ليبيا بين جروح الماضي واستمـرار التمويه

حل الأزمة الليبية يكمن في تطبيق نموذج ناجح مستمد من تجارب الشعوب التي تمكنت من بناء حضارتها واستقرارها.

لا شك أن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية تتجه نحو مزيد من التعقيد، ففي الوقت الراهن، يواصل الدينار الليبي فقدان قيمته في السوق الموازية، مسجلاً نحو 9.06 دينار للدولار، متجاهلاً وعود البنك المركزي غير المفهومة، ويبرز شعور عام بأن خزينة الدولة الليبية على حافة الهاوية. وعلى الصعيد السياسي، في ظل هيمنة الدولة العميقة، أصبح الجمود السياسي هو السائد، فيما يعترض مشروع الانتقال الكبير إلى المرحلة المستدامة جدار الانغلاق الواضح، مما يجعل جميع محاولات التغيير تبدو غير مجدية وفاشلة.

قامت اليوم المحامية آمال بوقعيقيص بإدراج تغريدة تقول فيها "أنا حزينة حتى النخاع وأنا التي عايشت لحظة بلحظة الأمل يلمع في عيون فتية كانوا يتدافعون للشهادة من اجل الوطن، اليوم ليبيا تكاد تبتلعها هاوية مظلمة ولا أرى لها حلا إلا جمعية وطنية تأسيسية تستعين بخبرات عالمية موثوقة في الإدارة والاقتصاد والمحاسبة والقانون علينا أن نواجه حقيقة أننا لا نعرف ولا عيب في هذا كفوا عن ليبيا قطاع الطرق وشذاذ الآفاق".

صحيح ما تفضلت به الأستاذة آمال بوقعيقيص من امتعاض واعتراف هو مفهوم يستحق الاستماع والتقييم. ومع ذلك، يتوجب علينا أن نعترف أيضا بأن شريحة القضاة والمحامين الذين قادوا ثورة فبراير كانوا يفتقرون إلى الخبرة السياسية اللازمة، وإصرارهم على اتخاذ قرارات إدارية بحتة، دون مراعاة الأبعاد الواقعية والاستراتيجية، كان من شأنه أن يسهم بشكل كبير في تفشي الفوضى العارمة على الصعيد المحلي وإرسال رسائل خاطئة للمجتمع الدولي. هذا الأداء السلبي أتاح للتيار الإخواني أن يخترق الساحة ويخطف الثورة، مستغلا حالة الانفلات والفشل في إدارة المرحلة الانتقالية.

ومن خلال ما حدث في تلك المرحلة، توصلت شخصيا إلى مقترح آخر أراه في غاية الأهمية، وما زلت أؤمن بأنه يمثل فرصة حاسمة للخروج من المأزق المستمر. بعد أن تدهورت الأمور على مدى أربع سنوات من أحداث فبراير، اقتنعت شخصيا بأن الشعب الليبي بات غير قادر على بناء دولة بمفرده، وأن الحل الوحيد هو استنساخ نموذج ناجح مستمد من تجارب شعوب أخرى نجحت في تجاوز أزماتها، خاصة تجربة سنغافورة وماليزيا ومعظم دول الخليج، التي اعتمدت على مفهوم "الاستنساخ" في بناء دولتها الحديثة، وهو مفهوم ليس من اختراعي، بل هو جزء من أدبيات وتجارب دولية مثبتة.

أسئلة مشروعة

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو، لماذا لم نتجه نحو هذا الحل؟ وهل أبدينا اهتماما حقيقيا بهذا المقترح؟ أم أن النصوص القانونية الليبية تعيق مثل هذه الخيارات، أو أننا بتكابرنعتقد أننا أرقى من سنغافورة وماليزيا ومعظم دول الخليج في طريقة تفكيرنا ومفاهيمنا .. إن الإجابة على هذه التساؤلات تتطلب منا إعادة تقييم جادة للسياسات والإجراءات، والعمل على تبني استراتيجيات قادرة على استيعاب التجارب الناجحة، وتكييفها بما يتناسب مع واقعنا الوطني، لإعادة بناء الدولة على أسس متينة وواقعية.

لا شك أن رحيل المجلس الانتقالي مطلع عام 2012 إلى طرابلس، وتسليمه السلطة إلى قيادات مشبوهة في العاصمة، كان نقطة التحول الكارثية التي أدت إلى تدهور الوضع في ليبيا. فقد جاء ذلك التصرف في إطار ادعاء الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة، لكنه في الواقع كان بمثابة مربط الفرس الذي قاد البلاد إلى أتون الفوضى والدمار. ما حدث كان نتيجة مزيج من غباء القيادة الانتقالية، التي اعتمدت على أفكار غير ناضجة، وخطئها في تقييم الواقع، فضلاً عن الاختراق الإخواني الذي استغل المرحلة لتحقيق مصالحه الخاصة. تحولت الدولة الليبية من كيان قوي إلى مسرح للألغام والمخاطر، حيث استولت زمرة الإخوان على مفاصل السلطة في طرابلس، وبدأت في تنفيذ مخططها الخبيث من نهب وخراب ممنهج، وتمويل الإرهاب في الشرق، مخلفة فراغا أمنيا وسياسياً خطيرا، تركزت فيه قوى فاسدة تقودها أعلام سوداء، وأمراء حروب، وعصابات إجرامية من الخارج، وعملاء محليون، يقطعون الرؤوس وينصبون المشانق، ويرعبون السكان. وفي ظل ذلك، غادر المجلس الانتقالي بلا رجعة، تاركا بنغازي ودرنة وسرت في ظلام دامس، يكتنفها إرهاب داعش، وأدبيات التطرف، وأصوات التكفير، بقيادة متشددين مثل الصلابي، بلحاج، الزهاوي والغرياني. لقد تبخّر الحلم وتلاشى الأمل وتحول المشهد الليبي إلى مسرح للدم والأحداث المأساوية، نتيجة إخفاقات عديمي الخبرة، وانسياقها وراء مفاهيم ضيقة، وفشلها في حماية الوطن من أخطار الأعداء والمتربصين.

المنقذ الليبي 

لقد أدرك المشير خليفة حفتر منذ البداية خطورة الانفلات الأمني الذي تمر به ليبيا، ووقف بحزم أمام محاولات تمرير الحلول الديمقراطية المزعومة التي كانت تمكّن التيارات المتطرفة والإرهابية، والتي كانت تدمر النسيج الاجتماعي الليبي من خلال الفتنة والفتاوى المغلوطة وغير الأخلاقية. ومن هنا، اتخذ المشير القرار التاريخي بعملية الكرامة، التي خاض فيها معركة شرسة نيابة عن ليبيا والعالم أجمع، وتمكن فيها من هزيمة الإرهاب هزيمة نكراء، فبنى جيشا وطنيا حرر فيه 85 بالمئة من الأراضي الليبية، وأعلن بعد انتهاء الحرب عن مرحلة الإعمار، مؤسسا لعلاقات تعاون وشراكة مع مصر والأردن والإمارات والسعودية وروسيا وأوروبا وباكستان والصين وأميركا، واليوم عادت العلاقات مع تركيا لتجسد استقرارا مجتمعيا غير مسبوق في المناطق المحررة والتي تحضى اليوم بإهتمام وإحترام كبير من قبل كل هذه الدول.

وفي الوقت الذي عانت فيه ليبيا من فوضى اقتصادية وتفشي الفقر، كانت يد الإخوان والميليشيات هي المسيطرة على القرار، بدعم من الاعتراف الدولي المعيب والمضحك الذي كان فيه الشرق والجنوب يعاني من التضييق والتجويع من قبل الإرهاب، وبفضل سيادة المشير وأبطال الشرق والجنوب، انتصروا على المخططات الشريرة التي حاولت تأجيج الصراعات، وأثبتوا أن ليبيا موحدة وقوية، وأنها لن تكون مختطفة من زمرة تقبع في 15 بالمئة من الأراضي الليبية غربا بمؤامرة مستوردة.

وفي إطار السعي لتحقيق مشروع الانتقال إلى الدولة المنشودة، فإن الحل يكمن في تطبيق نموذج ناجح مستمد من تجارب الشعوب التي تمكنت من بناء حضارتها واستقرارها، وهو ما نعتبره المقترح الأمثل في المرحلة الحالية. إذ أن فكرة الاستنساخ والإصلاح والتطوير ليست مجرد رؤى، بل هي خطوات عملية تتطلب إرادة سياسية قوية وقرارات شجاعة، وهو ما نؤكد عليه من خلال تقديم هذا المقترح إلى القيادة العامة، تنفيذا لتوجيهات المشير، في زمن يتطلب وحدة الصف والعمل الجاد من أجل مستقبل ليبيا الآمن والمزدهر.وللحديث بقية.