المالكي وأميركا وإيران والرعب القادم

طهران تعدّ المالكي رجلها الأول الذي ليس بمقدورها الاستغناء عنه، فهو بمقدوره أن يلبي لها بعض المطالب ويرفع عن كاهلها سقف التهديدات الأميركية.

تساؤلات كثيرة في الشارع العراقي، ولغط كبير، وقلق من المستقبل العراقي، وغموض واستفهامات كثيرة تعمّ الأوساط السياسية وقادة مكوناتها وأوساطهم الشعبية، وحتى على صعيد دول الجوار العربية وعموم الوضع الإقليمي والدولي، من تولي السيد نوري المالكي لولاية ثالثة، وفي ذاكرتهم ما يستدعي القلق الكبير من عودته المرعبة إلى ساحة العمل السياسي كرئيس للوزراء مرة أخرى.

لقد وجدت إيران أن أزمتها الخانقة مع الولايات المتحدة، التي تهدد وجود نظامها السياسي وتفرض شروطًا صعبة على العراق بين آونة وأخرى، قد تؤدي، من وجهة نظر طهران، إلى احتمال خروج العراق من فلكها، إنما هو أمر يشكّل قلقًا بالغًا لإيران، وعلى النظام السياسي الذي يواجه عزلة دولية أن يخرج سالمًا من تلك الأزمة بأقل الخسائر.

وبعد خروج كل من سوريا ولبنان من الفلك الإيراني، واضمحلال الدور الروسي في المنطقة في حربه مع أوكرانيا، وعدم وجود حليف قوي لطهران تستند إليه في تلك المواجهة غير المتكافئة، لم يتبقَّ سوى العراق، الحاجز الذي تتكئ عليه إيران وحديقتها الخلفية، في أن يكون معينها في تلك المواجهة، ليكون العراق الساحة المهيأة التي يمكن أن تنطلق منها إيران في مواجهة أي اعتداء أمريكي يستهدفها من أجل الإطاحة بنظامها السياسي.

لقد وجدت إيران منذ شهور مضت أن القائمين على إدارة الوضع السياسي العراقي بدأ يساورهم القلق من التهديدات الأميركية بفرض عقوبات مشددة عليهم إن استمروا في دعمهم لطهران، وشعرت أن هناك من راح يساير تلك الرغبة الأميركية ويحاول أن يخرج عن فلكها، وهناك آخرون من الموالين لطهران يجدون أن الواجب يستدعي عدم ترك إيران تواجه قدرها وحدها في هذا التصعيد الخطير الذي يهدد وجودها في الصميم، وقد راحت تدعو لحرب شاملة، ولا ندري ماذا سيكون مصير العراق إن تورط في أية حرب شاملة بين الولايات المتحدة وإيران.

إزاء كل تلك المواقف المصيرية الخطيرة، وجدت طهران في أحلام المالكي للزعامة للمرة الثالثة فرصتها لأن تدعم توجهه هذا، وتجد فيه خير من يكون قد خفف عنها مصابها الأليم في أية مواجهة قد تحدث مع الولايات المتحدة. فما زالت طهران تعدّ المالكي رجلها الأول الذي ليس بمقدورها الاستغناء عنه، فهو بمقدوره أن يلبي لها بعض المطالب ويرفع عن كاهلها سقف التهديدات الأميركية، وبخاصة أنها ترى أن علاقة المالكي مع الولايات المتحدة ما تزال سارية المفعول، حتى وإن تم إزاحته عن كرسي السلطة في ولايته الثانية، عندما وجدته واشنطن أن ميله لطهران تعدّى كل الحدود، وأن مضايقته للمكونات الأخرى وسخطها من توجهاته الطائفية يعطيها المبرر لإبعاد المالكي عن واجهة الأحداث في المشهد السياسي العراقي حاضرًا ومستقبلًا.

وفي الوقت نفسه، ترى الولايات المتحدة والرئيس ترامب ربما أن ترشيح المالكي يخدم توجهات الإدارة الأميركية في قدرته على إقناع طهران بالانصياع للرغبة الأميركية وعدم الذهاب بعيدًا في لغة التصعيد والتحدي، وقبول بعض الشروط الأميركية لتخفيف الضغط الأميركي عليها، كونها ستتعرض إلى إزاحة نظامها السياسي أو إضعاف قدرتها كليًا عن ساحة التأثير الداخلي على مستوى إيران، وعلى المستوى الإقليمي والدولي بشكل عام.

أي أن الولايات المتحدة، بعد قبول ترشيح المالكي من قبل الإطار، وبحسب تصريحات مصادر في وزارة خارجيتها، راحت تراقب الوضع في العراق عن كثب، ولم تعبر عن أية وجهة نظر سلبية أو حتى إيجابية إزاء ترشيح الإطار للمالكي، الذي هو من أرغم الإطار عنوة ودون رغبة الكثيرين منهم على ترشيحه، حتى أصبحت مقولة "مكره أخاك لا بطل" تنطبق على حال كثير من قوى الإطار، التي تجد في عودة المالكي قلقًا يهدد مصيرها ومصير تحالفاتها الداخلية والإقليمية، وتهديدًا جديًا لمصالحها في النفوذ الذي حصلت عليه في السنوات الأخيرة، ويشكل صدمة لتراجع نفوذ القوى الشيعية التي عبرت عن معارضتها تولي المالكي لولاية ثالثة، لكنها وبسبب الضغوط الإيرانية قبلت هذا الترشيح على مضض، لعلها تجد في أية أزمة سياسية قد يواجهها المالكي من جهات داخلية أو خارجية فرصتها للانتقام منه وسببًا للخلاص من طغيانه على مقدراتها وإزاحته عن المشهد السياسي.

فما زالت في داخلها تحمل الشك والريبة والقلق والتوجس من توجهات المالكي، مثلما تحمل جهات سنية وحتى كردية من المخاوف والقلق من عودة المالكي وعودة أجواء الفتن والحروب والمؤامرات إلى واجهة الأحداث، ويفقد العراق زمام هدوئه واستقراره الأمني الذي تحقق في السنوات الأخيرة، وقد يضيع هذا الإنجاز أمام الإطار في أية لحظة.

كما أن جماعة السيد السوداني ما يزالون يحلمون بأية مصاعب يواجهها السيد المالكي في مستقبل قريب، والتعويل على حالات رفض داخلي أو خارجي أو أزمات قد تواجهه، عله يكون بمقدورهم تسهيل عودة السيد السوداني إلى واجهة الأحداث في ولاية ثانية مرة أخرى. وهم يعولون على الوقت المتبقي للصراع على الرئاسات الثلاث لتحقيق حلمهم هذا في أن يكون بمقدورهم إزاحة المالكي من رئاسة الوزراء.

بل إن احتضان العراق للآلاف من سجناء داعش ومن عتاة الإرهابيين في سجونه وضع العراقيين جميعًا في حالة قلق وتخوف كبيرين مرة أخرى، من أن المالكي قد يستخدمهم مرة أخرى للقضاء على المحافظات السنية وتحطيم مرتكزات نهوضها وإعمارها الذي شهدته منذ سنوات، ويجد فيها المالكي مبتغاه في فتح السجون أمامهم لاجتياح محافظاتهم مرة أخرى. فما زالت مآثر وشجون وويلات بزيبز، ومئات الآلاف من مهجريها ومعتقليها ومغيبيها، حاضرة في أذهان الملايين من أبناء محافظة الأنبار ومحافظات سنية أخرى.

كما أن الولايات المتحدة، التي تتبجح في محاربة داعش، قد وجدت في المالكي وقبول العراق احتضانه عشرات الآلاف من سجناء داعش، الذين تم تهريبهم من سجن الهول السوري، الورقة التي ستستخدمها الولايات المتحدة لفرض شروطها على العراق لإبقائه تحت نير سلطتها كلما وجدت أن الفرصة مواتية لتحريك هذا الخطر ضد الحكومة العراقية في أي وقت تراه مناسبًا، بما يخدم توجهاتها هي وإسرائيل في تمزيق أوصال العراق وإرباكه بمخططات إرهابية ليس بمقدورها مواجهتها.

وسيضطر العراق للاستنجاد بالجيوش الأميركية أو حتى الإيرانية لمساندته في أية مواجهة قد تكون داعش أحد فصولها المريرة أمام العراقيين في السنوات المقبلة.

وفي كل الأحوال، فإن كلاً من طهران وواشنطن تمازجا مع رغبة المالكي في الزعامة، وفي أن يكون هو من يسهل على كل تلك القوى أن تنفذ رغباتها، وبخاصة أن ترامب يميل إلى حكام من شخصيات قوية تفرض وجودها في المنطقة، حتى لو أدى ذلك إلى تمزق دولها وتناحر شعوبها، ما دامت تلك المحاولات في محصلتها النهائية تخدم توجهات الولايات المتحدة.

كما أن إيران تستفيد من تلك التحديات التي يواجهها العراق لاتخاذها ذريعة للجماعات المسلحة في عدم تسليم سلاحها، بل وستكون هي من تدخل المواجهة المقبلة، وتجد في قبول كل تلك الآلاف المؤلفة من إرهابيي داعش فرصتها لفرض هيمنتها على المشهد السياسي العراقي، ومبررًا لها لعدم تسليم سلاحها، بل وسيكون بمقدورها فرض شروطها بما يخدم توجهات الحاكمين في إيران في نهاية المطاف.

إن غياب التيار الصدري وزعيمه السيد مقتدى الصدر، وانزواءه عن مواجهة التحدي الخطير الذي يواجهه العراق، واستفراد الإطار بزعامة المالكي بالقرار السياسي العراقي في تلك المواجهة، وفرض شروطه على بقية قوى الإطار رغمًا عن إرادتهم، وضعف قدرة قادة المكون السني على مواجهة التحديات الخطيرة المستقبلية، واندماج بعض قادة الكرد مع الرغبة الأمريكية ومع رغبات المالكي في الزعامة والحصول على المنافع، هي من أدخلت، وستدخل، العراق مجددًا في نفق مظلم آخر قد يكون الخروج منه صعبًا هذه المرة.