مئة عام كافية لوأد مشروع الإخوان في مصر
القاهرة- أجهز تصنيف الولايات المتحدة فروع جماعة الإخوان في كل من مصر والأردن ولبنان جماعة إرهابية، على ما تبقى من طموحات قياداتها وكوادرها وفلولها. بعد نحو مئة عام من تأسيسها على يد حسن البنا في مدينة الإسماعيلية بمصر، إذ وضع اللبنة الرئيسية لأفكارها ومضى على دربه جميع مرشدي الجماعة، ولم يحاول أحدهم مراجعة ميثاقها وفقا للمستجدات، ووصلوا بها إلى أشد المربعات قتامة.
حملت الخطوة الأميركية صدمة لدى قيادات كانت تعتقد أن تهديدات الرئيس دونالد ترامب دخان في الهواء ولن تأخذ منحى جديا عندما توعدها منذ بضعة أشهر، وأن لوبي الجماعة داخل الولايات المتحدة ومؤيديها في أجهزة الاستخبارات سيقومون بفرملة التوجه نحو تصنيف عدد من فروعها المحورية كجماعة إرهابية في العالم.
من المتوقع أن يحرّض التحرك الأميركي الموقف الغربي ويصل إلى الاتجاه نفسه. وباتت العديد من الدول الأوروبية تتوجس من مغبة ترك هامش كبير للجماعة على أراضيها.
وثمة تعديلات في الرؤية قامت بها فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبلجيكا والسويد، ربما يؤدي تواصلها إلى موقف لا يقل حسما عما قامت به واشنطن أخيرا.
بدأ التغير الحاصل في ما يتعلق بالصورة المأخوذة عن ضرورة التفرقة بين جماعات متشددة وأخرى معتدلة، يتسع ويجد آذانا صاغية في دول عدة، والتيقن من أن غالبية الجماعات المتطرفة والحركات الإرهابية خرجت من عباءة الإخوان نفسها.
نجحت مصر في تبني خطوة استباقية قبل نحو ثلاثة عشر عاما، وتصنيفها الإخوان جماعة الإرهابية، وإسقاط حكم الجماعة في القاهرة عبر ثورة شعبية عارمة في يونيو/حزيران 2023، واتخاذ إجراءات متعددة لتجفيف منابعها السياسية والعسكرية والاقتصادية والمجتمعية. وهو طريق سلكته كل من الإمارات والسعودية عصمهما مبكرا من تطورات سلبية كانت يمكن أن تلحق أذى بأمن كلاهما القومي.
بدت الحكومة المصرية أكثر سعادة بالخطوة الأميركية من غيرها، حيث أثبت للعالم أن رؤيتها صائبة في التعامل مع الجماعة. فقد سبقت الجميع في التعامل بخشونة معها. ولم تقم بالتهوين من أفكار قادتها وتحركات أذرعها في الإضرار بالأمن المصري. وضربت الدعاية الإخوانية القائمة على المظلومية في مقتل.
لن ينحصر تأثير تصنيف الولايات المتحدة للإخوان كجماعة إرهابية على الداخل الأميركي. فكل دولة سمحت لعناصر الإخوان بالحركة على أراضيها مطالبة بالالتزام بتحمل توابع هذا القرار، سياسيا وأمنيا واقتصاديا وإعلاميا. بما يفرض قيودا محكمة على التوجهات العامة لهم في بعض الدول التي اتخذت مقرا ومركزا للجماعة.
إذا كانت كل من مصر والإمارات والسعودية ارتاحت للقرار الأميركي وتعززت القناعات بخطورة الجماعة على العالم، فإن كلا من الأردن ولبنان أمامهما شوط طويل لخوض مواجهة حقيقية، حيث نسجت الإخوان حزمة من التحالفات في الداخل، ولها امتدادات خارجية. وعلى كل منهما القيام بخطوات عملية لمعاقبة كوادر الجماعة، وتبرئة ذمة الحكومة في البلدين من أي اتهامات بشأن القيام بتوفير رعاية معنوية وغطاء خفي للإخوان، فواشنطن لن تتسامح مع الداعمين لقيادات الجماعة أو الصامتين على تصرفاتهم لاحقا، وقرارها يحمل رسائل إقليمية لكل من يهمهم الأمر.
تكفي مئة عام على ولادة الجماعة ليكتشف العالم أن دورها من الضروري أن يتلاشى. ومن راهنوا على تدجينها وتهذيب سلوكها تأكدوا أنها ارتكبت من الأخطاء ما يرقى إلى حد الحماقة، ولا يصلح التغاضي عنها.
استنفدت جماعة الإخوان كل الفرص التي ساعدتها على أن تتحول إلى جماعة سياسية مدنية، ولم تقم بتطوير خطابها ومراجعة أفكارها، حتى تجاوزها الزمن ودخلت مأزقا مصيريا، إما أن تعود بموجبه إلى جماعة سرية، أو تصبح جماعة دعوية وكفى، أو تواصل عنادها وتتحدى الخطوة الأميركية، التي من المنتظر أن تصطحب معها تحركات أكثر حدة في المستقبل.
يشير الارتباك الحاصل في صفوف جماعة الإخوان إلى أنها لم تأخذ تحذيرات ترامب بجدية، ولم تستوعب قفزاته السياسية الدرامية، وعليها مواجهة مصير مجهول في الدول التي لا تزال تحتضن أعدادا كبيرة من عناصرها. فكل من تركيا وقطر وماليزيا واندونيسيا وبريطانيا وفرنسا مثلا عليهم مراعاة الحسابات المعقدة التي تحيط بقرار ترامب، لأن طوفانه السياسي يمكن أن يحرجهم ويجرف معه عددا من حكومات هذه الدول، التي ترى أن الإخوان جماعة سياسية معتدلة.
بذلت القاهرة جهودا وفيرة كي تصل رؤيتها الحاسمة إلى دول عدة. وقدمت من المعلومات ما يكفي لتأكيد تصوراتها حول خطورة العناصر الإخوانية الكامنة والمعلنة. هناك من استجابوا وتعاونوا مع أجهزة الأمن المصرية، وآخرون رفضوا أبدوا ممانعة بعد كل ما تلقوه من وثائق دامغة.
ربح الفريق الأول، لأنه عالج الخطايا التي قامت بتوظيفها الجماعة. وخسر الفريق الثاني، لأنه نظر إلى الرؤية المصرية باعتبارها نوعا من تصفية الحسابات والانتقام، أو رغبة في تقويض أي دور للجماعة في هذه الدول.
توطدت العلاقات الأمنية مع الفريق الأول، وتجاهلت مصر عدم اكتراث الفريق الثاني، ولم تجعل من التعامل مع الإخوان عقدة في عملية تطوير علاقاتها مع كل من تركيا وقطر بعد المصالحة السياسية معهما.
وقدم القرار الأميركي هدية ثمينة للقاهرة، وربما تكون كل من أنقرة والدوحة مضطرة إلى إعادة النظر في المسلمات العقائدية والسياسية تجاه الجماعة، وما تجاهلته مصر من تحركات ضدها في هاتين العاصمتين في وقت سابق سوف يعاد النظر فيه قسرا، لأن الأمر لم يعد مصريا خالصا.
تأتي الخطورة من أن الرئيس دونالد ترامب لا يطرق بابا إلا وكانت خلفه أبواب أخرى. وباب الإخوان مليء بالخفايا والمطبات السياسية والأمنية والاقتصادية. ويؤدي فتح الخزائن إلى كشف الكثير من الأسرار وإحراج بعض الدول. فالجماعة درجت على توطيد علاقاتها في الخفاء مع أجهزة استخبارات مختلفة، وتغولت أذرعها المدنية في دول عديدة. وكان العمل الإنساني غطاء لبعض تحركاتها. وتسببت العلاقة الوثيقة مع حركة حماس في هدم سرديات دغدغت مشاعر شريحة كبيرة من المسلمين.
وضع التوجه الأميركي الجديد جماعة الإخوان في مأزق لن تخرج منه بسهولة، لأنها اعتادت القفز على المحكات الصعبة وتجاهل علاجها من جذورها. ووضع حركة حماس في مأزق أشد ضراوة، لأن الاتهامات الموجهة إليها بعد عملية طوفان الأقصى السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 سوف تتزايد على الساحة الدولية. ولم يترك لها الرئيس ترامب مرونة كافية للحركة، سوى إعلان الاستسلام والتنصل من ميراثها السياسي والعسكري وتغيير جلدها ليكون لها دورا هامشيا في المستقبل.