أو الضغط عليه للرضوخ وإعادة ترتيب الأوضاع الاقتصادية مع واشنطن.
تشكل خطط ترامب في المناطق الثلاث، إلى جانب الاستغلال الاقتصادي، انتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي وللأسس الديمقراطية التي رسختها الولايات المتحدة وطالما تغنّت بها. ففي غزة، تمثل خطة ترامب انتهاكاً قانونياً عميقاً واستخفافاً بجميع قواعد الديمقراطية المعروفة؛ فهي تنتهك السيادة الفلسطينية وتشير إلى فرض “وصاية أميركية” عبر إدارة انتقالية تُعرف بـ«مجلس السلام»، يُسلَّم بموجبها حكم الفلسطينيين إلى جهة أجنبية، الأمر الذي يعطل القرار الوطني الفلسطيني فوق أرض فلسطينية. وهو أمر غير مقبول فلسطينياً، ويأتي ضد إرادة الفلسطينيين وينتهك حقاً أصيلاً لهم. كما تكافئ الخطة الأميركية في غزة قوة الاحتلال الغازية، وتسمح ببقائها وممارسة سيطرتها الأمنية وقمع الفلسطينيين، وتعفيها من تحمّل مسؤوليتها عن أفعالها. فبدلاً من أن يتحمل الاحتلال مسؤولية إعادة إعمار ما دمّره في الحرب فوق أرض محتلة ولشعب مكفول بالحماية الدولية، ينقل ترامب تلك المسؤولية إلى جهات أخرى ليست شريكة في جرائم الحرب المقترفة في غزة. وتهمل الخطة بوعي الجذور السياسية للحرب، وتركز على جانب أمني يميل بشدّة لصالح القوة المحتلة وعلى جانب اقتصادي يخدم الرؤية الأميركية. إن إنشاء “إدارة انتقالية دولية” من دون تفويض واضح من الشعب الفلسطيني، وربط الإعمار بضمانات أمنية تُصاغ خارجياً، وإدراج بنود تتعلق بنزع سلاح فصيل فلسطيني بالقوة، يثير إشكالات قانونية مرتبطة بمبدأ حق الشعوب الخاضعة للاحتلال في تقرير مصيرها، وبقواعد عدم جواز فرض ترتيبات حكم أو أمن على أراضٍ محتلة من دون مشاركة السكان. كما أن أي صيغة تعيد إنتاج “وصاية دولية” أو تهمّش السلطة الفلسطينية أو المؤسسات المنتخبة تتعارض مع المعايير الديمقراطية الأساسية.
وفي أوكرانيا، تفرض الخطة وضع "حياد دائم" وتجميد حق كييف في الانضمام إلى الناتو، وتمنح روسيا مكاسب إقليمية في القرم وأجزاء من دونباس، وتطرح إصدار “عفو شامل” عن جرائم الحرب، بما يتصادم مع حق الشعب الأوكراني في تقرير مصيره السياسي. وتسجل خطة ترامب تنازلات إقليمية لروسيا تُفرض دون الاستناد إلى توجهات الحكومة الأوكرانية أو قرار الشعب الأوكراني، وهو ما تعتبره عدة دول أوروبية مساساً بوحدة الأراضي الأوكرانية. كما يُعد ذلك انتهاكاً صريحاً لقاعدة عرفية أساسية في القانون الدولي تحظر استخدام القوة للاستيلاء على أراضي الغير. وترفض دول أوروبية عدة خطة ترامب لأنها تراها خطة تعسفية أميركية–روسية تُفرض على أوكرانيا دون مشاركة أوروبية جادة، وبما يتجاهل المعادلات الأمنية في أوروبا التي أعقبت الحرب الروسية–الأوكرانية.
وفي فنزويلا، ترفض حكومة نيكولاس مادورو "خطة ترامب" المعروفة بسياسة الضغط القصوى الهادفة إلى إعادة تصميم النظام السياسي من الخارج وقلب نظام الحكم في كاراكاس. وتتهم الحكومة الفنزويلية الولايات المتحدة بالتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، رافضة أي تدخل أو وصاية أميركية، معتبرةً أن ما يطرحه الأميركيون يشكل استعماراً اقتصادياً وسياسياً للبلاد. وترى فنزويلا أن العقوبات الاقتصادية والنفطية قد تؤدي إلى كارثة إنسانية. والحقيقة أن هذه الخطة تعدّ تعدياً صارخاً على سيادة فنزويلا وضغطاً على النظام السياسي في إطار يتجاوز القانون ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ويتحدى أي اعتبارات ديمقراطية.
تُظهر التقاطعات الواضحة بين خطة ترامب لغزة، والتسريبات والتصريحات حول خطته لأوكرانيا وفنزويلا، نمطاً مشتركاً في السياسة الخارجية الأميركية لإدارة ترامب الحالية، يقوم على تقديم المصالح الاقتصادية الأميركية في تلك المناطق على أي اعتبارات قانونية أو ديمقراطية أو إنسانية، وهو ما يفسر الأصوات المرتفعة الرافضة لسياسات واشنطن الخارجية ومخاطرها المتزايدة.